3 فبراير، 2026
الصفحة الأولى دولي

العربدة لا تحجب الضعف: عملاء إسرائيل في غزة منبوذون

يعكس المشهد المصوّر الذي بثّه العميل غسان الدهيني، وهو يمسك بالمقاوم «أبو بكر العكر»، أحد أبرز قادة «كتائب القسام» في مدينة رفح، ويتوعّد حركة «حماس» بالقضاء على ما تبقّى منها، صورة زمنٍ رديء، يتجبّر فيه العملاء والخونة على قادة المقاومة ورموزها. 

وأبو بكر العكر، هو واحد من بين 12 مقاوماً كانوا محاصرين داخل أنفاق المدينة، كان قد حاول الخروج يوم السبت الماضي، قبل أن يتعرّض للاعتقال على يد عصابات العملاء، في أثناء مطاردة لم تطل كثيراً. وبدا المقاومون، وفق المشاهد المتداولة، منهكين وجوعى وهزيلي الأجساد؛ علماً أنهم حاولوا، بحسب مصادر أمنية إسرائيلية، الخروج من النفق في اتجاه المناطق المأهولة في مدينة خانيونس، قبل أن يجري رصدهم من طائرة، شنّت هجوماً عليهم رفقة دبابة، ما تسبّب باستشهاد ثلاثة منهم على الفور.

على أن المشهد الذي ظهر فيه العميل الدهيني لم يكن صادماً بحدّ ذاته؛ فهذه ليست المرة الأولى التي يمارس فيها هذا الدور، إذ سبق أن ظهر إلى جانب جثامين مقاومين في المدينة. غير أن الفارق هذه المرة يتمثّل في أن الدهيني، الذي تبرأت منه عشيرته أخيراً، أحرق آخر سفنه، بعدما بات واضحاً أنه وأشباهه لن يكونوا، بأي شكل من الأشكال، جزءاً من مستقبل القطاع.
في هذا السياق، رفضت «لجنة الطوارئ الحكومية»، وبتأييد من الوسطاء الإقليميين، استيعاب أيٍّ من قادة أو عناصر مجموعات العملاء في أي جسم أمني مستقبلي. وإذا ما صحّ الحديث عن أن عملية إعادة إعمار القطاع لن تستثني المناطق الشرقية أو الغربية، وأن اللجنة الإدارية ستتولّى إدارة مناطق غزة كافة، فإن تلك المجموعات التي تحتمي بالاحتلال لن تجد لها موطئ قدم في مستقبل القطاع.
والواقع أن ما يفعله قادة العملاء الأربعة – غسان الدهيني وحسام الأسطل ورامي حلس وأشرف المنسي – لا يخرج عن كونه استعداءً مفتوحاً لفئات المجتمع كافة، بل والتطرّف في العداء، بعدما أدركوا أنهم بعيدون تماماً من أن يشكّلوا بديلاً لـ«حماس»، أو أن يُقبل بأيٍّ منهم في أي موقع أمني معتبر. ولذلك، مضى هؤلاء، ومن معهم، على النقيض تماماً، ممعنين في الخيانة والعمالة، على أمل أن يجدوا لأنفسهم حظوة لدى الاحتلال، في وقت لا يقبل بهم فيه أحد.

وبرغم ما يبديه هؤلاء من وقاحة وتجبّر في ملاحقة المقاومين وإذلالهم، مستغلين الوقائع الميدانية الراهنة، فإن أوضاع تلك المجموعات الداخلية وصلت أخيراً إلى أسوأ حالاتها. ووفقاً لمعلومات أمنية عقب استدراج أحد المنتسبين إلى مجموعات العميل أشرف المنسي في شمال القطاع، فإن قادة العملاء يعيشون حالة دائمة من الشك والخوف من عناصرهم أنفسهم. وفي هذا الإطار، أقدم المنسي على إعدام أكثر من عشرة من المنتسبين إليه بدافع الشك فقط، ولا سيما بعدما تمكّنت المقاومة من قتل مساعد العميل رامي حلس، إثر عملية استدراج في حي الشجاعية.

ويأتي هذا خلافاً للمأمول إسرائيلياً من أن ينجح قادة مجموعات العملاء في بناء حكم مدني في مناطق «الخط الأصفر»، ليجري البناء عليه وتطويره عبر إنشاء مرافق مدنية ومستشفيات ومدارس وأسواق، يراد أن تشكّل عامل جذب لمئات آلاف النازحين. غير أن وصم هؤلاء بالعمالة والخيانة حال دون تحوّلهم إلى كيان بديل؛ إذ رفض النازحون الانتقال إلى مناطق سيطرة العملاء، حتى في ذروة المجاعة والفاقة. وتفاقم مستوى الفشل في مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، ليتحوّل هؤلاء من مشروع «اليوم التالي» إلى أدوات قمع وقتل وملاحقة، يعملون كمرتزقة ضدّ من يحاولون العودة إلى منازلهم من النازحين، أو من يحاولون الانسحاب من المقاومين. وفيما أضحى هؤلاء – وهم القتلة واللصوص وتجار المخدرات وأصحاب السوابق الأخلاقية في الأصل – بمثابة عبء غير مرغوب فيه إسرائيلياً، باتت تربطهم بالغزيين علاقة ثأر وانتقام لن يمحوها الزمن.

