28 يناير، 2026
الصفحة الأولى سياسة وطنية

في وجوب تثمين مياه الامطار

صابر الحرشاني

جاءت التساقطات المطرية الأخيرة التي عرفتها عدة جهات من البلاد لتعيد إلى الواجهة، من جديد، مسألة تثمين مياه الأمطار وحسن إدارتها، في سياق يتقاطع فيه العامل المناخي مع الإكراهات الهيكلية للسياسات المائية.

وبين صور الفيضانات وجريان الأودية من جهة، والتصريحات الرسمية التي تتحدث عن تحسن طفيف في نسب امتلاء السدود من جهة أخرى، يبرز تناقض لافت يطرح أسئلة جوهرية حول قدرة المنظومة المائية الحالية على تحويل كميات الأمطار المسجلة، حتى وإن كانت قياسية في بعض المناطق، إلى مخزون مائي فعلي يدعم الأمن المائي ويخفف من حدة الإجهاد المتواصل للموارد.

وقد عادت بلادنا مجددا إلى واجهة الاضطرابات المناخية بعد موجة أمطار وُصفت بالقياسية في عدد من الجهات، رافقتها فيضانات وسيول جارفة غمرت الطرقات والأحياء السكنية والأودية، وخلفت خسائر بشرية ومادية، ودفعت في بعض المناطق على تعليق الدروس وتعطيل حركة النقل، وقد أكّد المعهد الوطني للرصد الجوي أن بعض محطات الرصد سجّلت كميات من الأمطار تُعد الأعلى منذ عقود، ما أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديما متجدّدا حول إدارة الموارد المائية في ظل التحولات المناخية المتسارعة.

غير أنّ المفارقة التي تكرّرت هذه المرة أيضا، كما في مواسم سابقة، تمثّلت في محدودية انعكاس هذه التساقطات الغزيرة على المخزون المائي الوطني، وخاصة على نسب امتلاء السدود، فبينما امتلأت الشوارع بالمياه وتدفّقت السيول بقوة، لم يتجاوز التحسّن في معدلات امتلاء السدود مستوى وُصف بالطفيف، إذ بلغت النسبة الجملية قرابة 32 في المائة، وفق المعطيات المتداولة بعد آخر موجة أمطار، وهو تحسّن يظل نسبيا ولا يرقى إلى مستوى الطمأنة في بلد يعاني أصلًا من ضغط مائي مزمن.

وقد عكس هذا التباين الصارخ بين وفرة المياه في لحظات قصيرة، وضعف قدرتها على تعزيز الاحتياطي الاستراتيجي، حاجة ماسة الى مراجعة خارطة السدود وليس مجرّد سوء حظ جغرافي أو ظرف مناخي عابر. فالأمطار الأخيرة، على غرار ما حدث في سنوات سابقة، لم تتركّز بالقدر الكافي في الأحواض التي تغذّي السدود الكبرى، خاصة في الشمال الغربي الذي يضم النسبة الأهم من المنشآت السدّية. ونتيجة لذلك، ضاعت كميات هامة من المياه في البحر أو تبخّرت أو تسرّبت دون أن يتم استغلالها ضمن منظومة وطنية متكاملة.

لكن اختزال الإشكال في التوزيع الجغرافي للأمطار وحده يبقى تفسيرا ناقصا. فالتحدّي الحقيقي يكمن في محدودية البنية التحتية المخصّصة لتجميع مياه الأمطار وتوجيهها وتخزينها، وفي ضعف الربط بين إدارة الفيضانات وإدارة الموارد المائية، فالسياسات العمومية لا تزال تتعامل مع الفيضانات باعتبارها كارثة يجب احتواؤها في حينها، لا فرصة ينبغي استثمارها ضمن رؤية طويلة المدى.

لقد كرّست سنوات الجفاف المتتالية، التي شهدت تراجعًا ملحوظًا في معدلات التساقطات، واقعًا مائيًا هشًا، جعل السدود في مستويات تاريخية متدنية، وفرض إجراءات تقشفية في التزوّد بالمياه، سواء بالنسبة للاستهلاك المنزلي أو للنشاط الفلاحي والصناعي. غير أن هذا الواقع لم يُقابل بإعادة نظر جذرية في كيفية التعامل مع فترات الوفرة المطرية، التي باتت، بفعل التغير المناخي، أكثر حدّة وأقصر زمنًا.

