اقتصاد وطنية

أغرقت البلاد والعباد..الصفقات العمومية عالم مسكوت عنه.. فمتى تطاله يد العدالة بحزم ؟

ماجدة حميد


ما ذكرته هيئة مكافحة الفساد في نشرتها الصادرة في بداية هذا الأسبوع، بخصوص ملفات فساد أو -شبهات فساد- من العيار الثقيل  يتمحور بالأساس في فضيحة بأتمّ ما للكلمة حيث قام مسؤولون بالتجهيز بإنشاء شركات لأشقائهم وزوجاتهم وتعاقدوا معها؛ لم يكن بالأمر المفاجئ أو الصادم رغم ثقله وتأثيره السلبي خاصّة في ظلّ تفشي الفساد في كافّة القطاعات الذّي أصبح ينخر البلاد ولم يجد الرادع القوّي له.
 الفساد في قطاع المقاولات والصفقات العمومية يعتبر من المسكوت عنه باعتباره دولة داخل الدولة نظرا لتشعب المسؤوليات وتدخّل اطراف نافذة وفاعلة بصفة مباشرة في هذا “العالم” العميق الذّي لم تسبر أغواره بعد يد العدالة وتحزم في ملّفات الفساد حوله ؛ فلم يعد خافيا للجميع جود شبكة مترابطة ومتداخلة ينخرط فيها مسؤولون وإطارات.


فقد أكدت تقارير وطنیة واخرى صادرة عن منظمة الشفافیة الدولیة كون قطاع الصفقات العمومیة في تونس بات اكبر وأوسع مجال للفساد والتجاوزات وتحقیق الاثراء غیر المشروع .
ويشیر التقرير أنّ السلطات تدفع سنويا في اطار الصفقات العمومیة بعد اجراء مناقصات لاختیار العرض الأفضل والأقل ما قیمته 10ملیار دينار توجه للمشاريع العمومیة والتزود بحاجیات الوزارات ومؤسسات عامة وھذا يشمل كل شيء أي ان كل تزود في ادارة عامة او احدى اجھزة الدولة او مؤسساتھا لا بد ان يمر بصفقة عمومیة وفق القانون، ولكن ما يحصل في الغرف المظلمة ووراء الأبواب الخلفية بعيد كلّ البعد عن المسارات القانونية وتتحكّم فيه لوبيات الفساد والمحاباة والرشوة والابتزاز.


فرغم أنّ قطاع الصفقات العمومية يرتبط بقوانين ومعايير محسومة تتمّ عبر المناقصات( الدولة  تقدّم عبر مرافقها العمومية عروضا او طلب عروض فتتقدم المؤسسات الخاصة والاشخاص حسب الاختصاص للمشاركة فيها عبر تقديم عروض سرية او بالأصح هكذا توصف على ان تتولى لجنة معينة ومحلفة وتوصف كون اياديها بيضاء باختيار العرض الانسب وفق قيمة العرض ومدى التزامه بكراس الشروط وايضا باحتساب العامل المادي اي العرض الاقل كلفة، ولكن على أرض الواقع فنجد أمورا أخرى مختلفة بعيدة كلّ البعد عن تطبيق القوانين إذ يتمّ في أغلب الصفقات العمومية قبل الاجتماع الرسمي فتح الظروف ويتم الاطلاع عليها ويقصى من يقصى ويدفع ما يدفع (رشوة) و تجري صفقات على الصفقات الحقيقية والمقياس المعتمد هو من يدفع وليس من الافضل والاجدر، والنتيجة هي حفر عميقة في وسط الطرقات ووسط المدارس وبالوعات وشبكات صرف صحّي لا تسع لترا من الماء وغيرها من الكوارث التي يعاني منها المواطن سواء في موسم الامطار أو غيره من المواسم، فالنتيجة واحدة صيفا وشتاء وتونس اليوم تزخر بطرقات وجسور تتشقق وتتهاوى وتمتلئ بالحفر بعد اسابيع قليلة من انجازها بسبب بنية تحتية لا تصمد امام بضع دقائق من الامطار.


ولنا أن نقول أنّ الكارثة تبدأ بالأساس في كيفية الحصول على الصفقة التي تشير تقارير أنّ البعض منها –إن لم نقل أغلبها-يتمّ بطرق غير قانونية وملتوية وهي ما يعبّر عنه بـ”صفقات تحت الطاولة”، ليكون بالتالي التنفيذ غير جدي وغير مطابق للمواصفات، فمن  يفوز بالصفقة  يعي جيّدا انّ لا رقيب أو حسيب له باعتباره قد قدّم ما يلجم أفواه ويعمي عيون بعض المسؤولين. والضحيّة يكون دائما المواطن.


