10 فبراير، 2026
الصفحة الأولى رياضة رياضة وطنية

الملعب الأولمبي بالمنزه: مشروع ضخم بتمويل غير مسبوق و الصين شريك تقني ومالي

محمد الدريدي 

بعد سنوات طويلة من الوعود المؤجّلة، والملفات المعلّقة، والجدل الذي لم ينقطع بين جماهير الرياضة والخبراء والسلطات، يعود مشروع إعادة بناء وتهيئة الملعب الأولمبي بالمنزه ليتصدّر المشهد الرياضي والوطني في تونس، لكن هذه المرّة بلغة الأرقام والقرارات الرسمية، لا بمنطق التمنّيات.

مشروع وُصف لسنوات بـ”الحلم المؤجّل”، أصبح اليوم أقرب إلى الواقع من أي وقت مضى، بعد الإعلان الرسمي عن تأمين وتجميع كلّ الاعتمادات المالية اللازمة، داخليًا وخارجيًا، وهو العائق الأكبر الذي عطّل انطلاق الأشغال منذ سنوات.

الملعب الأولمبي بالمنزه، الذي لا يُعدّ مجرّد منشأة رياضية، بل رمزًا من رموز الذاكرة الوطنية والرياضية التونسية، يستعدّ لمرحلة جديدة من تاريخه، مرحلة يُراد لها أن تجمع بين المحافظة على الشكل الهندسي التراثي الذي ميّز هذا الصرح منذ ستينات القرن الماضي، وبين متطلّبات العصر الحديث ومعايير الاتحادات الرياضية الدولية.

و بتمويل غير مسبوق يصل الى 517 مليون دينار فان الاشغال جاهزة للانطلاق وأبرز ما يميّز المستجدّات الأخيرة في هذا الملف هو الانفراج المالي الكامل. فحسب المعطيات الرسمية التي تمّ عرضها خلال اجتماع رئاسة الحكومة مع لجنة المشاريع الكبرى، تمّ تجميع اعتمادات تُقدّر بحوالي 517 مليون دينار تونسي، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المشاريع الرياضية العمومية في تونس.

وتتوزّع هذه الاعتمادات على النحو التالي , 117 مليون دينار من ميزانية الدولة التونسية، في إشارة واضحة إلى اعتبار المشروع أولوية وطنية و 250 مليون دينار تمويلات خارجية، تعكس ثقة الشركاء الدوليين في جدّية المشروع وجدواه مع 150 مليون دينار في شكل هبة من الجانب الصيني، ضمن شراكة استراتيجية متنامية بين تونس وبكين، شملت عديد المشاريع الكبرى في السنوات الأخيرة. هذا الحجم من التمويل مكّن الدولة من تجاوز أكبر عقبة واجهت المشروع، وفتح الباب أمام المرور من مرحلة التخطيط والدراسات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

كلفة المشروع… بين الضروري والطموح

و تشير التقديرات الرسمية إلى أنّ الكلفة الجملية لإعادة بناء وتهيئة الملعب الأولمبي بالمنزه تتراوح بين 427 و600 مليون دينار تونسي، وذلك حسب صيغة الإنجاز ومستوى التجهيزات التي سيتم اعتمادها. في الحدّ الأدنى، أي حوالي 427 مليون دينار، سيتم إنجاز ملعب بتجهيزات عصرية مطابقة للمعايير الدولية، قادرة على احتضان المباريات الرسمية والتظاهرات القارية والدولية، دون إضافات كبرى على مستوى الرفاهية.

أمّا في الصيغة القصوى، التي قد تصل إلى 600 مليون دينار، فإنّ المشروع سيتحوّل إلى ملعب بمواصفات عالمية عالية جدًا، يشمل أعلى معايير الراحة والرفاهية للجماهير والرياضيين، إضافة إلى منظومة إضاءة داخلية وخارجية متطوّرة للغاية، تجعل من الملعب فضاءً متكاملًا قادرًا على احتضان أكبر التظاهرات الرياضية والفنية.

وبفضل توفّر 517 مليون دينار حاليًا، أصبح من الممكن الشروع في الأشغال بتجهيزات محترمة ومتقدّمة، تلبي تطلّعات الجماهير، مع إمكانية تطوير المشروع لاحقًا حسب الإمكانيات والاختيارات الفنية.

مشروع إعادة بناء… لا مجرّد ترميم

على عكس ما كان يُروّج في بعض الفترات السابقة، لا يتعلّق المشروع الحالي بعملية ترميم جزئية أو إصلاحات سطحية، بل بـإعادة بناء شاملة للملعب، مع الحفاظ على روحه التاريخية وهويته المعمارية.

ومن أبرز مكوّنات المشروع إعادة بناء المدارج بتصميم عصري، داخليًا وخارجيًا، يحافظ على الخطوط الهندسية الأصلية للملعب، التي تُعدّ جزءًا من التراث المعماري لتونس الحديثة. مع تحديث شامل للبنية التحتية داخل الملعب وخارجه، بما في ذلك شبكات الكهرباء، المياه، الصرف الصحي، والاتصالات اضافة الى تطوير المرافق والخدمات، من قاعات تبديل الملابس، إلى الفضاءات الإعلامية، وغرف الحكّام، ومناطق كبار الشخصيات.