العصابات العميلة ومحاولة كسر صورة المقاومة

وفي ذات السياق، قالت منصة “خليك واعي” التابعة لأمن المقاومة في غزة، إن العصابات العميلة تحاول بتوجيه الاحتلال ودعم منصات إعلامية عربية معروفة، تشويه صورة المقاوم في الوعي الفلسطيني وحقن الذاكرة الفلسطينية بصورة المقاوم المنكسر والمهزوم.

وتابعت أن صمود المقاومين على مدار عامين في رفح، رغم قدرة الاحتلال الهائلة عسكريًا واستخباريًا، إلى جانب استخدامه العصابات العميلة، يؤكد على أسطورية المقاوم.

وأضافت أن محاولات العصابات العميلة الموجهة من الاحتلال في النيل من صورة المقاوم ومكانته في قلوب الفلسطينيين لن تنجح إطلاقًا، فلقد حاول الاحتلال فعل ذلك منذ عام ١٩٤٨، لكنه فشل، حيث ذهبت كل خططه أدراج الرياح وبقي الشعب يهتف باسم المقاومة. وقال الصحفي محمود هنية إن عملية طوفان الأقصى كشفت كثيرًا من الأقنعة داخل المجتمع الفلسطيني، مؤكدًا أنه «لولا الطوفان لظلّ غسان مختبئًا في عباءة جيش الإسلام، وكنا نعتقده شيخًا مؤمنًا مجاهدًا يريد إقامة الخلافة».

وأضاف هنية: «ولولا الطوفان، لظلّت هذه العصابات بيننا وفينا، ولظلّوا في عباءة عوائلهم وعشائرهم وقبائلهم»، مشيرًا إلى أنه «لولا الطوفان، لبقيت حفايات أدرعي بالنسبة إلينا زملاء مهنة ومعارضين سياسيين». وتابع قوله: «ولولا الطوفان، ما عرفنا المرابي والحرامي والسراق والنبيش والتاجر المارق والمبادر اللص»، مضيفًا: «ولولا الطوفان، ما كشفنا خيانة السلطة ومخابراتها في تسليح العصابات، ولا كشفنا خذلان الإسلاميين لنا في البلدان، ولا كشفنا أوهامًا كثيرة كنا نعيش في سرديتها».

ليست قوة بل خوف متفاقم

ومن جانبه، قال الكاتب السياسي الدكتور إياد القرا، “‏العميل الذي ظهر في الفيديو لا يعكس قوة بقدر ما يكشف خوفًا، القيادي في القسام برفح أدهم عطا الله العكر مقاوم يفتخر به أهله، ويرفع الرأس، بينما مقابله عميل رعديد جبان خائن يشعر أهله بالعار عن ذكره”. وتابع القرا “التجربة تقول أن حماية الاحتلال لن تطول، وأن طريق العمالة نهايته معروفة مهما طال الزمن”.

وفي السياق ذاته، قال الكاتب السياسي وسام عفيفة إن «ما جرى في مشهد إهانة مقاتل فلسطيني على يد العميل غسان الدهيني لا يمكن فصله عن سياق الحرب النفسية التي يلجأ إليها الاحتلال حين يعجز عن فرض سرديته ميدانيًا». وأضاف عفيفة: «المفارقة الصارخة أن بيان الجيش والشاباك يتحدث عن عملية عسكرية–أمنية تقليدية: رصد، اشتباك، تمشيط، واعتقال، لكن الصورة المُسرَّبة اختارت مسارًا آخر، إذلالًا علنيًا متعمّدًا، خارج منطق العملية إلى منطق الرسالة».

وأوضح أن «تاريخ الحروب، من الحرب العالمية الثانية إلى حروب الإبادة الحديثة، يعلّمنا أن مشاهد الإهانة تُستخدم عندما تتآكل الثقة بالإنجاز العسكري»، مشيرًا إلى أن “النازيين صوّروا إذلال الأسرى لترويع المجتمعات المحتلة، وبثّ الاستعمار الحديث لقطات مماثلة لخلق شعور العجز الجماعي”.

وأكد عفيفة أن «هذا السلاح غالبًا ما يرتدّ»، مضيفًا: “فالإذلال لا يصنع شرعية بل يفضحها، وحين يُستدعى عميل لتمثيل دور المنتصر فهذا اعتراف ضمني بأن الرسالة العسكرية لم تعد كافية”.

وختم: “اللقطة، بكل قسوتها، لا تُنهي حربًا ولا تُخضع شعبًا، بل تُراكم وعيًا جمعيًا يميّز بين القوة الغاشمة والحق، وتحوّل صورة الإهانة من أداة كسر إلى شاهد اتهام، ومن رسالة تهديد إلى وقود صمود”.

Related posts

كونكت الدولية تعزز العلاقات الاقتصادية التونسية الإيفوارية

صابر الحرشاني

واشنطن لن تعاقب إسرائيل إذا اجتاحت رفح دون حماية المدنيين

Walid Walid

أميركا: لدينا مشروع قرار يساعد في إطلاق سراح المحتجزين بغزة

Walid Walid

Leave a Comment