10 فبراير، 2026
الصفحة الأولى مجتمع وطنية

لمواجهة الضغوط المهنية المسلطة على النساء…مبادرة برلمانية للتقاعد المبكر للمرأة العاملة في القطاع الخاص

في وقت تتصاعد فيه النقاشات حول إصلاح منظومة التقاعد وضمان ديمومة الصناديق الاجتماعية، عاد ملف التقاعد المبكر ليطفو مجدّدا على سطح الجدل البرلماني، من زاوية أوضاع المرأة العاملة في القطاع الخاص.

وقد احيل على لجنة الصحة وشؤون المرأة والأسرة والشؤون الاجتماعية وذوي الإعاقة بمجلس نواب الشعب مقترح قانون جديد يهدف إلى إقرار أحكام خاصة بالتقاعد المبكر الاختياري لفائدة هذه الفئة، في خطوة تجمع بين البعد الاجتماعي والاستجابة لتحولات سوق العمل من جهة، ومراعاة التوازنات المالية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من جهة أخرى.

ويأتي هذا النص التشريعي في سياق اجتماعي واقتصادي دقيق، يتّسم بتنامي الضغوط المهنية على النساء العاملات في القطاع الخاص، وتغيّر أنماط العمل، مقابل أزمة مالية هيكلية يعيشها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ما جعل أي مبادرة تشريعية في هذا المجال محل متابعة دقيقة ونقاش واسع.

إطار جديد للتقاعد المبكر

و يقترح النواب من خلال هذا النص تحيين الإطار التشريعي المنظّم للتقاعد المبكر للمرأة العاملة في القطاع الخاص، بما يستجيب، وفق تعليلهم، للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة. فواقع المرأة العاملة اليوم، حسب أصحاب المبادرة، لم يعد هو نفسه الذي صيغت على أساسه النصوص القانونية السابقة، سواء من حيث المسار المهني أو من حيث الأدوار الاجتماعية أو حتى من حيث الضغوط الصحية والنفسية المرتبطة ببيئة العمل.

ويتضمّن مقترح القانون ثلاثة فصول ، لكنها فصول محورية تُحدث تغييرات جوهرية في شروط وآليات الانتفاع بالتقاعد المبكر. إذ ينص الفصل الأول، وبغضّ النظر عن أحكام التشريع الجاري به العمل، ومع مراعاة التوازنات المالية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، على تمكين المرأة العاملة في القطاع الخاص والخاضعة لأنظمة الضمان الاجتماعي من الحق في التمتع، بطلب منها، بجراية تقاعد مبكر عند بلوغها سن خمسين سنة على الأقل، شريطة توفّر ما لا يقل عن ثمانين ثلاثية من المساهمات الفعلية أو ما يعادلها.

ويشترط الفصل نفسه التوقف النهائي عن ممارسة أي نشاط بمقابل، في محاولة واضحة لمنع الجمع بين الجراية والعمل، وهو ما يعكس حرص المشرّع المقترح على الحد من الانعكاسات المالية السلبية لهذا النظام على الصندوق. غير أن النقطة الأبرز في هذا الفصل تتمثل في التنصيص صراحة على عدم اشتراط أن تكون المرأة الأجيرة أمًّا لثلاثة أبناء، وهو شرط كان معمولا به في التشريع السابق.

إسقاط شرط الأمومة

و يمثل إسقاط شرط الأمومة لثلاثة أبناء أحد أبرز ملامح هذا المقترح وأكثرها إثارة للنقاش. فالقانون عدد 33 لسنة 1960 والأوامر التطبيقية اللاحقة، وخاصة الأمر عدد 499 لسنة 1974، كانت قد ربطت التقاعد المبكر للمرأة العاملة في القطاع الخاص بوضعيتها العائلية وعدد أبنائها، في تصور يعكس سياقًا اجتماعيًا مختلفًا عن الواقع الحالي.

ويرى أصحاب المبادرة أن هذا الشرط لم يعد منسجمًا مع واقع المرأة التونسية اليوم، التي باتت مساراتها المهنية والاجتماعية أكثر تنوعا، ولم يعد عدد الأبناء معيارًا عادلًا أو موضوعيًا لتحديد مدى أحقية الانتفاع بالتقاعد المبكر. فالضغوط المهنية، وفق هذا الطرح، لا ترتبط فقط بالأمومة، بل بطبيعة العمل وظروفه وسنوات الخدمة والتوازن بين الحياة المهنية والشخصية.

هاجس التوازنات المالية

في المقابل، لم يغفل المقترح مسألة التوازنات المالية للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، التي تشكّل أحد أكثر الملفات حساسية في النقاش العمومي. فقد خصّص الفصل الثاني للتأكيد على أن الدولة تسهر، عند تطبيق مقتضيات هذا القانون، على احترام متطلبات هذه التوازنات، مع التزامها بالعمل على إرساء الآليات الضرورية الكفيلة بضمان ديمومتها.

