17.9 C
تونس
3 فبراير، 2026
الصفحة الأولى مجتمع وطنية

افتتاحية:رقمنة مسالك التوزيع .. معركة سيادية على السوق

باتت مسألة رقمنة مسالك التوزيع خيارا عمليا تتجسد ملامحه على أرض الواقع، مع انطلاق تجربة رقمنة توزيع المواد المدعّمة منذ مطلع شهر جانفي الجاري، حيث ان هذا المعطى لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق العام الذي تعيشه السوق.

وتعتمد التجربة الجارية، على منصّة رقمية لمراقبة مسار المواد المدعّمة منذ خروجها من مخازن الجملة إلى إثبات تسليمها الفعلي لتجّار التفصيل، وتمثّل تحولا نوعيا في طريقة تعاطي الدولة مع أحد أعقد ملفات الاقتصاد الاجتماعي. ولئن قُدّمت هذه الخطوة بوصفها تجربة تمتدّ على ثلاثة أشهر قبل تعميمها، فإنّ دلالتها الأعمق تكمن في الاعتراف الضمني بأنّ جوهر أزمة السوق لا يكمن فقط في الإنتاج أو التوريد، بل في مسالك توزيع مثقلة بالفوضى، ومفتوحة على التلاعب، وقابلة للاختراق في كل مراحلها.

و لقد أظهرت التجارب السابقة أنّ أيّ ضخّ إضافي للمواد، في ظلّ مسالك غير مضبوطة، لا يؤدّي بالضرورة إلى انفراج، بل كثيرا ما يتحوّل إلى فرصة جديدة للاحتكار والمضاربة. وهو ما يفسّر تناقض السوق الذي يتعايش فيه الإنفاق الضخم على الدعم مع تكرار الندرة وارتفاع الأسعار، فحين تُنفق الدولة سنويا ما يقارب 3.8 مليارات دينار لدعم مواد أساسية مثل الخبز، السميد، السكر، الزيت، الحليب، القهوة والشاي، ثمّ لا تصل هذه المواد بانتظام إلى المستهلك، يصبح السؤال موجها مباشرة إلى ما يحدث بين المخزن ونقطة البيع.

ومن هنا تكتسب الرقمنة معناها الحقيقي، باعتبارها أداة لكشف المسكوت عنه داخل سلسلة التوزيع، فاعتماد نظام رقمي لتسجيل كل شحنة، وتعقّب مسارها، وربط الكميات الخارجة بالكميات المسلّمة فعليا، من شأنه أن يحوّل مسالك التوزيع إلى فضاء مرئي، تُسجَّل فيه كل حركة وتُحدَّد فيه المسؤوليات بدقة. وهو تحوّل من منطق الرقابة اللاحقة والعقوبات الظرفية، إلى منطق التتبّع الوقائي القائم على المعطى الفوري.

ولا تقتصر أهمية هذا المسار على مقاومة الاحتكار الداخلي، بل تمتدّ إلى ملف التهريب الذي استنزف جزءا كبيرا من الدعم دون أن تستفيد منه السوق المحلية. فتهريب المواد المدعّمة، خاصة نحو ليبيا، لم يكن ممكنا لولا هشاشة منظومة التتبع وغياب الربط بين الكميات المصرّح بها ومسارها الفعلي. ومع الرقمنة، يصبح كل انحراف عن المسلك القانوني قابلا للرصد، وكل اختفاء للكميات مؤشرا مباشرا على موضع الخلل، ما يحوّل المنصّة إلى ذاكرة رقمية للسوق، لا يمكن القفز فوقها بسهولة.

غير أنّ هذا التحول، رغم وجاهته، لا يمكن عزله عن السياق الأوسع لرقمنة الاقتصاد. فمسالك التوزيع ليست كيانا معزولا، بل حلقة ضمن منظومة تشمل الإنتاج، التخزين، النقل، والتجارة. وهو ما يفرض مقاربة شاملة تتجاوز المواد المدعّمة إلى التفكير في إعادة هيكلة التوزيع ككل، خاصة في القطاعات الفلاحية والغذائية التي أظهرت المعطيات الحديثة فيها فجوات صادمة بين أسعار الجملة والتفصيل، بلغت في بعض الحالات أكثر من 80 بالمائة. فجوات لا يمكن تفسيرها فقط بمنطق السوق، بل تكشف عن تضخم كلفة الوساطة، وتغوّل حلقات لا تضيف قيمة حقيقية.

