17.9 C
تونس
3 فبراير، 2026
الصفحة الأولى سياسة وطنية

اسوة بما يحدث في العالم….انتظارات لتحرك برلماني لحظر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال

تحول الجدل حول حضور الأطفال على وسائل التواصل الاجتماعي الى ملف مطروح على طاولة البرلمانات والحكومات في عديد دول العالم. ففي تونس، حيث يتوسع استعمال الهواتف الذكية بسرعة لافتة ويزداد اندماج المنصات الرقمية في الحياة اليومية، يجد المجتمع نفسه في حاجة الى تدخل تشريعي واضح يضبط النفاذ ويحمي الفئات الاكثر هشاشة.

وتكتسي الحاجة الى تدخل تشريعي اهمية خاصة في سياق محلي يتقاطع فيه الانفلات الرقمي مع ازمات اجتماعية وتعليمية متراكمة، ومع تواتر الحديث حول تعرّض اطفال لمحتويات عنيفة او اباحية او لعمليات استدراج وتنمّر رقمي، وبين من يرى في الحظر اعتداء على الحريات الفردية ومن يعتبره ضرورة وقائية، يجد البرلمان نفسه امام مسؤولية سياسية وتشريعية لا يمكن تأجيلها.

سياق عالمي متحوّل

و خلال فترة طويلة، سادت مقاربة دولية تعتبر وسائل التواصل فضاء مفتوحا يصعب ضبطه، وتراهن على وعي المستخدمين وشروط الاستعمال التي تفرضها الشركات المالكة للمنصات، غير ان هذا التصور بدأ يتآكل مع تراكم الدراسات التي تربط بين الاستخدام المبكر والمكثف لهذه الوسائل وبين اضطرابات نفسية وسلوكية لدى الاطفال، من القلق والعزلة الى ضعف التركيز واضطراب النوم.

و في الفترات الاخيرة، انتقلت عدة دول من مربع التوصيات الى مربع التشريع. استراليا، على سبيل المثال، فتحت نقاشا تشريعيا واسعا حول منع من هم دون سن معيّنة من استخدام شبكات التواصل، معتبرة ان المنصات فشلت في حماية القاصرين. في اوروبا، عزز الاتحاد الاوروبي عبر قانون الخدمات الرقمية مسؤولية الشركات الرقمية، وفرض عليها آليات اكثر صرامة للتحقق من السن وحذف المحتويات الضارة. فرنسا بدورها عادت الى واجهة النقاش واقرت منذ ايام الولوج الى المنصات لمن هم دون 15 سنة دون موافقة اولياءهم، في حين رفعت عدة ولايات امريكية دعاوى ضد شركات تكنولوجيا كبرى بتهمة تعريض صحة الاطفال النفسية للخطر.

ويعكس هذا التحول الدولي اعترافا بفشل التنظيم الذاتي للمنصات، وبعجز العائلة وحدها عن مجابهة خوارزميات مصممة لجذب الانتباه والادمان، وهو سياق لا يمكن لبلادنا تجاهله، خاصة في ظل ضعف اليات المرافقة الرقمية داخل المدرسة وغياب استراتيجية وطنية متكاملة للتربية الاعلامية.

التعويل على العائلة غير كاف

و ازاء تصاعد استعمال القصر لوسائل التواصل الاجتماعي و ما يترتب عن ذلك من مخاطر عادة ما يتم تحميل العائلة مسؤولية مراقبة الاطفال وحمايتهم من مخاطر الفضاء الرقمي، ويبدو ان هذا الطرح، رغم وجاهته من حيث المبدأ، يتجاهل تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية، ذلك أنّ العائلات اليوم تواجه ضغطا معيشيا متزايدا، ووتيرة عمل مرتفعة، ما يقلص فعليا من زمن المرافقة والمتابعة. كما ان الفجوة الرقمية بين الاجيال تجعل كثيرا من الاولياء غير مدركين لآليات عمل المنصات ولا لطبيعة المخاطر الكامنة فيها.

