صابر الحرشاني
تتكشّف أمامنا حقائق متراكمة تُظهر أن العنف صار جزءا من المنظومة التعليمية في تونس.
ويبدو ان المشهد الذي شهدته إحدى المدارس العمومية مؤخرا، حين تحوّل شجار بين تلاميذ إلى جريمة قتل أمام أسوار المؤسسة يعبر بوضوح عن تحوّل بنيوي في السلوك المدرسي وفي العلاقة بين التلاميذ وبعضهم حيث يستمر النقاش حول العنف المدرسي كأحد أخطر التحديات التي تواجه المنظومة التربوية، ويستدعي تصدّيًا أكثر حزمًا وتصميمًا.
وتشير دراسات حديثة إلى أن العنف الجسدي بين التلاميذ في المدارس ليس استثناء، بل حقيقة ملموسة. فقد وصلت نسبة التلاميذ الذين تعرضوا للعنف الجسدي داخل الوسط المدرسي في تونس إلى 28.4 بالمائة مرة واحدة أو أكثر، وهذا مؤشر صارخ على اتساع نطاق المشكلة داخل المدرسة وخارجها.
و من اللافت أيضًا أن أغلب هذا العنف يرتكبه التلاميذ أنفسهم ضد بعضهم، وليس فقط ضد المعلمين أو الإدارة، ما يوضح أن العنف صار جزءًا من “الثقافة المدرسية اليومية”، وليس سلوكًا عرضيًا يتعلق بفرد أو مجموعة صغيرة من الطلاب.
وفي عدد من التقارير والإحصائيات الوطنية، تظهر صورة أكثر وضوحًا لمدى انتشار العنف داخل المدرسة. فقد تم رصد عشرات الآلاف من الحالات المسجلة سنويًا، وتحدثت بعض المصادر عن تسجيل أكثر من 24 ألف حالة عنف مؤسسي في مؤسسات تربوية مختلفة، وضع تونس في ما يُصنَّف بين الدول ذات معدلات عنف مرتفعة في المؤسسات التعليمية.
وهذا الانتشار ليس تجربة تونسية معزولة محليًا؛ بل هو جزء من واقع اجتماعي أوسع. فقد أكدت مصادر رسميّة أن العنف داخل المدرسة صار من أبرز المشاكل التي تواجه المؤسسات التربوية، وليست هناك جهة تعليمية أو أمنية تتجاهل خطورته أو تقلل من أهميته.
وفي أوساط الخبراء التربويين، يذهب الكثيرون إلى اعتبار العنف في المدرسة مؤشرًا لخلل أعمق في البيئة الاجتماعية. يرتبط هذا الخلل بعدة عوامل مترابطة: تراجع الدور التربوي للأسرة، وضغوط اجتماعية واقتصادية على الشباب، وصولًا إلى ضعف المناخ الثقافي داخل الفصول التعليمية، حيث سرعان ما تتحوّل الخلافات البسيطة إلى مواجهات عنيفة.
وأحد أسباب هذا التوتر في المدارس يعود إلى أن منظومة التربية اليوم تواجه تصادمًا بين نموذج مدرسي تقليدي وأجيال جديدة تختلف في تصوراتها وسلوكياتها. فبينما تسعى المدرسة إلى غرس قيم الانضباط والطاعة، يعيش التلميذ في مجتمع يتغير بوتيرة أسرع ويطغى عليه الإحساس بالذات الفردية وتطلعات مختلفة تتجاوز المنهج المدرسي التقليدي، ما يولّد صدامات متكررة داخل الفضاء التربوي.
وكما أن البيئة المدرسية نفسها تواجه تحديات بنيوية تؤدي إلى تفاقم العنف، منها الاكتظاظ في الفصول ونقص الموارد والضغط التعليمي الكبير، ما يخلق احتكاكات أكثر بين الطلاب وبعضهم وبين الطلاب والمدرسين، ويضع الجميع في حالة توتر دائم.
ووأكثر من ذلك، تدل الأحداث المتكررة على أن العنف لا يقتصر على الصلات الجسدية بين الطلاب، بل يتخطّاها إلى أشكال أعمق من العدوان اللفظي والتحرش والتخويف المتكرر، وهي سلوكيات نخرّت البيئة التعليمية وجعلت من المدرسة مجالًا قليل الأمان نفسيًا حتى قبل أن تتحوّل بعض الحوادث إلى عنف مادي صريح.
كما أن انتشار السلاح الأبيض بين الشباب والتلاميذ داخل الفضاء المدرسي أضحى أمرا ملموسًا، مع تسجيل حوادث طعن واعتداء جسدي في عدة ولايات، ما يعمّق الشعور بأن المدرسة أصبحت ساحة مفتوحة على مخاطر مستمرة، لا يمكن تجاهلها لمجرد أنها تحدث بين قِصَر.
والآثار النفسية والاجتماعية لهذه الظاهرة تتجاوز الضحية والمعتدي، لتلامس البيئة التربوية بأكملها. فالتلاميذ الذين يتعرضون للعنف الجسدي أو النفسي يعانون غالبًا من اضطرابات نفسية، وانخفاض في التحصيل الدراسي، وتراجع رغبتهم في مواصلة الدراسة، بينما يتأثر المعلمون بدورهم بإحساس متزايد بعدم الأمان داخل الفصول، ما ينعكس على جودة التعليم وفعالية العملية التربوية.
ولأن أزمة العنف المدرسي متشابكة ومتأصلة في عدة مستويات، فقد شرعت وزارة التربية في إعداد خطة وطنية شاملة لحماية المدارس من العنف، تركّز على جوانب الوقاية والتوعية والدعم النفسي والاجتماعي للتلاميذ، إلى جانب تدريب المعلمين على إدارة النزاعات داخل الفصول وتحسين التنسيق مع أسر الطلاب والمجتمع المدني.
تشكل هذه الخطة محاولة رسمية للاعتراف بأن العنف في المدارس لم يعد ظاهرة هامشية يُتجاهل، بل هو تحدٍ مركزي يستدعي تدخلًا متسقًا ومستدامًا. وتؤكد السلطات أن معالجة المشكلة لا تنحصر في الجانب الأمني وحده، بل تتطلب معالجة عميقة للمسببات الاجتماعية والنفسية والثقافية.
لكن السؤال الذي يواجه صناع القرار اليوم هو ما إذا كانت الإجراءات المقترحة ستتمكّن من وقف النزيف الحقيقي في سلوك التلاميذ داخل المدارس، أم أنها ستظل حلولًا جزئية لا تعالج جوهر المشكلة. فالعنف المدرسي، كما تشير الدراسات، لا يظهر بشكل منفصل عن السياق الاجتماعي الأوسع الذي يعيش فيه الشباب، ويتغذّى على مشكلات الأسرة، والصعوبات الاقتصادية، وتراجع الهيبة الاجتماعية والمؤسساتية.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن التعامل مع العنف المدرسي على أنه حدث فردي أو ظرفي. هو مؤشر على أزمة أوسع تتعلق بالعلاقات الاجتماعية والثقافية داخل المجتمع التونسي بأسره. ومع تراكم الحوادث، تتعاظم الحاجة إلى إجراءات عاجلة، استراتيجية، ومتكاملة من الدولة، تشمل التربية والأسرة والمجتمع المدني، وتضمن للجيل القادم بيئة تعليمية آمنة، توفر له الفرصة للنمو الفكري والوجداني معًا.