تهيئة مواقف السيارات وتحسين الربط بالنقل العمومي، لتسهيل وصول الجماهير والحدّ من الاختناق المروري في محيط الملعب. هذا إلى جانب الالتزام التام بالمعايير الدولية المعتمدة من قبل الفيفا والاتحاد الإفريقي لكرة القدم واللجنة الأولمبية الدولية.

وتجدر الإشارة إلى أنّ الشركة الصينية المشاركة في المشروع قدّمت تصوّرًا جديدًا لتجاوز الصعوبات التقنية التي تفرضها محاولة تكييف تصميم يعود إلى ستينات القرن الماضي مع معايير القرن الحادي والعشرين، وهو تحدٍّ هندسي كبير يتطلّب خبرة عالية.

الجانب الصيني… شريك تقني ومالي

إبرام مذكّرة تفاهم مع الجانب الصيني يُعدّ من أهمّ مخرجات اجتماع رئاسة الحكومة مع لجنة المشاريع الكبرى. هذه المذكّرة لا تقتصر على الجانب المالي فقط، بل تشمل أيضًا ، إعادة بناء شاملة للملعب بأحدث التقنيات مع احترام المعايير الرياضية الدولية و المحافظة على الشكل الهندسي التاريخي للملعب مع نقل الخبرات والتكنولوجيا في مجال المنشآت الرياضية الكبرى.

هذا التعاون يعكس توجّه الدولة التونسية نحو تنويع الشراكات الدولية والاستفادة من التجارب الناجحة في بناء الملاعب الحديثة، خاصة وأنّ الصين أصبحت فاعلًا رئيسيًا في هذا المجال على المستوى العالمي.

و حسب المعطيات الرسمية، من المنتظر أن تنطلق الأشغال خلال شهري مارس أو أفريل 2026، فور استكمال الإجراءات الإدارية والفنية المتبقية. ورغم أنّ المدة الزمنية لإنجاز المشروع لم تُحدّد بعد بشكل دقيق، فإنّ السلطات أكّدت على ضرورة التسريع في الإنجاز ووضع كلّ آليات المتابعة والمراقبة الميدانية مع ضمان جودة الأشغال واحترام الآجال المحدّدة.

كما تمت الموافقة على إسناد مهمة المساندة الفنية لمكتب دراسات متعدّد الاختصاصات، مع التأكيد على أهمية المتابعة الدقيقة لكلّ مراحل المشروع، تفاديًا للتأخير أو الإخلال بالمواصفات.

أكثر من ملعب… رهان وطني

إعادة بناء الملعب الأولمبي بالمنزه لا تهمّ فقط كرة القدم، بل تمثّل رهانًا وطنيًا شاملًا على مستقبل الرياضة التونسية. فالملعب كان تاريخيًا فضاءً لاحتضان مباريات المنتخب الوطني و نهائيات الكؤوس و بطولات قارية اضافة إلى تظاهرات ثقافية وفنية كبرى. و بحلّته الجديدة، يُنتظر أن يستعيد هذا الدور، وأن يكون قاطرة لتطوير البنية التحتية الرياضية في تونس، خاصة في ظلّ سعي البلاد لاحتضان تظاهرات إقليمية ودولية في السنوات القادمة.

و يبقى التحدّي الأكبر في هذا المشروع هو الموازنة بين الذاكرة والطموح. فالملعب الأولمبي بالمنزه ليس مجرّد إسمنت وحديد، بل فضاء محفور في ذاكرة أجيال من التونسيين، شهد أفراحًا رياضية كبرى ولحظات تاريخية لا تُنسى.

المحافظة على شكله الهندسي التاريخي، كما تمّ التأكيد عليه رسميًا، تمثّل رسالة احترام لهذا الإرث، في حين أنّ اعتماد أحدث التقنيات والمعايير الدولية يعبّر عن رغبة في القطع مع سنوات التراجع وبناء مستقبل يليق بطموحات الرياضيين والجماهير.

بعد سنوات من الانتظار والشكوك، يبدو أنّ الملعب الأولمبي بالمنزه على موعد حقيقي مع العودة. عودة مدعومة بتمويل مضمون، وشراكات دولية، وإرادة سياسية معلنة. صحيح أنّ طريق الإنجاز لا يخلو من التحدّيات، لكنّ الثابت اليوم أنّ المشروع خرج من دائرة الوعود إلى حيّز التنفيذ الفعلي.

المنزه يعود، ليس فقط كملعب، بل كرمز لقدرة تونس على إنجاز مشاريع كبرى عندما تتوفّر الرؤية، والتمويل، والمتابعة الجدية. ويبقى الرهان الأكبر أن تترجم هذه القرارات إلى واقع ملموس في الآجال المحدّدة، حتى تعود الجماهير التونسية إلى مدرجات طال شوقها إليها، في ملعب يليق بتاريخها وطموحاتها.

Related posts

منتخب تونس للكرة الطائرة يشارك لأول مرة في الدوري الممتاز

root

رئيس الجمهورية يقيل المدوري و يعين سارة الزنزري رئيسة للحكومة.

صابر الحرشاني

شفاء الحدادي والجمل من كورونا

root

Leave a Comment