28 يناير، 2026
الصفحة الأولى مجتمع وطنية

من الحلول الظرفية الى رهان الاستدامة…اصلاح شامل مرتقب لانظمة الضمان الاجتماعي

تعود منظومة الضمان الاجتماعي إلى واجهة النقاش ، باعتبارها إحدى أكثر المنظومات تأثرا بالاختلالات الاقتصادية والمالية المتراكمة.

وكان رئيس الجمهورية قيس سعيّد قد دعا وزير الشؤون الاجتماعية عصام الاحمر الى العمل على اصلاح تشريعي بخصوص انظمة الضمان الاجتماعي التي عانت لعقود من حومنة مختلة راكمت الازمات.

المعالجة الجذرية تأجلت لعقود

أقرت المساهمة الاجتماعية التضامنية سنة 2017 في سياق مالي واجتماعي دقيق، باعتبارها إجراء ظرفيا يهدف إلى دعم التوازنات المالية للصناديق الاجتماعية التي بدأت آنذاك تظهر مؤشرات عجز مقلقة. غير أن هذا الإجراء، الذي لم يُرفق منذ البداية بإصلاحات جوهرية تعالج عمق الأزمة، بقي في إطار التعديل الظرفي، ليتحوّل مع مرور السنوات إلى مورد شبه قار تعتمد عليه الصناديق لتغطية جزء من التزاماتها.

هذا التحول لم يكن دون كلفة، إذ إن كل مورد ظرفي، مهما بلغت قيمته، لا يمكنه أن يضمن تغطية حاجيات السنة الموالية، ما يجعل العجز يتراكم سنة بعد أخرى، ومع غياب إصلاحات هيكلية حقيقية في السنوات الماضية، باتت المساهمة الاجتماعية التضامنية جزءا من المشكلة بدل أن تكون جزءا من الحل، لأنها تؤجل المعالجة الجذرية وتغذي منطق الترقيع المالي.

وفي هذا الإطار، يبرز ضرورة التمييز بين مفهومين غالبا ما يتم الخلط بينهما، وهما ديمومة منظومة الضمان الاجتماعي وتحقيق التوازن المالي، فالديمومة تعني ضمان استمرار الخدمات الاجتماعية وحماية الحقوق المكتسبة، في حين أن التوازن المالي الكامل والفوري يبقى غير قابل للتحقق، نظرا لتراكمات تمتد لأكثر من خمسين سنة، وديون قائمة على مؤسسات اندثرت ولم يعد لها وجود، ويجعل هذا الواقع من الإصلاح مسارا طويل النفس، لا يمكن اختزاله في إجراء جبائي أو فصل ضمن قانون مالية.

إعادة الهيكلة… الخدمة قبل المورد

ينطلق التصور المطروح لإصلاح منظومة الضمان الاجتماعي من مبدأ أساسي مفاده أن الخدمة الاجتماعية تسبق المورد المالي، أي أن الحق أولى من المال.، و هذا المبدأ كان في صلب التوجهات التي دعا إليها رئيس الجمهورية، حين شدد على ضرورة وضع حد للأزمة عبر إعادة هيكلة شاملة، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن مهام إعادة الهيكلة لا يمكن إنجازها في سنة أو سنتين، احتراما لمبدأ عدم المساس بالسلم الاجتماعية، الذي يظل أولوية مطلقة.

ويقوم تصور إعادة الهيكلة على محورين رئيسيين، يتمثل المحور الأول في إعادة هيكلة المنظومة الاجتماعية ذاتها، من خلال إعادة بناء الصناديق وفق منطق الارتباط بالخدمة، فالصندوق الذي لا يضم منخرطين فعليين لا معنى لوجوده، وهو ما يفرض مراجعة عميقة لوظائف الصناديق وأدوارها. وفي هذا السياق، يبرز صندوق التأمين على المرض كمثال، إذ يجب أن يقوم على قاعدة واضحة من المنخرطين، وموارد قارة مرتبطة مباشرة بالمضمونين.

كما يجري العمل على إعداد نص قانوني يمنح الصناديق آليات رقابة واستخلاص فعلية، تضمن تحصيل الديون المتخلدة بذمة المشغلين، مع التوجه نحو فصل الموارد الخاصة بكل خدمة اجتماعية في صناديق مستقلة لا تدخل ضمن المال العام. ويشمل هذا التصور إحداث صندوق خاص بالمنحة العائلية، بما يضمن التوازن الداخلي لكل خدمة اجتماعية، ويحول دون تداخل الموارد والنفقات.

أما المحور الثاني من إعادة الهيكلة، فيتعلق بتطوير الموارد الذاتية للصناديق. فالتصور الجديد يهدف إلى تحويل الصناديق من مجرد جهاز لصرف الجرايات إلى أداة فاعلة لدفع الاستثمار والتنمية الاقتصادية. وفي هذا الإطار، يجري التفكير في إحداث هيكل خاص للتصرف في الرصيد العقاري للصناديق، بما يضمن صيانته وتثمينه وتوفير موارد إضافية، خاصة وأن بعض هذه العقارات مكترية منذ سنة 1957 ولم تخضع لأي مراجعة جدية.

