10 فبراير، 2026
الصفحة الأولى رأي

افتتاحية:كسر دائرة العنف في الجوار الليبي مطلوب

في لحظة دقيقة من تاريخ ليبيا، حيث تتعايش الفوضى مع التدخلات الخارجية منذ أكثر من عقد، جاء اغتيال سيف الإسلام القذافي ليشكل صدمة جديدة في مسار سياسي ظل معلقًا، وليعيد طرح سؤال الدولة المؤجلة بلغة الدم لا بلغة السياسة.

و لم يكن الحدث مفاجئا من حيث دلالته، لكنه كان صادما في توقيته ومعناه. فليبيا التي لم تنجح، منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي سنة 2011، في بناء مؤسسات قادرة على احتكار العنف الشرعي أو إنتاج توافق وطني جامع، وجدت نفسها أمام عملية اغتيال تحمل رمزية ثقيلة، وتكشف مجددا أن السلاح لا يزال الفاعل الأول، وأن السياسة لم تتحول بعد إلى مسار طبيعي لتدبير الصراع.

وكان سيف الإسلام القذافي يمثل مسارا سياسيا مختلفًا عن منطق الميليشيات والحكومات المؤقتة. لسنوات، اختار الابتعاد عن الأضواء، مراهِنًا على العودة عبر صناديق الاقتراع، لا عبر فوهات البنادق و هذا الخيار، في حد ذاته، كان استثناء في مشهد ليبي اعتاد الحسم بالقوة، وهو ما جعل مشروعه مصدر قلق لأطراف عديدة ترى في أي مسار انتخابي تهديدا مباشرا لمواقع نفوذها.

ولم يأت اغتياله في سياق انفلات أمني عشوائي، بل تشير كل المعطيات إلى عملية محسوبة، نُفذت بدقة، وبأسلوب يتجاوز منطق الثأر أو رد الفعل و هذا المعطى يعزز فرضية أن ما جرى يدخل في إطار تصفية سياسية بامتياز، استهدفت إغلاق مسار محتمل، لا مجرد تصفية شخص مثير للجدل فالسياسة في ليبيا لا تُدار فقط بمنطق الخصومة، بل بمنطق الإقصاء النهائي.

و الأخطر من فعل الاغتيال ذاته هو الغموض الذي يلفه فلا جهة أعلنت مسؤوليتها، ولا رواية رسمية مكتملة المعالم، ولا قدرة للدولة – إن وُجدت – على كشف الحقيقة أو محاسبة الجناة حيث لا يعكس هذا الفراغ عجزًا أمنيا فحسب، بل يكرّس حقيقة أكثر خطورة مفادها ان ليبيا ما تزال بلا مركز قرار سيادي قادر على فرض القانون، حتى في القضايا التي تمس شخصيات ذات وزن رمزي وسياسي.

وتتجاوز تداعيات هذا الحدث حدود شخص سيف الإسلام لتطال جوهر العملية السياسية الليبية، فالرجل كان، بالنسبة لقطاع واسع من الليبيين، خيارا سياسيا قائما، لا بالضرورة إجماعًا، لكنه احتمالًا واقعيا لإعادة تشكيل المشهد عبر آليات سلمية. وقد كشفت جنازته المهيبة عن حجم الحضور الشعبي الذي كان يتمتع به، وعن تعطش شريحة من الليبيين لمسار يضع حدًا للحروب المتكررة والانقسامات المستدامة.

وبغياب هذا الخيار، تتلقى فكرة المصالحة الوطنية ضربة موجعة. فالمشهد السياسي الليبي، الذي يعاني أصلًا من انقسام حاد بين الشرق والغرب، ومن تعدد مراكز القرار، يفقد أحد المسارات القليلة التي كان يمكن اختبارها عبر الانتخابات. ومع كل اغتيال سياسي، يتقلص هامش الحل، ويتسع منطق الغلبة.

ولا يمكن عزل هذا الاغتيال عن موازين القوى القائمة داخل ليبيا. فعودة سيف الإسلام لم تكن محل ترحيب لدى الأطراف المتنفذة، سواء تلك التي رسخت نفوذها في الشرق، أو تلك التي أحكمت سيطرتها في الغرب. وجوده كان كفيلًا بإرباك ترتيبات قائمة على الأمر الواقع، وتهديد توازنات هشة استقرت بفعل الانقسام لا الشرعية. من هذا المنظور، بدا غيابه مصلحة مشتركة، حتى وإن اختلفت الحسابات والوسائل بين الفاعلين.

كما لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي والدولي. فالملف الليبي ظل، منذ 2011، ساحة لتقاطع المصالح، ومسرحًا لتدخلات متعددة تحت عناوين متباينة. وفي مثل هذا السياق، تُنظر إلى الشخصيات القادرة على إعادة طرح سؤال السيادة والوحدة الوطنية بعين الريبة. فالدولة المستقرة ليست دائمًا الخيار المفضل لكل المتدخلين، خاصة حين تتعارض مع شبكات مصالح تشكلت في ظل الفوضى.

وجاء الاغتيال في توقيت بالغ الحساسية، كانت فيه ليبيا بأمسّ الحاجة إلى كسر دائرة العنف، وإعادة الاعتبار للمسار السياسي. لكن الرسالة التي حملها الفعل كانت معاكسة تمامًا: السياسة لا تُحسم بالبرامج ولا بالأصوات، بل بالقوة المسلحة. وهي رسالة قاسية إلى الشارع الليبي مفادها أن الرهان على الانتخابات لا يزال محفوفًا بالمخاطر، وأن السلاح ما زال الفيصل الأخير.

و بهذا المعنى، لا يقتل الاغتيال شخصًا فقط، بل يقتل الثقة. تتراجع ثقة الليبيين في أي مسار انتخابي جاد، ويتعمق الإحباط لدى فئات واسعة باتت ترى أن الدولة حلم مؤجل، وأن التداول السلمي على السلطة مجرد شعار يُستحضر عند الحاجة ثم يُقصى عند أول اختبار.

ان اغتيال سيف الإسلام لا يطوي صفحة الجدل، بل يفتحها على نحو أكثر خطورة. فهو حدث يعيد خلط الأوراق، ويغذي توترات كامنة، ويضعف ما تبقى من فرص تسوية وطنية شاملة. ومع كل عملية تصفية سياسية، تبتعد ليبيا خطوة إضافية عن لحظة الحسم التاريخي الذي ينقلها من إدارة الصراع إلى حلّه.

وبينما ودّع الليبيون الفقيد في جنازة تاريخية، بدت ليبيا وكأنها تودّع معها فرصة أخرى لاختيار طريقها بإرادتها، بعيدًا عن منطق السلاح. فالدولة لا تُبنى بالاغتيالات، والسياسة لا تُدار بالموت، لكن ما دامت البندقية أعلى صوتًا من صندوق الاقتراع، سيظل المستقبل الليبي رهينة فوضى تتغذى من نفسها، وتعيد إنتاج ذاتها بلا نهاية في ظل تدخل خارجي متزايد.

Related posts

طارق الشريف رئيس كوناكت الدوليةنعمل على جعل تونس في قلب الاستثمارات الاجنبية

صابر الحرشاني

ما هي رياح “سانتا آنا” التي زادت حدة حرائق كاليفورنيا؟

صابر الحرشاني

تقرير جزائري: الجزائر وتونس …هدف مشترك للأبواق الخارجية

صابر الحرشاني

Leave a Comment