صابر الحرشاني
تدخل الحكومة سنة 2026 وهي أمام استحقاق تشريعي كثيف، يتقاطع فيه ضغط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية مع رهانات استكمال البناء المؤسساتي، في سياق برلماني جديد أعقب تجديد هياكل مجلس نواب الشعب وتركيز لجانه القارة.
ومن المرتقب ان تعقد كل لجنة، بعد انتخاب أعضائها وتركيز مكتبها، جلسات داخلية لضبط برنامجها التشريعي والرقابي، غير أن النقاشات المطولة التي رافقت مداولات مشروع ميزانية 2026 كشفت، بشكل غير مباشر، ملامح الأجندة التشريعية للحكومة خلال السنة الجارية، وأبرزت حزمة واسعة من المشاريع التي تعتبرها الوظيفة التنفيذية ذات أولوية قصوى.
وقد وردت هذه الأولويات على لسان عدد من الوزراء خلال الجلسات العامة، كما تضمنتها وثائق رسمية مصاحبة لقانون المالية، على غرار الميزان الاقتصادي، بما يعكس توجها حكوميا واضحا نحو الدفع بعدد كبير من الإصلاحات القانونية المتداخلة، الاجتماعية والاقتصادية والمالية والتنموية، في مسعى لمعالجة اختلالات هيكلية متراكمة، وتأمين حد أدنى من الاستقرار المالي والاجتماعي.
أولوية الإصلاح المالي والاقتصادي
وفي مقدمة هذه التعهدات التشريعية، يبرز مشروع إرساء إطار قانوني ينظم التأمين على الكوارث الطبيعية، وهو ملف فرض نفسه بقوة في السنوات الأخيرة، في ظل تزايد المخاطر المناخية وتداعياتها على الأفراد والمؤسسات والمالية العمومية. وتطمح الحكومة، من خلال هذا المشروع، إلى إدماج التأمين على الكوارث ضمن خطة شاملة، تقوم على تصور واضح للأدوار ويضبط آليات التدخل، بما يسمح بتقاسم الأعباء بين الدولة والمتدخلين الاقتصاديين والمؤمن لهم، ويخفف الضغط المتزايد على الميزانية العامة.
وفي المسار ذاته، تحتل مسألة تحديث الأطر التشريعية المنظمة للتمويل موقعا مركزيا ضمن التعهدات الحكومية. إذ تعتزم الحكومة مراجعة القوانين المؤطرة للقطاع المالي بما يستجيب لمتطلبات السوق ويتلاءم مع أحدث الممارسات الدولية، مع التركيز على تنويع أدوات التمويل وتكييفها مع الحاجيات الحقيقية للاقتصاد الوطني، وخاصة المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي ما تزال تعاني صعوبات حقيقية في النفاذ إلى مصادر التمويل.
ولا ينفصل هذا التوجه عن سعي الحكومة إلى استكمال مراجعة المنظومة التشريعية والمؤسساتية للاستثمار، بما يشمل إعادة النظر في عدد من النصوص المنظمة للاستثمار المحلي والأجنبي، ومراجعة الاتفاقيات الدولية والمعاهدات الثنائية للاستثمار، وفق نموذج جديد يراعي التوجهات الوطنية ويحافظ على هامش السيادة الاقتصادية، في سياق دولي يتسم بتزايد المنافسة على جذب الاستثمارات.
وفي الإطار ذاته، تشمل الأجندة التشريعية تنقيح التشريعات المتعلقة بمعالجة نفايات الشركات المصدرة كليا، وإصدار مجلة جديدة للصرف، بما يهدف إلى تبسيط الإجراءات، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد التونسي.
إصلاحات اجتماعية وتنموية ثقيلة الكلفة
على المستوى الاجتماعي والتنموي، تتقدم المصادقة على الاستراتيجية الوطنية للتشغيل كأولوية تشريعية، في ظل ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في الجهات الداخلية. وتعتزم الحكومة، بالتوازي، الانطلاق في إعداد مخططات جهوية للتشغيل بعدد من الولايات التي تعاني هشاشة هيكلية مزمنة، على غرار قفصة والقصرين وسيدي بوزيد والكاف وسليانة وجندوبة، في محاولة لمعالجة الفوارق الجهوية وربط التشغيل بالخصوصيات الاقتصادية لكل جهة.
وفي السياق نفسه، تشمل الأجندة التشريعية تطوير الإطار القانوني المتعلق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، بما يضمن ملاءمته مع الاتفاقية الدولية ذات الصلة، ويعزز إدماج هذه الفئة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال نصوص قانونية أكثر وضوحا ونجاعة.