الأمطار ليست السبب..


فما نلاحظه اليوم أنّ أروقة المحاكم  بمختلف أنحاء الجمهورية تشهد العديد من قضايا الفساد ، ويتمّ خلالها إصدار بطاقات ايداع بالسجن ضدّ مسؤولين في الدولة بعد التحقّق من وجود شبهة تدليس وثائق إدارية لفائدة مقاولين فازوا بصفقات عمومية دون وجه حق، أو بعد ضبط تسلّم الرشوة وغيرها من أوجه الفساد كالمحاباة والابتزازات التي تنخر الصفقات العمومية.
فالعديد من المؤسّسات تخلّ بشروط المشاركة في الصفقات العمومية، بتواطؤ من إطارات في الدولة، و تحوم حولها عديد الشبهات، وهي  مؤسّسات ذات انشطة مختلفة تهم قطاعات حيوية وحسّاسة  تخصّ حياة المواطن بالأساس، منها تجديد الطرقات وبناء المدارس واخرى تهتم بالتنمية البشرية وكذلك المجال الصحي والغذائي.
فما نراه اليوم بعد نزول كميات قليلة من الأمطار في ظرف دقائق يغرق الشوارع وتغمر المياه المنازل والمحلاّت ويفقد خلالها المواطن ممتلكاته وحتّى حياته، فقد سجلنا الأسبوع الفارط وفاة ستة أشخاص بسبب الأمطار التي لم تكن بكميات ضخمة لتتحوّل فجأة من  صيب نافع ننتظره باستبشار كلّ خريف ، إلى حوادث مؤسفة راح ضحيتها شباب وشيب وحتّى الأطفال.


فما نؤكّده اليوم انّ ما يحصل في تونس بعد كلّ “مطرة” أو”غسّالة نوادر” من كوارث ليس بسبب الأمطار بل بسبب تفشّي الفساد، فالحفرة التي برزت في إحدى المدارس، والأخرى التي شقّت الطريق في الكبارية ليست بسبب تلك الأمطار المتوقعة خلال هذه الفترة؛ بل هي بسبب فساد المشرفين على بناء  تلك المدرسة وذلك الطريق.

 إذ تؤكد تقارير ومنها تقرير لمنظمة الشفافية الدولية وأيضا ما تؤكّده هيئة مكافحة الفساد بان 25بالمائة مما يخصص للصفقات العمومية يضيع ويتبخر، بإشراف من مسؤولين وإطارات عليا بالدرجة الأولى.

مسؤولون.. ولكن فاسدون


أمثلة التجاوزات وأوجه الفساد في مؤسسّات الدولة لا يمكن حصرها وأغلبها تلقي بضلالها في قطاع الصفقات العمومية وقطاع المقاولات، وفق ما تبيّنه التقارير الرسمية وتثبته التحقيقات الإدارية والقضائية.
فالفساد الذّي ينخر البلاد لم يكن ليتفشّى أكثر خاصّة خلال السنوات الأخيرة، لولا تواطؤ بعض المسؤولين والمشرفين الذّين يتناسون المسؤولية  التي على عاتقهم بما تمثله من قيمة أخلاقية وقانونية ويتسببون في كوارث جمّة يعاني منها المواطن الويلات وتهضم فيها حقوقه. 
وللإشارة، على سبيل المثال لا الحصر فقد أحالت هيئة مكافحة الفساد، بتاريخ 07 أوت 2020، على السيد وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بزغوان ختم أعمالها في ملف يتعلّق بشبهات فساد ببلدية زغوان، تتمثّل فيما يلي:
– شبهة استغلال رئيس البلدية صفته وتدليس وثائق رسميّة وإدارية ذات طابع منشئ للحقوق أو موظّف لعقوبات.
– شبهة تلاعب رئيس البلدية بوثائق وتراخيص ومراسلات رسمية وإصدار تراخيص ووثائق رسميّة على خلاف الصيغ والإجراءات القانونيّة لفائدة أعضاء بالمجلس البلدي وأقاربهم.
– شبهة استغلال النفوذ والانحراف بالسلطة تنسب لأعضاء المجلس البلدي المستفيدين من منحهم ومنح أقاربهم من الفروع (الأبناء) لتراخيص ربط بشبكات المياه أو بشبكات الكهرباء بصفة غير قانونية وبطرق إجرائية غير شرعية.
– شبهة إصدار مراسلات وقرارات وإعلامات تمسّ من حقوق منظوري البلدية والمتعاملين مع المرفق العام البلدي وكذلك من حقوق الموظفين بالمصالح الإدارية البلدية من خلال تركيز مكتب ضبط موازي خاص برئيس البلدية دون إعلام أو استشارة كاتب عام البلدية أو أعضاء المجلس البلدي أو سلطة الإشراف.
كما انتهت الهيئة في ختام أعمالها إلى استنتاج وجود قرائن جديّة على شبهة استغلال رئيس البلدية صفته لجني منافع خاصّة أو للغير أو تلقيه لرشاوٍ وعمولات خاصّة من خلال مخالفة النظام العام الإجرائي ومن خلال تركيز مكتب ضبط موازٍ لمنح تراخيص وإصدار قرارات تتميّز بطبيعتها المكسبة للحقوق أو إلغاء قرارات صادرة عن المجلس البلدي أو عن مصالح التراتيب البلدية والقاضية بتغريم المستفيدين أو تحرير مخالفات ضدّهم.