ويشدد النص على ضرورة تفادي أي انعكاسات سلبية على حقوق بقية المنخرطين أو على مستقبل الصندوق، وهو ما يعكس وعيًا لدى مقدمي المبادرة بحجم الإشكال المالي المطروح، ومحاولة لتقديم تطمينات بأن التقاعد المبكر المقترح لن يكون على حساب استقرار المنظومة ككل.

أما الفصل الثالث، فقد خوّل للسلطة الترتيبية، عبر أمر يصدر باقتراح من الوزير المكلف بالشؤون الاجتماعية، ضبط الصيغ والشروط والإجراءات التطبيقية لأحكام الفصل الأول. ويشمل ذلك تفاصيل تقديم مطلب التقاعد المبكر ودراسته والبت فيه، إضافة إلى كيفية ضبط مبلغ الجراية وآجال صرفها، وهو ما يفتح الباب أمام مرونة في التطبيق، لكنه يثير في الآن ذاته تساؤلات حول مدى وضوح الضمانات المستقبلية للمنتفعات.

بين البعد الاجتماعي والرهان الاقتصادي

وفي شرح الأسباب المرافق للمقترح، يقرّ النواب أصحاب المبادرة بأن للتقاعد المبكر إيجابيات وسلبيات، غير أنهم يركّزون أساسًا على ما يعتبرونه مكاسب اجتماعية ونفسية للمرأة العاملة. فالتقاعد المبكر، حسب تعليلهم، يمنح المرأة حرية اختيار هذا المسار، رغم ما قد يترتب عنه من تداعيات مالية، ويتيح لها التفرغ للعناية بصحتها، والتخفيف من ضغوط العمل، وقضاء وقت أطول مع العائلة.

كما يرون أن هذه المرحلة يمكن أن تتحول إلى فرصة لإعادة بناء الذات، عبر تطوير المهارات والمعارف، أو الانخراط في العمل التطوعي والخيري وخدمة المجتمع، بما يعزز الدور الاجتماعي للمرأة خارج الإطار المهني الصرف. ويستند هذا الطرح إلى تحولات أعمق يشهدها عالم الشغل، حيث لم يعد العمل فقط مصدر دخل، بل أصبح في كثير من الأحيان مصدر ضغط وإجهاد، خاصة في القطاعات التي تفتقر إلى شروط العمل اللائق.

ويشير أصحاب المبادرة إلى أن التوجه نحو التقاعد المبكر ليس خصوصية تونسية، بل يندرج ضمن اتجاه عالمي، خاصة في ظل التحولات الصناعية والتكنولوجية المتسارعة، التي أعادت تشكيل سوق العمل وفرضت أنماطًا جديدة من الإنتاج والضغط المهني.

رغم وجاهة بعض المبررات الاجتماعية التي يسوقها أصحاب المقترح، فإن النقاش البرلماني والمجتمعي المنتظر لا يخلو من تحفظات وتساؤلات. فالرافضون لهذا التوجه يرون فيه عبئًا إضافيًا على صندوق يعاني أصلًا من اختلالات هيكلية، خاصة إذا ما توسّع نطاق المنتفعات دون توفير موارد تمويل واضحة ومستدامة.

كما يطرح إسقاط شرط الأمومة تساؤلات حول معايير الإنصاف بين مختلف الفئات، وحول إمكانية المطالبة مستقبلا بتوسيع هذا النظام ليشمل فئات أخرى، ما قد يفتح الباب أمام ضغوط تشريعية متتالية يصعب على المنظومة الاجتماعية استيعابها.

وبين الموقفين يمكن القول ان مقترح التقاعد المبكر الاختياري للمرأة العاملة في القطاع الخاص يعكس محاولة لإعادة التفكير في العلاقة بين العمل والحياة الاجتماعية، وفي دور التشريع الاجتماعي في مواكبة التحولات العميقة التي يعرفها المجتمع التونسي. وبين من يراه خطوة إنسانية ضرورية، ومن يحذّر من كلفته المالية، يبقى الحسم رهين النقاش داخل البرلمان.

Related posts

بلدية منوبة تنفي تخصيص أي عقار فلاحي دولي لتركيز وحدة لمعالجة النفايات

Na Da

بوزاخر يُسلم سيارته الوظيفية بعد الغاء منح وامتيازات مجلس القضاء

root

ديوان رئيس الحكومة: أحكام قضائية بتعليق نشاط 97 حزبا

Ichrak Ben Hamouda

Leave a Comment