ومن الملفات الثقيلة التي تعود بقوة إلى واجهة النقاش التشريعي، المراجعة الجذرية لأنظمة الضمان الاجتماعي في القطاعين العام والخاص، وخاصة نظام الجرايات. وتسعى الحكومة، من خلال هذه الإصلاحات، إلى التحكم في كلفة التقاعد وتطوير آليات تمويل هذه الأنظمة، في ظل اختلالات هيكلية تهدد ديمومتها، وتطرح تحديات جدية على مستوى التوازنات المالية للصناديق الاجتماعية.
وفي إطار دعم الفئات الهشة وتعزيز التماسك الاجتماعي، تتقدم مشاريع المصادقة على الاستراتيجية الوطنية للنهوض بريادة الأعمال النسائية في أفق 2035، والخطة الوطنية للتماسك الأسري في الأفق ذاته، إلى جانب مشاريع قوانين تتعلق بنظام النفقة وجراية الطلاق، وإرساء نظام خاص بالتوفيق الأسري، بما يعكس توجها نحو تعزيز الحماية الاجتماعية ومرافقة التحولات التي تعرفها الأسرة التونسية.
تشريعات قطاعية وبناء مؤسساتي متواصل
و لا تقتصر التعهدات التشريعية للحكومة في 2026 على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، بل تمتد إلى عدد من القطاعات الحيوية. ففي قطاع التربية والتعليم، تشمل الأولويات إعداد النظام الداخلي للمجلس الأعلى للتربية والتكوين وتهيئة مقره، في خطوة ترمي إلى تفعيل هذا الهيكل الدستوري، إلى جانب تنقيح القانون المتعلق بالتعليم العالي الخاص، بما يستجيب للتحولات التي يشهدها القطاع.
وفي المجال الصحي، تبرز نية الحكومة مراجعة الإطار التنظيمي لمؤسسات تصدير الخدمات الصحية، وإحداث سجل وطني خاص بغير المقيمين الوافدين للتداوي، في إطار تنظيم هذا النشاط وتعزيز إشعاع تونس كوجهة علاجية، ضمن رؤية تقوم على استثمار الكفاءات الطبية وتحسين جودة الخدمات.
كما يحضر القطاع الرياضي ضمن الأجندة التشريعية، من خلال إصدار القانون الأساسي المتعلق بالهياكل الرياضية، وسن قانون خاص بمكافحة العنف والشغب في المجال الرياضي، إلى جانب قانون جديد لتنظيم ألعاب الحظ والرهان الرياضي، في محاولة لمعالجة اختلالات متراكمة وتنظيم أنشطة تعرف انتشارا متزايدا.
وفي ما يتصل بالتراث والثروات الطبيعية، تشمل الأولويات مراجعة مجلة حماية التراث، واستكمال تنقيح مجلة المحروقات، والانتهاء من مراجعة مجلة المناجم ونصوصها التطبيقية، إلى جانب إصدار قوانين تتعلق بمراجعة مهام الديوان الوطني للمناجم، وحماية التراث الجيولوجي، وتنظيم استغلال المقاطع ووحدات التكسير.
أما في قطاع السياحة، فتسعى الحكومة إلى مراجعة النصوص القانونية المنظمة للنشاط السياحي، وتحيين نظام تصنيف المطاعم، وإدراج منتوجات جديدة في مجال التنشيط السياحي، إلى جانب مراجعة القوانين المنظمة لوكالات الأسفار ومديري الوحدات الفندقية، بما يتماشى مع التحولات التي يعرفها القطاع ومتطلبات السوق.
وفي المجال التجاري والصناعي، تشمل التعهدات إحداث الهيئة العامة للتحقيق في مجال الدفاع التجاري لحماية النسيج الصناعي الوطني، وتنقيح قوانين المنافسة والأسعار وطرق البيع والإشهار، وإصدار قانون سلامة المنتجات الصناعية، إلى جانب تحيين الإطار القانوني للتجارة الإلكترونية.
كما تتضمن الأجندة تنقيح القوانين لتمكين مؤسسات البعث العقاري العمومي من الانخراط في برنامج الكراء المملك، وإصدار القانون الأساسي للمجالس البلدية، في استكمال لمسار البناء القاعدي للسلطة المحلية، فضلا عن تطوير الأطر القانونية المنظمة للعلاقات الاقتصادية والتجارية مع عدد من الدول العربية وبعض الدول الآسيوية، بما يخدم الدبلوماسية الاقتصادية.
وبشكل عام، تعكس هذه التعهدات حجم الرهان الملقى على عاتق الحكومة والبرلمان خلال سنة 2026، إذ تقتضي هذه الأجندة المكثفة إحكام التنسيق بين الوظيفتين التنفيذية والتشريعية، لضبط أجندة مشتركة تستوعب الانتظارات، وتأخذ بعين النظر مقترحات القوانين التي اشتغل عليها مجلس نواب الشعب.