ويزداد هذا العجز وضوحا حين نأخذ بعين الاعتبار التحولات التي طرأت على دور المدرسة نفسها، حيث تراجع حضورها التربوي لصالح دور تعليمي تقني محدود، دون أن تواكب ذلك برامج ممنهجة للتربية الرقمية أو للتنشئة على الاستعمال الآمن للانترنت. كما ان كثيرا من العائلات تجد نفسها، بحكم الواقع، مضطرة الى التساهل مع استعمال الهواتف الذكية كوسيلة لملء الفراغ أو للسيطرة على الوقت، في غياب بدائل ثقافية وترفيهية متاحة. وهو ما يجعل مسؤولية الحماية موزعة بين اطراف متعددة، ولا يمكن اختزالها في الأسرة وحدها دون توفير إطار قانوني ومؤسساتي داعم.

في هذا السياق، يصبح غياب اطار قانوني واضح نوعا من التخلّي غير المعلن عن واجب الحمايةو بالتالي تكون الوظيفة التشريعية مطالبة بحماية الطفل من كل اشكال الاستغلال والضرر، بما في ذلك الضرر الرقمي والسؤال هنا لا يتعلق بالمنع كغاية، بل بتحديد قواعد عادلة ومتوازنة تنقل عبء الحماية من الفرد وحده الى الفضاء العمومي المنظم.

البرلمان امام مسؤولية تاريخية

و التحرك البرلماني الممكن و المنتظر في بلادنا لا يعني بالضرورة استنساخ تجارب اجنبية بحذافيرها، بل يفتح المجال امام نقاش تشريعي هادئ يوازن بين حماية الاطفال وضمان الحقوق والحريات فالحظر الشامل قد يبدو حلا جذريا، لكنه يطرح اشكالات تطبيقية وتقنية، خاصة في ظل قدرة الاطفال و خاصة اوليائهم على الالتفاف على القيود الرقمية. في المقابل، الاكتفاء بالتوعية دون سند قانوني يبقى خيارا محدود الاثر.

و من السيناريوهات المطروحة، سن قانون يحدد سنا دنيا للنفاذ الى وسائل التواصل، مع فرض آليات تقنية للتحقق فعليا من العمر، وتحميل مسؤولية قانونية في حال الاخلال.

وهنالك سيناريو اخر يقوم على تقييد بعض الخصائص الاكثر خطورة، مثل البث المباشر والمراسلات المفتوحة، بالنسبة للحسابات التابعة للقصر كما يمكن للبرلمان ان يربط هذا التوجه بحزمة مرافقة تشمل ادماج التربية الرقمية في المناهج التعليمية ودعم دور الاولياء عبر برامج توعوية رسمية.

ويبقى نجاح اي مبادرة تشريعية رهينا بمدى قدرتها على الصمود ، وعلى كسب ثقة الرأي العام من جهة اخرى.

ولا يبدو ان النقاش حول حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الاطفال استجابة متأخرة لتحولات عميقة يعيشها المجتمع والبرلمان وهو يعيد رسم اولوياته، مدعو الى التعاطي مع هذا الملف باعتباره جزءا من معركة اكبر تتعلق بحماية الطفولة في زمن رقمي منفلت. بين المنع والتنظيم، وبين الحرية والحماية، تتحدد ملامح خيار سياسي سيترك اثره لسنوات قادمة، ليس فقط على الاطفال، بل على شكل العلاقة بين الدولة والمجال الرقمي برمته.

Related posts

الرائد الرسمي: الترفيع في منحة صرف المستلزمات المدرسية لفائدة المدرسين

Ichrak Ben Hamouda

وزارة الصحة تصدر دليلا إرشاديا حول التناول الإعلامي لمسألة الانتحار

Moufida Ayari

بداية من اليوم: زيادة جديدة في أسعار المحروقات

سنية خميسي

Leave a Comment