ففي السنوات الأخيرة، تغيّر نمط التساقطات بشكل واضح و لم تعد الأمطار موزّعة بانتظام على كامل الموسم، بل أصبحت تتّخذ شكل عواصف قوية ومركّزة في فترات قصيرة، تُحدث فيضانات مفاجئة بدل أن تغذّي الموارد المائية تدريجيًا. وهذا التحوّل كان يستوجب تطوير مقاربات جديدة قادرة على التكيّف مع هذا الواقع، عبر تعزيز منشآت حصاد المياه، وتحديث منظومات التصريف والتخزين، وربطها مباشرة بمنظومة السدود والموائد المائية الجوفية.

التصريحات الرسمية التي صدرت في أعقاب الأمطار الأخيرة أقرت، ضمنيًا أو صراحة، بهذه الإشكاليات. فقد أكّد عدد من المختصين أن التحسّن المسجّل في منسوب السدود، رغم أهميته النسبية، لا يعكس حجم التساقطات القياسية التي شهدتها بعض المناطق، وهو ما يدلّ على محدودية قدرة المنظومة الحالية على استيعاب هذه الكميات. كما حذّر خبراء من أن استمرار هذا النمط دون إصلاحات عميقة سيجعل البلاد أكثر عرضة للتقلبات المناخية، سواء في شكل جفاف مطوّل أو فيضانات مدمّرة.

ورغم هذه الصورة العامة القاتمة، كشفت بعض التجارب المحلية عن إمكانيات كامنة يمكن البناء عليها. ففي ولايات مثل بن عروس، سُجّل تحسّن ملموس في رصيد السدود والبحيرات الجبلية بعد التساقطات الأخيرة، وهو ما يؤكّد أن الاستثمار في منشآت صغرى ومتوسطة لتجميع المياه يمكن أن يحقق نتائج إيجابية، خاصة إذا تم إدماجه ضمن سياسة وطنية شاملة.

غير أن هذه النجاحات الجزئية تظل محدودة الأثر في غياب رؤية متكاملة تربط بين مختلف المستويات: من التخطيط العمراني، إلى حماية الأودية، مرورًا بالبنية التحتية للطرقات، وصولًا إلى إدارة السدود والموارد الجوفية. فالكثير من مياه الأمطار لا تزال تُهدر بسبب التوسّع العمراني غير المنظّم، وردم المجاري الطبيعية، وغياب حلول تقنية بسيطة نسبيًا، مثل خزانات التجميع في المناطق الحضرية وشبه الحضرية.

اليوم، يزداد الوعي داخل الأوساط الفلاحية والمدنية بضرورة إعادة ترتيب أولويات السياسة المائية. لم يعد مقبولًا أن تبقى البلاد رهينة منطق ردّ الفعل، تتحرّك عند وقوع الكارثة ثم تعود إلى إدارة الأزمة اليومية دون معالجة جذورها. فالمطلوب هو الانتقال إلى منطق استباقي يعتبر كل متر مكعّب من مياه الأمطار موردًا ثمينًا يجب التخطيط له قبل أن يسقط، لا بعد أن يجرف الطرقات والمنازل.

ويشمل هذا التحوّل ضرورة الاستثمار في صيانة السدود القائمة وبناء منشآت جديدة مكمّلة لها، وتطوير شبكات توجيه المياه السطحية نحو مناطق التخزين، وتعزيز تقنيات حصاد مياه الأمطار على مستوى الأحياء السكنية والمؤسسات العمومية والفضاءات الفلاحية. كما يتطلب الأمر مراجعة الإطار التشريعي والمؤسساتي لضمان تنسيق فعلي بين مختلف المتدخلين، من وزارات وهياكل فنية وجماعات محلية.

إن التغير المناخي، بما يحمله من عدم يقين وتقلبات حادة، لم يعد خطرًا نظريًا، بل واقعًا ملموسًا تعيشه تونس موسما بعد آخر. وأمام هذا الواقع، تصبح المياه مسألة سيادية بامتياز، لا تقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الطاقي. 

Related posts

مكتب البرلمان يصادق على قرارات بخصوص الجلسات العامة المشتركة

Moufida Ayari

موفى أوت: الميزان التجاري الغذائي يحقق فائضا بقيمة 1606 مليون دينار

Na Da

اختتام أشغال الدورة 25 للجنة العسكرية المشتركة لتونس وإيطاليا

محمد بن محمود

Leave a Comment