28 يناير، 2026
الصفحة الأولى دولي عالمية

انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات الدولية…رفض للتعددية أم محاولة لفرض الطاعة العالمية؟

أعلنت الحكومة الأمريكية انسحابها من 66 منظمة دولية. ويكتسب هذا الانسحاب أهمية خاصة من حيث عدد وتنوع المنظمات الدولية المشمولة به، وهو يعكس الأنماط الحاكمة على ذهنية نخب السياسة الخارجية الأمريكية الراهنة. 

كيف يمكن تحليل هذه الخطوة الدولية للولايات المتحدة؟ للإجابة، ينبغي أولا دراسة طبيعة المنظمات التي انسحبت منها أمريكا، ثم النظر إلى الرؤية الكامنة وراء هذا الإجراء، وأخيرا التمعّن في تعارض الرؤية الأمريكية الساعية إلى فرض الطاعة العالمية مع الحوكمة العالمية وطبيعة عمل المنظمات الدولية.

من بين 66 منظمة دولية، هناك 35 منظمة غير مرتبطة بمنظمة الأمم المتحدة، بينما ترتبط 31 منظمة أخرى بمؤسسات الأمم المتحدة. في الفئة الأولى، توجد عدة منظمات دولية بيئية، ويلاحظ بروز كثافة المنظمات الدولية المعنية بالبيئة. كما أن بعض المنظمات الأخرى معنية بنشر الديمقراطية في العالم، في حين تركز مجموعة أخرى على التعاون الإقليمي، ولا سيما مع أوروبا وأمريكا اللاتينية. وباختصار، فإن عداء حكومة ترامب للمسارات العالمية الخاصة بالبيئة، وكذلك تباعدها مع المؤسسات الأوروبية، أكثر جدية ووضوحا.

أما في ما يتعلق بالمؤسسات التابعة للأمم المتحدة، فإن انسحاب الحكومة الأمريكية من الهيئات الاقتصادية والاجتماعية، وكذلك من الهيئات الحقوقية وحقوق الإنسان، يعد أمرا بالغ الدلالة. فالولايات المتحدة تنسحب تقريبا من جميع اللجان الاقتصادية الإقليمية. 

وينبغي الانتباه إلى أن اللجان الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة لأقاليم أفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا تعد مؤسسات نشطة ذات برامج واسعة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، ولكل منها أمانات عامة مستقلة وكبيرة. 

كما تشمل فئة أخرى من مؤسسات الأمم المتحدة التي أعلنت أمريكا انسحابها منها الهيئات القانونية وحقوق الإنسان. ويعد الانسحاب من مؤسسة بالغة الأهمية مثل لجنة القانون الدولي ذا دلالة كبيرة للغاية. 

كما يلفت الانتباه قطع التعاون مع مؤسسات الأمم المتحدة المعنية بحقوق النساء والأطفال. وإضافة إلى ذلك، تضم القائمة الأمريكية مؤسسات تعليمية وبحثية تابعة للأمم المتحدة، مثل جامعة الأمم المتحدة، وهو أمر ذو أهمية خاصة.

يمكن النظر إلى الرؤية الكامنة خلف هذه الانسحابات من زاويتين:

الزاوية الأولى هي انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات الدولية بسبب إدانات إسرائيل داخل تلك المنظمات. فقد انسحبت حكومة رونالد ريغان، رئيس الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن العشرين، من اليونسكو بسبب معارضة غالبية أعضائها لسياسات الكيان الصهيوني. كما انسحبت حكومة بوش الابن في مطلع الألفية الثالثة من مجلس حقوق الإنسان.

أما الزاوية الثانية، فهي أوسع من مسألة انتقاد إسرائيل، وترتبط بإعطاء الأولوية للسيادة المطلقة للولايات المتحدة وعدم الرغبة في التعاون مع الآخرين، ولا سيما من قبل الحكومة الأمريكية الحالية.

