في خضمّ الجدل المتصاعد حول مستقبل إدارة قطاع غزة
وترتيبات ما بعد الحرب، برز تشكيل «المجلس التنفيذي»
باعتباره اختبارًا سياسيًا جديدًا يكشف عمق التباين بين
الموقفين الأمريكي والإسرائيلي، وحدود قدرة حكومة
الاحتلال على التأثير في مسار القرارات المفصلية.
ويرى خبراء أن إشراك قطر وتركيا في المجلس فجّر
خلافات كامنة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، ووضع
بنيامين نتنياهو أمام مأزق داخلي متصاعد، في وقت تمضي
فيه واشنطن قدمًا بفرض مقاربتها لإدارة المرحلة المقبلة في
غزة، بما يفتح الباب واسعًا للتساؤل حول طبيعة الصلاحيات،
وموازين القرار، ومن يمتلك فعليًا زمام إدارة القطاع في
المرحلة القادمة.
اعتراض للاستهلاك الداخلي.. وعجز أمام الإرادة الأميركية
وقال المحلل السياسي عادل شديد إن ثمة تباينًا واضحًا بين
الموقفين الإسرائيلي والأمريكي حيال تشكيل المجلس
التنفيذي، ولا سيما فيما يتعلق بعضوية كل من قطر وتركيا.
وأوضح شديد في حديث ل”قدس برس” أن هناك شبه إجماع
داخل إسرائيل، يشمل الائتلاف والمعارضة وقطاعات واسعة
من المجتمع اليهودي، على رفض أي دور قطري أو تركي،
باعتبارهما – وفق الرواية الإسرائيلية – من الداعمين لحركة
حماس والمقاومة.
وأشار شديد إلى أن وجود قطر وتركيا في المجلس التنفيذي
شكّل مأزقًا سياسيًا لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو
أمام جمهوره الداخلي، مرجحًا أن اعتراضه العلني كان
موجّهًا بالأساس للاستهلاك الداخلي، في محاولة للتنصل من
المسؤولية وامتصاص الغضب داخل الشارع الإسرائيلي،
وليس موجّهًا للإدارة الأمريكية.
وأضاف أن نتنياهو لم يُفاجأ بتشكيلة المجلس ولا بعضوية
قطر وتركيا، لكنه فشل في إقناع الإدارة الأمريكية والرئيس
دونالد ترامب باستثنائهما، إذ إن أي إقصاء لهما من شأنه
إضعاف شرعية المجلس وتقويض فرص تنفيذ ما يُعرف
بـ«خطة ترامب».
وأكد أن واشنطن ترى أن المضي قدمًا في الخطة دون
مشاركة قطر وتركيا أمر غير ممكن، في حين يعتبر نتنياهو
وجودهما عامل تهديد، لكنه عجز عن تغيير الموقف
الأمريكي، ما فاقم أزمته الداخلية ودفعه إلى تبني موقف
تصعيدي بعد تصاعد الانتقادات والاحتجاجات ضده، واتهامه
بالضعف والتقاعس وإضاعة فرصة كان يعتقد بعض
الإسرائيليين أنها كانت ممكنة في غزة دون شراكة قطرية أو
تركية.
المجلس “أمر واقع” ولا فيتو لإسرائيل
من جانبه، قال أستاذ حلّ النزاعات والخبير في الشؤون
الإسرائيلية علي الأعور إن الإعلان الرسمي عن تشكيلة
المجلس التنفيذي لإدارة غزة، بوصفه حلقة وصل بين مجلس
السلام ولجنة التكنوقراط الفلسطينية، وما تضمنه من تأكيد
مشاركة قطر وتركيا، دفع مكتب رئيس حكومة الاحتلال إلى
إصدار بيان زعم فيه نتنياهو أنه لم يكن على علم بهذه
التشكيلة، غير أن الرد الأمريكي جاء سريعًا وحاسمًا، إذ
أكدت واشنطن أن إسرائيل كانت على دراية كاملة بآلية
التشكيل وبالأسماء والدول المشاركة، وأن هناك أطرافًا داخل
القدس كانت مطلعة على تفاصيل المجلس التنفيذي منذ البداية.