إلى جانب ذلك، تطرح ضرورة مراجعة مساهمات الصناديق في الشركات العامة والخاصة، إذ تمتلك الصناديق أسهما في عدد من المؤسسات التي يفترض أن تدر موارد فعلية، لا أن تبقى استثمارات جامدة أو ضعيفة المردودية. وقد تم عرض تصور متكامل في هذا الشأن على رئيس الجمهورية، لاقى جزء منه المصادقة، في حين لا يزال الجزء الآخر قيد التقييم، في إطار مقاربة تدريجية تأخذ بعين الاعتبار التوازنات الاجتماعية.

ترشيد التصرف وتوسيع الموارد

و إلى جانب إعادة الهيكلة، يطرح ملف ترشيد التصرف داخل منظومة الضمان الاجتماعي كأحد المفاتيح الأساسية للإصلاح. فالصناديق الاجتماعية، وفق هذا التصور، لا يجب أن تتحمل أعباء ليست من صميم مهامها، مثل تمويل برامج النهوض بذوي الإعاقة أو إصلاح المنظومة الصحية. ورغم الإقرار بأهمية المسؤولية الاجتماعية، إلا أن هذه المسؤولية يجب أن تكون موزعة على الجميع، مع التأكيد على أن ميزانية الدولة هي أداة التمويل الأساسية لهذه السياسات، لا منظومة الضمان الاجتماعي.

ويؤكد هذا الطرح أن إصلاح الضمان الاجتماعي لا يمكن أن ينجز في يوم واحد ولا عبر قانون مالية واحد، بل هو مسار طويل يتطلب مراحل متتالية، يتم خلالها تفكيك مواطن الخلل ومعالجة الاختلالات العميقة بطريقة تدريجية ومسؤولة، توازن بين متطلبات الإنقاذ المالي وحماية السلم الاجتماعية.

في هذا السياق، يقترح قانون المالية لسنة 2026، في احد فصوله مواصلة العمل بالمساهمة الاجتماعية التضامنية لفترة إضافية، من خلال تمديد تطبيقها على الأرباح والمداخيل الخاضعة للضريبة التي يحل أجل التصريح بها بين سنوات 2023 و2027، بما يضمن استمرار هذا المورد الظرفي في دعم التوازنات المالية للصناديق الاجتماعية.

كما ينص القانون على تعزيز موارد التمويل عبر جملة من الرسوم والمعاليم الجديدة أو المرفعة. ومن أبرز هذه الإجراءات الترفيع في معلوم الترسيم العقاري على هبات العقارات بين الأصول والفروع وبين الأزواج من 100 إلى 200 دينار، وإحداث معلوم جبائي على كراسات الشروط بقيمة 20 دينارا، إلى جانب توظيف معاليم جديدة على فواتير المساحات التجارية الكبرى، تتراوح بين 1500 و2000 دينار حسب قيمة الفاتورة.

ويقترح فصل موال توسيع دائرة الموارد باعتماد رسوم على خدمات الاستهلاك الرقمي، وعلى كل عملية شحن رصيد هاتفي تفوق 5 دنانير، فضلا عن فرض معلوم بنسبة 40 بالمائة على المشاركة في الألعاب والمسابقات عبر تكنولوجيات الاتصال. كما يتضمن المشروع إقرار مساهمة خاصة لفائدة حساب تنويع مصادر تمويل الضمان الاجتماعي، تُوظف على أرباح البنوك والمؤسسات المالية وشركات التأمين ومشغلي شبكات الاتصال ووكلاء بيع السيارات، بنسبة 4 بالمائة من الأرباح، مع حد أدنى يقدر بـ10 آلاف دينار، ودون إمكانية طرحها من أساس الضريبة على الشركات.

ويضيف النص موردا جديدا عبر اقتطاع دينارين عن كل يوم كراء سيارة، يتم التصريح به شهريا على غرار الأداء على القيمة المضافة، في إطار السعي إلى تنويع الموارد وعدم الاكتفاء بالمساهمات التقليدية.

و تكشف هذه الخيارات عن مسار إصلاحي يتجه رغم الإبقاء على الحلول الظرفية نحو إصلاح هيكلي عميق لمنظومة الضمان الاجتماعي. ويبقى التحدي الأساسي في القدرة على ترجمة هذه التصورات إلى سياسات متكاملة تضمن ديمومة الحقوق الاجتماعية، وتحقق قدرا معقولا من التوازن المالي، دون تحميل الفئات المتوسطة والضعيفة كلفة إصلاح طال انتظاره.

Related posts

رئيس الجمهورية يقرّر إعفاء الرئيس المدير العام للصوناد الحالي من مهامّه

Moufida Ayari

صدور الملحق التعديلي للاتفاقية القطاعية بين الكنام ونقابة أطباء القطاع الخاص بالرائد الرسمي

root

اليوم: ارتفاع نسبي في درجات الحرارة مع طقس مغيَم

Ichrak Ben Hamouda

Leave a Comment