وفي هذا الإطار، تبدو الرقمنة أداة لإعادة التوازن داخل السلسلة، لا مجرد وسيلة للرقابة. إذ إنّ تتبّع الأسعار والكميات في الزمن الحقيقي يسمح بتشخيص نقاط الاختناق، ورصد مناطق الفائض والنقص، وتوجيه التدخلات على أساس معطيات دقيقة لا على تقديرات ظرفية. وهو ما يفتح آفاقا جديدة للتخطيط الاقتصادي، خاصة في ما يتعلّق بالتزويد الجهوي الذي ظلّ رهينة اختلالات لوجستية أكثر منه نتيجة ضعف الإنتاج.

لكنّ الرهان الحقيقي لا يكمن فقط في التكنولوجيا، بل في كيفية إدارتها. فالتجربة الرقمية، لكي تنجح، تحتاج إلى إطار تشريعي وتنظيمي واضح يضمن حماية المعطيات، ويمنع توظيفها لصالح احتكارات جديدة. فالمعلومة، في الاقتصاد الرقمي، تتحوّل إلى سلطة، وقد تكون أداة للإصلاح كما قد تصبح وسيلة للتحكم إذا لم تُضبط قواعد استخدامها. ومن هنا تبرز أهمية دور الدولة كمنظم وضامن للشفافية، لا كفاعل مباشر داخل السوق.

كما تطرح الرقمنة مسألة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للمتدخلين الصغار. فجزء معتبر من الفلاحين والتجار لا يزال يشتغل خارج المنظومات الرقمية، إمّا لضعف الإمكانيات أو لغياب التكوين. وهو ما يفرض مقاربة تدريجية، ترافق الرقمنة ببرامج دعم وتكوين وتبسيط للإجراءات، حتى لا تتحوّل الأداة الإصلاحية إلى عامل إقصاء جديد يعمّق الهشاشة بدل معالجتها.

ولا يمكن تجاهل مقاومة التغيير التي ترافق كل مسار إصلاحي يمسّ مصالح راسخة. فـ”حيتان” مسالك التوزيع، التي راكمت أرباحها من الأزمات واستفادت من ضعف الرقابة، لن تقف موقف المتفرّج أمام مسار يهدّد نفوذها. غير ان الارادة السياسية المتوفرة ستكون عاملا حاسما في إنجاح التجربة، عبر ربط التتبّع الرقمي بعقوبات صارمة وغير قابلة للتراجع، تضع حدا لمنطق الإفلات من المحاسبة.

في هذا السياق، تصبح رقمنة مسالك التوزيع معركة على طبيعة السوق نفسها وهي معركة بين منطق الفوضى المعتمدة على الغموض وتعدّد الوسطاء، ومنطق الشفافية القائم على المعلومة والتتبعو  وبين من يرى في الدعم موردا للربح غير المشروع، ومن يعتبره أداة حماية اجتماعية يجب أن تصل إلى مستحقيها.

و قد لا تكون الرقمنة حلا سحريا لكل أعطاب السوق، لكنها دون شك خطوة مفصلية لكسر الحلقة المفرغة التي تدور فيها منظومة التوزيع منذ سنوات. فحين يصبح مسار السلع مرئيا، تتقلّص هوامش التلاعب، وحين تُحدَّد المسؤوليات، يفقد الاحتكار أحد أهم أسلحته. ويبقى الرهان الأكبر في تحويل هذه الخطوة من تجربة تقنية  إلى سياسة عمومية متكاملة.

Related posts

نابل : الإحتفاظ بمروج مخدرات وحجز 93 صفيحة من القنب الهندي

Moufida Ayari

المجلس الأعلى للاستثمار: الموافقة على جملة من الحوافز لدعم المشاريع

محمد بن محمود

فحوى لقاء وزير الخارجية بسفير إيطاليا

yosra Hattab

Leave a Comment