وأوضح الأعور في حديث ل”قدس برس” أن الموقف
الأمريكي كان واضحًا في التأكيد على أن من حق إسرائيل
إبداء رأيها، لكنها لا تملك القدرة على تغيير الواقع أو إلغاء
المجلس التنفيذي أو تعديل أعضائه، ما يعني أن المجلس بات
حقيقة قائمة، وأن الولايات المتحدة ماضية في تنفيذه. وأضاف
أن محاولات نتنياهو التنصل من المعرفة المسبقة بالتشكيل
تندرج في إطار الدعاية السياسية الموجهة للإعلام المحلي،
وتهدف إلى تخفيف حدة المعارضة داخل حكومته، ولا سيما
من قبل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، الشريكين
الرئيسيين له في الائتلاف الحكومي. واعتبر أن ما يُوصف
بالاعتراض الإسرائيلي ليس سوى احتجاج داخلي موجّه
للاستهلاك الإعلامي، ولن يغيّر شيئًا من الواقع القائم. وأشار
الأعور إلى أن النقطة الجوهرية المقبلة تتعلق بطبيعة
الصلاحيات الممنوحة للمجلس التنفيذي: هل هو مجلس
صاحب قرار أم سيبقى في إطار تقديم التوصيات؟ مرجحًا أن
يتجه المجلس ليكون إطارًا تنفيذيًا فعليًا لإدارة غزة ومستقبلها،
في ظل إعلان حركة حماس تخليها الكامل عن إدارة القطاع،
وتسليم المؤسسات الحكومية للجنة التكنوقراط برئاسة علي
شعت.
وتابع أن هذا الخلاف يعكس ذروة التباين بين الإدارة
الأمريكية ونتنياهو، إلا أن الأخير يدرك جيدًا أن القرار بات
أمريكيًا بامتياز، وأنه لا يملك القدرة على تعطيل قرارات
الرئيس دونالد ترامب، لا سيما فيما يتعلق بالمجلس التنفيذي
ومشاركة قطر وتركيا.
وأضاف أن إسرائيل قد تحتفظ بهامش مناورة محدود في
الملفات الأمنية ونزع السلاح، لكنها فقدت السيطرة على ملف
الحكم المدني والإدارة وإعادة الإعمار وفتح المعابر، مؤكدًا
أن المرحلة المقبلة في غزة تُدار بقرار أمريكي مباشر، وأن
المجلس التنفيذي سيمتلك صلاحيات كاملة في إدارة القطاع
في المستقبل القريب.
نزع السلاح ومستقبل غزة
حسب ما نقلت صحيفة إسرائيل اليوم اليمينية، تلقى وزراء
حكومة الاحتلال الإسرائيلي أول أمس إحاطة حول آلية
الإدارة المستقبلية لقطاع غزة، في إطار الترتيبات المنبثقة عن
اتفاق وقف إطلاق النار. وتشمل الخطة أربعة أطر أو هيئات
مختلفة لإدارة القطاع، بالإضافة إلى دور إسرائيل وقوة
الاستقرار الدولية متعددة الجنسيات (ISF)، التي لم تُنشأ بعد
ولم تنضم إليها أي دولة حتى الآن.
ورغم تعقيد المخطط، فإن عناصر “التبسيط” وُضعت عمدا،
خصوصاً على مستوى مركزية القرار وتوحيد المرجعيات،
فيما الغالبية الساحقة من الشخصيات المعنية بالمشروع، بدءاً
من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تُصنّف على أنها
مؤيدة لإسرائيل.
ومع ذلك، لا تخلو الخطة من إشكاليات حتى وفق المعايير
الإسرائيلية. إذ تشير الإحاطة إلى أن اللجنة التكنوقراطية
الفلسطينية ستضم 15 شخصاً، فيما يُقترح تشكيل قوة شرطة
فلسطينية تتولى لاحقاً مهام نزع سلاح حركة حماس
والفصائل. وتُعتبر هذه العناصر، بحسب التقديرات
الإسرائيلية، نواة قد تتحول إلى كيان ذي طابع شبه سيادي، ما
يستدعي مراقبة دقيقة أمنياً وسياسياً.
وتُعدّ الأسابيع المقبلة حاسمة لمصير غزة وترتيبات ما بعد
الحرب، حيث يُتوقع إنجاز عملية نزع السلاح خلال ثلاثة إلى
خمسة أشهر. ويشير “مجلس السلام” برئاسة ترامب إلى أنه
سيقدم قريباً مطلباً نهائيا لحماس لتفكيك سلاحها بالكامل، مع
فترة زمنية قصيرة للرد، على أن تتولى الشرطة الفلسطينية،
بعد التدريب في مصر، جمع الأسلحة من البنادق إلى
الصواريخ والعبوات الناسفة، من دون مشاركة مباشرة
للجيش الإسرائيلي أو قوة الاستقرار الدولية.