إن أمريكا في عهد ترامب تسعى إلى فرض طاعة الآخرين لواشنطن، ولا تتحمل أي قيود في هذا المجال. فالقانون الدولي والمنظمات الدولية يقيدان حركة أمريكا الترامبية، حتى وإن كانت تلك المنظمة الدولية منظمة مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو). وتواجه أمريكا ترامب مشكلات حادة، خصوصا مع المؤسسات الأوروبية. ويرى بعض الخبراء الأوروبيين أن الاتحاد الأوروبي يعد أحد أهداف حكومة ترامب لإضعافه. 

إن معارضة المنظمات الدولية والرغبة في فرض طاعة الآخرين تعود جذورها إلى الصراعات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. ويمكن تمييز معسكرين في هذه الصراعات: «القومية التفوقية» و«العولميون الداعون إلى التعاون». فمن وجهة نظر الجمهوريين المتشددين، تعد كلمة «عولمي» أو «غلوبيست» نوعا من السباب السياسي الذي يطلق على أولئك الذين يسعون إلى تقييد سيادة الولايات المتحدة عبر القانون الدولي والمنظمات الدولية؛ وهو ما يعتقدون أن حكومتي أوباما وبايدن قد فعلتاه.

لكن، بعيدا عن هذه السجالات، فإن المنظمات الدولية والقانون الدولي هما من الحقائق التي لا يمكن إنكارها في العلاقات الدولية الراهنة. فهذه المؤسسات الدولية لا تقتصر على المجالات السياسية والأمنية فحسب. إذ تقلع يوميا آلاف الطائرات، وتنقل مليارات الدولارات من السلع عبر آلاف السفن في المحيطات. 

وهذه الأنشطة وغيرها من مظاهر الحياة الاجتماعية الدولية، تتشكل في إطار القانون الدولي والمنظمات الدولية. وهناك أكثر من خمسة آلاف منظمة حكومية دولية في العالم تعمل على توحيد المعايير وصياغة وتنفيذ القواعد الدولية، وتتخذ قراراتها ضمن مسار حكومي دولي. وينشط بعضها على المستوى الإقليمي، فيما يعمل بعضها الآخر على المستوى فوق الإقليمي.

وسواء واصلت الولايات المتحدة عضويتها في هذه المنظمات أم لا، فإن هذه المؤسسات تظل فاعلين مهمين في العلاقات الدولية وستستمر في الوجود. أما ما لا يمكن أن يدوم فهو الإصرار على فرض طاعة الآخرين. غير أن هذا لا يعني التقليل من أهمية انسحاب الولايات المتحدة من هذه المنظمات.

ولا شك أن انسحاب الولايات المتحدة من المنظمات الدولية يشكل تحديا كبيرا لهذه المؤسسات، سواء من حيث التمويل أو من حيث المسارات السياسية والتنفيذية، وليس من دون سبب أن يعرب الأمين العام للأمم المتحدة عن قلقه إزاء هذا المسار في صنع القرار الأمريكي.

 وينبغي الالتفات إلى أن انسحاب أمريكا من المنظمات الدولية، إلى جانب إجراءات أمريكية أخرى غير قانونية، سواء في الخطاب أو في الممارسة، يعد سابقة في تاريخ تطور المؤسسات الدولية ومصدرا عميقا للمشكلات.

لكن ما تسعى إليه الولايات المتحدة، أي إخضاع جميع أعضاء المجتمع الدولي، سواء من حلفائها أو من خصومها، أمر غير قابل للتحقق. فالميول الهيمنية لحكومة ترامب ستواجه بلا شك مقاومات متعددة الأشكال. وحيثما وجدت الهيمنة، وجدت المقاومة.

Related posts

سحب عابرة و ارتفاع طفيف في الحرارة

صابر الحرشاني

الصاروخ الصيني الشارد يسقط في المحيط الهادي

سنية خميسي

سفير ألمانيا: الإسرائيليون ضحايا الإرهاب الفلسطيني

Ichrak Ben Hamouda

Leave a Comment