كما سبق وأن  أصدر قاضي التحقيق الأول بالمحكمة يوم31 جانفي 2019، بطاقتي إيداع بالسجن المدني ببلاريجيا في حقّ كلّ من المدير الجهوي للتجهيز والكاتب العام للولاية. وأضاف المصدر ذاته أن صدور بطاقتي الإيداع في حق المسؤولين المشار إليهما، يأتي للتحقيق معهما في شبهة فساد إداري في قضية منشورة من جملة 11 شكاية كان قد رفعها والي جندوبة لدى النيابة العمومية ضدّ عدد من الإداريين والمسؤولين والمقاولين. وتتعلق الشكايات بشبهات فساد إداري ومالي، وذلك باستغلال الصفة لاستخلاص فائدة لا وجه لها لنفسه أو لغيره أو الإضرار بالإدارة، أو مخالفة التراتيب المنظمة لتلك العمليات لتحقيق الفائدة، وتهمة التدليس ومسك واستعمال مدلس، على معنى الفصل 96 من المجلة الجزائية، وفق تأكيده. وحسب ما تضمنته الشكاية التي أستندت إليها قرارات قاضي التحقيق، فإن الأمر يتعلق بإحدى الصفقات العمومية التي تداخلت فيها أطراف من بينها دائرة المجلس الجهوي والإدارة الجهوية للتجهيز والإسكان بالجهة وأحد المقاولين المنتفعين بمخرجات الصفقة، الذي تعمد تضمين ملفه وثائق جامعية وبطاقات جولان انبنى عليها منحه إحدى المناقصات قبل أن يتخلى عنها.


البرلمان على الخطّ..


للتذكير سبق وأن تحدّث النوّاب عن مسألة الفساد في الصفقات العمومية مطالبين الوزارة بوضع حد لهذه المعضلة، خلال مناقشة مشروع ميزانية وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية لسنة 2019.
حيث أكّد النائب غازي الشواشي، وجود شبهات فساد في الصفقات العمومية تتعلق اساسا بتجاوزات المقاولين وعدم احترامهم للقانون متهما إياهم بالغش والتغول  قائلا: “المقاولون يمارسون الهرسلة ضد اطارات وزارة التجهيز ويضغطون على وزارة الداخلية لتلبية طلباتهم”، كما طالب الشواشي، وزارة التجهيز باحترام مبدأ الصفقات العمومية وفرض القانون على المقاولين المخالفين.
ومن جهته شدّد النائب حسن العماري على أنّ نظام الصفقات أصبح عائقا في عديد المؤسسات لا سيما وزارة التجهيز، أمّا النائب طارق الفتيتي فأشار إلى أنّ حالة الطرقات أقل ما يقال عنها كارثية، مؤكدا أن هناك شبهات فساد تتعلق بإنجاز هذه الطرقات وسيقع تتبعها قضائيا مشيرا الى عزلة العديد من المناطق الداخلية عند نزول الأمطار.
وقد طغت مسألة تردي البنية التحتية في المناطق الداخلية لا سيما الطرقات على تدخلات النوّاب اذ عاب النائب عدنان الحاجي حينها على الوزارة تهاونها في تهيئة الطرقات في مختلف المناطق منبها إلى أنّ هذا التمشي من شأنه أن يخلق حالة من الاحتقان والتمرد في بعض الجهات.كما اثار النواب (ابتهاج هلال وحسام بونني والنائبة محرزية العبيدي) مسألة تقصير الوزارة في مراقبة انجاز المشاريع مقترحين إحداث لجنة مختصة في مراقبة ورصد المشاريع.