ويؤكد مسؤولون إسرائيليون أن نزع السلاح الكامل شرط
أساسي لإطلاق عملية إعادة الإعمار، وأن المجتمع الدولي لن
يموّل غزة دون تحقيق هذا الشرط، ما يعكس توافقًا دوليًا
وعربيًا حول هذه الرؤية.
إلا أن هذا الطرح يعكس قراءة إسرائيلية–أميركية موسّعة
للاتفاق، تتجاوز نصوصه المعلنة، وتسعى لتحويله من إطار
لوقف النار إلى منصة لإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني
في القطاع. فحركة حماس، رغم موافقتها على وقف إطلاق
النار، تربط مسألة السلاح بالتوافق الوطني الفلسطيني، لا
بالإجراءات الأحادية أو الضغوط الأمنية الخارجية.
ويثير الرهان على اللجنة الوطنية الفلسطينية لادارة غزة
وقوى شرطية محدودة جدية حول قابلية هذا النموذج
للاستمرار، فغياب التوافق الوطني وتحويل أدوات اللجنة
المدنية إلى أدوات ضبط أمني قد يحوّل الاتفاق من مدخل
لتهدئة مستدامة إلى آلية لإدارة الصراع بصيغة جديدة.
ويرتبط نزع السلاح بشرط انسحاب إسرائيل من المنطقة
الشرقية للقطاع، وفتح المعابر، وبدء إعادة الإعمار، فضلاً
عن نشر قوة الاستقرار متعددة الجنسيات. وقبل أن تتولى
اللجنة الوطنية الفلسطينية لادارة غزة هذه المهام، سيكون
اختباراً حقيقياً يحدد مصداقيتها ونجاحها قبل الانسحاب
الإسرائيلي والبدء بعملية الإغاثة والتعافي.
وعليه، فإن “الأسبوعين الحاسمين” لا يتعلقان فقط بترتيبات
إدارية أو أمنية، بل بمسار سياسي كامل يُراد فرضه على
غزة: إما أن يكون وقف إطلاق النار بداية لمعالجة سياسية
تدريجية ومتوافق عليها، أو أن يتحوّل إلى أداة لإدامة
السيطرة وتقليص كلفة الاحتلال، من دون معالجة جذوره
الأساسية.
قلق اسرائيلي من تشريك تركيا وقطر
وصل المبعوثان الأمريكيان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر
إلى إسرائيل يوم السبت الماضي والتقيا برئيس وزراء
الاحتلال بنيامين نتنياهو حيث بحثا معه فتح معبر رفح وبدء
إعادة إعمار قطاع غزة، وفقًا لرؤية الرئيس الأمريكي دونالد
ترامب ورهنًا بـ” مجلس السلام” الذي أنشأه. وطالبت
الولايات المتحدة إسرائيل بفتح معبر رفح حتى قبل عودة آخر
المختطفين ران غويلي، لكنها تؤكد لإسرائيل أن واشنطن
تضمن بذل كل جهد ممكن للعثور عليه.
وأتت هذه الزيارة وسط استياء في إسرائيل من إشراك تركيا
وقطر في “لجنة توجيه غزة”، وهي هيئة ستعمل بين “مجلس
السلام” الذي سيشرف على اتفاق وقف إطلاق النار
والحكومة الفلسطينية التكنوقراطية التي ستنفذ المهام على
أرض الواقع. وصرح مسؤول إسرائيلي بأن إنشاء هذه الهيئة
هو “انتقام من ويتكوف وكوشنر لرفض نتنياهو فتح معبر
رفح قبل العثور على ران غويلي”. كما ادّعى المسؤول أن
إنشاء لجنة التوجيه لم يكن بموافقة إسرائيل، وبالتالي إشراك
أنقرة والدوحة.
وأطلق الرئيس ترامب يوم الخميس الماضي رسميًا “مجلس
غزة للسلام”، وسارع العديد من القادة إلى الانضمام إلى هذه
الهيئة التي أنشأها مع الرئيس، على أمل أن تتولى حل
النزاعات في أنحاء العالم.
وأوضح قادة أوروبا رفضهم المشاركة في المجلس، ويعود
ذلك جزئيًا إلى معارضتهم لطبيعته، وتوقع حصول ترامب
على صلاحيات مركزية واسعة فيه، فضلًا عن دعوة الرئيس
الروسي فلاديمير بوتين أيضًا، وهو ما يُعدّ مؤشرًا سلبيًا
للأوروبيين نظرًا للحرب في أوكرانيا.
