30 يناير، 2026
غير مصنف

الفوترة الإلكترونية بين القانون ومبادرة النواب:مسار التدرّج وحدود الإلزام

ما يزال الجدل قائما حول توسيع مجالات الفوترة الالكترونية
بعد المصادقة على الفصل المذكور في قانون المالية و دخوله
حيز التطبيق بشكل مرن و متدرج.
ولم يمرّ توسيع مجال الفوترة الإلكترونية ليشمل عمليات
إسداء الخدمات، كما ورد في الفصل 53 من قانون المالية
لسنة 2026، مرورا عاديا في المشهدين الاقتصادي
والبرلماني، فبينما قدّمت وزارة المالية، عبر مذكرة تفسيرية
رسمية، توضيحات أكّدت من خلالها اعتماد مبدأ المرونة
والتدرّج في التطبيق، بادر عدد من نواب مجلس نواب الشعب
إلى تقديم مقترح قانون يهدف إلى تنقيح الفصل المذكور،
معتبرين أن النص، في صيغته الحالية، لا يستجيب كليا
لإكراهات الواقع الاقتصادي والتقني، خاصة بالنسبة إلى
المؤسسات الصغرى والمتوسطة وأصحاب المهن الحرة.
ويعكس هذا التوازي بين التفسير الإداري والمبادرة التشريعية
 حجم الجدل القائم حول كيفية تنزيل الإصلاح الجبائي
المرتبط برقمنة المعاملات، ويطرح تساؤلات أوسع حول
حدود المرونة، ودور النص القانوني، وآليات إنجاح الانتقال
نحو منظومة فوترة إلكترونية شاملة.
توسيع في المبدأ وتشديد في الالتزام
و أقرّ الفصل 53 من قانون المالية لسنة 2026 توسيع مجال
التعامل بنظام الفوترة الإلكترونية ليشمل، إلى جانب العمليات
السابقة، عمليات إسداء الخدمات ابتداء من غرة جانفي

  1. ويعني ذلك، من حيث المبدأ، إخضاع قطاع واسع
    ومتنوّع من الأنشطة الاقتصادية لنظام رقمي موحّد، يشمل
    الأشخاص الطبيعيين والمعنويين، بما في ذلك أصحاب المهن
    غير التجارية.
    ويأتي هذا التوجّه في سياق سياسة جبائية معلنة تهدف إلى
    تعزيز الشفافية، والحد من التهرّب الجبائي، وتحسين
    استخلاص الموارد العمومية، عبر تقليص التعامل بالفواتير
    الورقية وضمان تتبّع أفضل للمعاملات الاقتصادية. غير أن
    هذا التوسّع، بحكم طبيعته، أثار مخاوف متعلقة بقدرة جميع
    المتدخلين على الامتثال الفوري لمتطلبات تقنية وتنظيمية
    دقيقة.
    مرونة في التطبيق لا في المبدأ
    و في محاولة لتوضيح كيفية تنزيل أحكام الفصل 53،
    أصدرت الإدارة العامة للدراسات والتشريع الجبائي مذكرة
    عامة عدد 2 لسنة 2026، شدّدت فيها على أن اعتماد الفوترة
    الإلكترونية في مجال الخدمات يتم في إطار مرحلي، يراعي
    الجاهزية التقنية للمتعاملين الاقتصاديين وتقدّم إعداد
    المنظومات المعلوماتية المخصّصة للغرض.
    وبيّنت المذكرة أن الالتزام الفعلي باحترام نظام الفوترة
    الإلكترونية ابتداء من غرة جانفي 2026 يهمّ مسدي الخدمات
    الذين انخرطوا فعليًا في شبكة الفوترة الإلكترونية واستوفوا
    الشروط القانونية والتقنية. أمّا الذين أودعوا مطالب الانخراط
    ولم يستكملوا بعد الإجراءات اللازمة، فيواصلون إصدار
    الفواتير الورقية طبقًا للتشريع الجاري به العمل.

