29 أغسطس، 2025
وطنية

ارتفاع اسعار الزقوقو: طقوس المولد النبوي الشريف مهددة بالانقراض

تشهد الأسواق التونسية هذا العام ارتفاعًا ملحوظًا في أسعار مادة الزقوقو، المكوّن الأساسي لعصيدة المولد النبوي الشريف، وذلك نتيجة عوامل مناخية واقتصادية متشابكة. ورغم أنّ هذه الزيادة في الأسعار لم تعد مفاجئة للمستهلكين خلال السنوات الأخيرة، إلا أنّها تثير مجددًا الجدل حول قدرة التونسيين على الحفاظ على عاداتهم الغذائية والاحتفالية في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة.

وفق تصريحات من داخل هياكل الفلاحة والصيد البحري، فإن أسعار الزقوقو في مناطق الإنتاج، وخاصة في معتمدية مكثر التابعة لولاية سليانة، تتراوح حاليًا بين 50 و53 دينارًا للكيلوغرام الواحد. هذه الأرقام تمثل زيادة واضحة مقارنة بالسنوات الماضية، مع إمكانية تغيّرها وفق العرض والطلب عند توزيعها على مختلف الأسواق الوطنية.

أسباب الارتفاع: المناخ والحرائق وتأخر الرخص

ترجع أسباب هذه الزيادات بالأساس إلى تراجع الإنتاج الوطني من الزقوقو. فقد أدى النقص في الصابة مقارنة بالعام الماضي إلى ضغط على الكميات المتاحة. ويُعزى هذا التراجع إلى عدة عوامل، أبرزها التغيرات المناخية التي تشهدها البلاد، والتي انعكست مباشرة على الموارد الطبيعية.

كما ساهم نقص المياه وتقلص المساحات الغابية بسبب الحرائق المتكررة في السنوات الأخيرة في الحدّ من نمو أشجار الصنوبر الحلبي، وهي المصدر الوحيد لحبوب الزقوقو. وتُضاف إلى ذلك مسألة تأخر إصدار رخص الجمع، ما يعرقل عمليات الاستغلال المنظم ويؤثر على وفرة المنتوج في الوقت المناسب.

صعوبات إنتاج الزقوقو

إنتاج مادة الزقوقو ليس بالأمر السهل، إذ يمر بعدة مراحل شاقة ومعقدة. تبدأ هذه العملية بجمع حبوب الصنوبر من الأشجار المنتشرة في الغابات، وهو عمل يتم عادة في ظروف طبيعية قاسية، خصوصًا وأن الموسم يتزامن مع فصل الشتاء المعروف بصعوباته المناخية.

بعد عملية الجمع، يتم إدخال الحبوب في سلسلة من المراحل التحضيرية، وهو ما يتطلب وقتًا وجهدًا وتكاليف إضافية. كل هذه الصعوبات تجعل من الزقوقو مادة نادرة نسبيًا ومكلفة مقارنة بغيرها من المواد الغذائية.

عصيدة الزقوقو: من طعام الفقراء إلى رمز اجتماعي

ارتبطت مادة الزقوقو في الذاكرة الشعبية التونسية بعادة راسخة تتمثل في إعداد “عصيدة الزقوقو” خلال الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف. ويعود أصل هذه العادة إلى فترة تاريخية صعبة مرت بها البلاد، حيث واجه السكان المجاعة في بعض المناطق الجبلية، فلجؤوا إلى استعمال حبوب الصنوبر الحلبي كبديل عن الحبوب التقليدية في إعداد أطعمتهم.

ومع مرور الزمن، تحوّل هذا الطبق من “طعام للفقراء” إلى رمز اجتماعي يعكس الفرح والرخاء. فقد أصبحت العصيدة تُحضّر بطريقة مميزة، حيث يُستعمل مسحوق الزقوقو ممزوجًا بالطحين والسكر، وتُزيَّن بالفواكه الجافة والفستق واللوز، لتتحول إلى طبق فاخر يحضر على موائد التونسيين في هذه المناسبة الدينية.

بين العادة والتكلفة

اليوم، ومع ارتفاع الأسعار، يجد الكثير من العائلات التونسية نفسها أمام معادلة صعبة: هل تتمسك بالعادات وتتحمل أعباء التكلفة الباهظة، أم تتخلى عن طبق العصيدة الذي طالما مثّل جزءًا من هوية الاحتفال بالمولد النبوي؟

ورغم أن بعض العائلات قد تلجأ إلى تحضير كميات أصغر أو الاقتصار على تزيين الطبق بشكل أبسط لتقليل النفقات، فإن الطابع الرمزي للعصيدة يظل حاضرًا بقوة. فالطبق بالنسبة للكثيرين ليس مجرد غذاء، بل هو رابط وجداني بين الماضي والحاضر، يجمع العائلة حوله ويعزز قيم التضامن والاحتفال.

مستقبل الزقوقو بين الإنتاج المحلي والاستيراد

الارتفاع المتواصل في الأسعار يطرح أسئلة جدية حول مستقبل هذه المادة في السوق المحلية. فهل ستظل العصيدة حاضرة في كل بيت تونسي كما كانت في الماضي، أم أنها ستتحول تدريجيًا إلى طبق للنخبة فقط؟

في ظل هذه التحديات، يبرز مطلب تطوير سياسات واضحة لإدارة الغابات وتنظيم عملية جمع الزقوقو بشكل أكثر فعالية، بما يضمن استدامة الإنتاج وتوازن الأسعار. كما يطرح البعض فكرة فتح المجال أمام الاستيراد الجزئي لتغطية النقص، وهو ما يثير بدوره نقاشات حول جودة المنتوج المستورد ومدى ملاءمته للعادات المحلية.

الذاكرة أقوى من الأسعار

رغم كل هذه الإشكاليات، تبقى عصيدة الزقوقو أكثر من مجرد أكلة. فهي جزء من الذاكرة الجمعية للتونسيين، وطقس اجتماعي يعبر عن البهجة بالمولد النبوي الشريف. لذلك، ورغم ارتفاع الأسعار، يصر الكثيرون على تحضيرها ولو بكميات رمزية، حفاظًا على العادة ووفاءً لجذور تاريخية تمتد لقرون.

وهكذا، يستمر الجدل السنوي مع اقتراب ذكرى المولد بين من يراها عبئًا ماليًا ثقيلًا في ظل الظروف الاقتصادية، ومن يعتبرها ضرورة اجتماعية لا غنى عنها مهما ارتفعت تكاليفها. وبين الاثنين، يظل الزقوقو عنوانًا لعلاقة التونسيين المعقدة بعاداتهم، حيث تختلط الذاكرة بالتحديات، والاحتفال بالأعباء، والرمز الاجتماعي بواقع السوق.

Related posts

وزيرة الشؤون الثقافية وسفير إسبانيا يتباحثان سبل تعزيز التعاون بين تونس وإسبانيا في المجال الثقافي وتبادل الخبرات

Na Da

وفاة 13 شخصا وإصابة 373 اخرين خلال يوم واحد

marwa

جامعة التعليم الثانوي تتوصل إلى اتفاق مع وزارة التربية وتقرر رفع حجب الأعداد

marwa

Leave a Comment