—————-
مؤطر———————مسؤولون بالتجهيز ينشئون شركات لأشقائهم وزوجاتهم ويتعاقدون معها


بيّنت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في نشرتها لهذا الاسبوع، أنّها توصّلت بتاريخ 22 جانفي2020 بمكتوب من وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية مرفقا بنسخة من تقارير التدقيق والتفقّد والرقابة المنجزة على مستوى الوزارة بعنوان سنة 2018.
وأوضحت الهيئة أنّه في إطار اضطلاع التفقدية العامّة للوزارة بالمهام الموكولة إليها، تولّت خلال سنة 2018 تنفيذ عدد من عمليات التفقّد شملت ملفات تعهّدت بها الهيئة وملفات أخرى تتعلّق بشكاوى تقدّم بها مواطنون. وقد تمّ تمكين الهيئة من نسخ من تقارير التدقيق المنجزة بمناسبتها.
وقد شملت عمليات الرقابة المنجزة من مصالح التفقّد بالوزارة، ملفّات تتعلّق بشبهات فساد منها:
✓ شبهة تضارب مصالح تنسب لمهندس أوّل، رئيس مصلحة جسور وطرقات بالإدارة الجهوية بقابس، تمثّلت في استغلال وظيفته للإشراف على شركة أحدثها باسم أخيه تنشط في مجال المقاولات بولاية القيروان ومتابعة مشاريعها مستفيدا من علاقاته السّابقة عندما كان يشغل نفس الخطّة في القيروان وذلك لتسهيل نشاطها.
✓ شبهة تضارب مصالح تنسب لمهندس، كاهية مدير الجسور والطرقات بالإدارة الجهوية بأريانة من خلال إحداثه شركة مقاولات في إطار تمتّعه بعطلة لبعث مؤسّسة ومن ثمّ بيعها لأخيه قبل العودة للعمل الإداري.
هذا وقد انتهت أعمال التفقّد العامة في هذا الخصوص باقتراح النظر في إمكانية نقلة المعنيين بالأمر من مصالح الجسور والطرقات وإبعادهما عن كلّما يخصّ الصفقات العمومية، وإجابة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على النحو المذكور.
✓ شبهة تضارب مصالح بالإدارة الجهوية للتجهيز بباجة تنسب لأحدإطاراتها، من خلال إحداثه شركة للأشغال العمومية باسم زوجته قصد المشاركة في الصفقات العمومية الراجعة بالنظر لولاية باجة في مجال البنايات المدنية.
وبمناسبة قيام فريق الرقابة بأعماله في علاقة بالموضوع وبالصفقات التي يشرف عليها العون المشار إليه، ثبت أن المشاريع التسعة المسندة للشركة المشار إليها والاستشارات، كلّها تحت إشراف العون المذكور وتوزّعت على معتمديات مرجع نظره. كما ثبت وجود نقص واضح في متابعة أشغالها من قبل الإدارة ومكاتب الدراسات والمراقبة المكلّفون بهذه المهمّة. 
هذا وقد تمّت إفادة الهيئة بإحالة العون ذو الشبهة على مجلس التأديب وعرض ملف الشركة العامة للأشغال العمومية على لجنة التراخيص لاتخاذ إجراءات السحب الوقتي أو النهائي إن اقتضى الأمر.
✓ شبهة تضارب مصالح بشركة تونس الطرقات السيارة على اعتبار عمل بعضهم في فترات مختلفة صلب الشركة وبمكاتب دراسات ومستشارين مرتبطين مع الشركة بمقتضى عقود إحاطة فنية واستشارة ولأهمية الموضوع وأثره المباشر على مصداقية شركة وطنية وعلى الوزارة تم الاذن للإدارة العامة بوضع حد لإلحاق أحد الأعوان والتثبت في وضعية الأعوان الملحقين لدى مؤسّسات أجنبية ووطنية.

Related posts

النّادي الصفاقسي: فوزي البنزرتي يقرّر الاستغناء عن 7 لاعبين

24-24

فضيحة جديدة في قصر قرطاج: ماهر بالريانة مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الاجتماعية “يشجع” المواطنين على القمار!!

ammar Abidi

130 فرقة مختصة للبحث في جرائم العنف ضد المرأة

24-24

Leave a Comment