وتقدّم هذه القراءة تفسيرا لمفهوم “المرونة” المعتمد، باعتباره
مرونة في آجال التطبيق لا في جوهر الالتزام، إذ تظل
الفوترة الإلكترونية، وفق المذكرة، خيارًا استراتيجيًا لا رجعة
فيه، مع فسحة زمنية للامتثال التدريجي.
النواب يقترحون التعديل
وفي المقابل، اعتبر عدد من النواب أن التفسير الإداري، مهما
بلغت درجة وضوحه، لا يكفي لمعالجة الإشكاليات العملية
التي أفرزتها الممارسة الأولى لتطبيق النص وتقدّموا اواسط
الاسبوع المنقضي بمقترح قانون يهدف إلى تنقيح الفصل 53
من قانون المالية لسنة 2026، عبر اقتصار وجوب الفوترة
الإلكترونية في مرحلة أولى على عمليات إسداء الخدمات التي
تقوم بها المؤسسات الكبرى فقط.
ويرى أصحاب المبادرة أن الصيغة الحالية للنص ساوت بين
مؤسسات تختلف جذريا من حيث الحجم والإمكانيات
والجاهزية الرقمية، وهو ما قد يحمّل المؤسسات الصغرى
والمتوسطة وأصحاب المهن الحرة أعباء تقنية وتنظيمية تفوق
قدراتهم، دون ضمان مردودية جبائية متناسبة.
كما يقترح النواب إلزام الوزارات المعنية بإعداد تقرير
مشترك يُعرض على البرلمان في أجل محدّد، يتضمّن تقييما
موضوعيا للجاهزية التقنية والبنية التحتية، والكلفة المالية
للتعميم، ومدى نجاعة منظومات حماية المعطيات، واقتراح
روزنامة واقعية للتوسّع التدريجي.
بين المرونة والتدرّج: اختلاف في المقاربة
و يُظهر هذا التباين أن الخلاف لا يدور حول مبدأ الرقمنة في
حد ذاته، بل حول أدوات تنزيله. فوزارة المالية تعتمد مقاربة

تفسيرية-تنظيمية، تقوم على تفعيل النص مع توفير هامش
زمني للامتثال، في حين يدعو النواب إلى تعديل تشريعي
صريح يُعيد رسم حدود الإلزام القانوني.
ويطرح هذا الاختلاف سؤالًا جوهريا حول ما إذا كانت
المرونة الإدارية كافية لضمان حماية النسيج الاقتصادي، أم
أن الأمر يستوجب تدخّلًا تشريعيًا يضبط بوضوح مراحل
التطبيق والفئات المعنية، تفاديًا لتأويلات متباينة أو ممارسات
غير متجانسة.
و من أبرز النقاط التي أثارها مقترح النواب مسألة الجاهزية
التقنية، خاصة في ظل غياب منظومة وطنية موحّدة قادرة
على استيعاب تنوّع أنشطة قطاع الخدمات. كما أُثيرت
مخاوف تتعلق بحماية المعطيات الشخصية والمهنية، لا سيما
في القطاعات التي تتعامل مع أسرار مهنية أو معلومات
حسّاسة.
وفي هذا الإطار، تؤكد المذكرة الجبائية أن الفواتير
الإلكترونية تخضع لإجراءات تقنية وقانونية مضبوطة،
وتشرف على إدارتها هياكل مرخّص لها، مع تمكين المصالح
الجبائية من النفاذ الآلي إلى المعطيات. غير أن الجدل يبقى
قائمًا حول مدى جاهزية هذه المنظومات وقدرتها على ضمان
الأمن السيبرني على نطاق واسع.
يتقاطع موقفا الإدارة والنواب عند نقطة أساسية تتمثل في
ضرورة إنجاح الإصلاح الجبائي دون الإضرار بالدورة
الاقتصادية. فالانتقال إلى الفوترة الإلكترونية لا يُقاس فقط
بمدى الالتزام الشكلي بالنصوص، بل بقدرة المنظومة على

تحقيق أهدافها، وفي مقدمتها تحسين الاستخلاص وتعزيز
الثقة بين الإدارة والمتعاملين.
و في ضوء ما تقدّم، يبدو أن ملف الفوترة الإلكترونية يقف
عند مفترق طرق بين مسار إداري يسعى إلى التدرّج داخل
الإطار القانوني القائم، ومسار تشريعي يدعو إلى مراجعة
النص لضبط هذا التدرّج صراحة. وبين الخيارين، يبقى
الرهان الحقيقي هو التوفيق بين متطلبات الإصلاح الجبائي
وخصوصيات النسيج الاقتصادي، بما يضمن انتقالًا رقميًا
آمنًا، منظمًا، وقابلًا للاستدامة.
وسيكون لمآل مقترح النواب، ولطريقة تفاعل الحكومة معه،
دور حاسم في تحديد شكل هذا الانتقال، وفي رسم العلاقة
المستقبلية بين الإدارة الجبائية والمتعاملين الاقتصاديين في
مرحلة تتسم بحساسية كبرى على المستويين الاقتصادي
والاجتماعي.

Related posts

عشيّة القمة الفرنكوفونية: أهالي جرجيس يلوّحون بمسيرة على الأقدام نحو جربة

هادية الشاهد

إتحاد الشغل: “سياسة انتهاك الحق النقابي يعتبر نسفا للحوار الاجتماعي وضربا للحقوق”

Na Da

نابل :وفاة طفل غرقا في شاطىء قربة

سماح باشا

Leave a Comment