14 فبراير، 2026
الصفحة الأولى رأي

افتتاحية /أهمّ الاستعدادات لرمضان

قبيل حلول أعظم أشهر السنة يتجدد الحديث بشأن استعدادات استقبال الشهر من توفر المخزونات الغذائية في السوق والحال وأن استعداد الروح لأحب الشعائر إلى الله هي اعظم بكثير.

و مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يبدأ المسلمون في جميع أنحاء العالم الاستعداد الروحي لهذا الشهر الكريم، الذي يمثل محطة مميزة للتقوى والصفاء النفسي وتجديد العلاقة مع الله في شهر يمثل فرصة للارتقاء بالنفس والابتعاد عن كل ما يبعد عن طاعة الله، وتجديد الالتزام بالقيم الروحية والأخلاقية التي تحث عليها الشريعة الإسلامية.

شهر رمضان هو شهر القرآن، إذ أنزل الله فيه كتابه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وهو شهر البركات والرحمات والمغفرة، حيث تتضاعف فيه الحسنات وتفتح فيه أبواب الجنة وتغلق أبواب النار، و ويحرص المسلمون على اغتنام هذه الأيام المباركة بالقيام بالعبادات المختلفة، مثل الصلاة في وقتها، وقيام الليل، وقراءة القرآن، والدعاء، والذكر، وأداء التراويح والتأمل في نعم الله وآياته في الكون.

والصيام هو تدريب للنفس على الصبر وضبط الشهوات، وتقوية الإرادة في مواجهة الرغبات الدنيوية، مما يجعله مدرسة روحية متكاملة،  وفي هذا الشهر، يجد الإنسان نفسه أقرب إلى الله، ويتفتح قلبه للرحمة والتسامح، فتزداد الصدقات، وتكثر الأعمال الخيرية، ويصبح المجتمع أكثر تماسكا بفضل أجواء العطاء والمشاركة بين الناس.

كما يمثّل رمضان أيضًا فرصة للتقرب إلى الله من خلال الذكر والدعاء والتوبة الصادقة، فهو شهر تصفية النفس وتجديد العهد مع الله، و شهر الانكسار أمام الخالق والخضوع لحكمه، شهر الاعتراف بالخطأ والنية الصادقة للتغيير والتحسين و يعيش الصائم في رمضان تجربة روحانية فريدة، حيث يشعر بالتقوى والخشوع والسكينة التي يهبها الله لمن يلتزم بطاعته، وتتجدد فيه المشاعر الإنسانية من رحمة ومودة ورحمة للآخرين.

و من فضائل رمضان أنه شهر الرحمة والمغفرة، حيث يغفر الله الذنوب لمن تاب وأناب، ويضاعف الأجر لمن اجتهد في العبادة، ويتقرب إلى الله بالصدقات والصبر على المصاعب. وفي هذا الشهر، تتحقق القيم الإنسانية في أسمى صورها، فالأسرة تتقارب، والأحباب يتبادلون الزيارات، ويجد الفقير والمحتاج الاهتمام والرعاية، مما يجعل الشهر فرصة لتجديد الروابط الاجتماعية وتعزيز المحبة والتآلف بين الناس.

والقيام في رمضان له مكانة عظيمة، إذ يحظى القائمون ليل رمضان بمضاعفة الأجر، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم إن من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. ولذلك يحرص المسلمون على أداء صلاة التراويح والتهجد، وقراءة أجزاء من القرآن كل ليلة، مما يضفي على الشهر طابعا روحانيا مميزا ويجعل النفس أكثر تقبلا للخير والإحسان.

وشهر رمضان هو أيضًا شهر الصبر، فهو يربّي الإنسان على التحمل وضبط النفس، فيصير الصائم أكثر قدرة على مواجهة المشقات، ويكتسب صبرا داخليا يمتد أثره إلى باقي أيام السنة. ومن خلال الصيام، يتعلم الإنسان معنى الامتنان لله على النعم التي لا تعد ولا تحصى، ويصبح أكثر وعيًا بمصير الآخرين وبحاجتهم، مما يعزز الشعور بالتواضع والتعاطف.

كما تحظى الأيام العشر الأخيرة من رمضان بخصوصية كبيرة، فهي أيام ليالي القدر، التي هي خير من ألف شهر، فيها تُفتح أبواب السماء، ويستجيب الله للدعاء، وتتحقق البركات العظيمة للمؤمنين المخلصين. ويكثر الصائمون في هذه الليالي من قيام الليل، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، طلبا للمغفرة والرحمة، وتحرص النفوس على استثمار هذه الأوقات الثمينة بما يرضي الله ويقربها من جنته.

ومن المظاهر الروحية المهمة في رمضان أيضًا الإفطار الجماعي والمشاركة في موائد الرحمن، حيث يجتمع الأهل والجيران والأصدقاء لتقاسم طعام الإفطار، مما يعزز روح الوحدة والمحبة، ويجعل الشهر أكثر تأثيرًا على النفوس. فالعبادات في رمضان ليست مقتصرة على الفرد فقط، بل تمتد لتشمل المجتمع بأسره، فتتجلى قيم التكافل والتعاون والمودة، ويشعر الإنسان بالسكينة والرضا حين يرى الآخرين ينعمون بما يسعدهم.

ورمضان هو أيضًا شهر الدعاء والتوبة، ففيه تتحقق رغبات المؤمنين، ويستجيب الله لمن دعاه بإخلاص. ويحرص الصائمون على الاستغفار ومراجعة النفس، والتوبة من الأخطاء الماضية، والنية الصادقة للتغيير، ليخرجوا من رمضان أكثر قربا من الله وأكثر صفاءً روحيا. ولذلك فإن الشهر الكريم يمثل فرصة لا تعوض لتطهير القلب والنية، وتجديد العهد مع الخالق، والالتزام بالقيم الروحية والأخلاقية طوال العام.

ويظل رمضان، بهذا المعنى، شهرًا مميزًا في حياة كل مسلم، لأنه يجمع بين الطاعات القلبية والجسدية، ويحقق التوازن بين الروح والجسد. فالصيام يغذي الروح ويعلم النفس الانضباط، والقيام بالعبادات يعمق القرب من الله، والصدقات والعمل الصالح يربط الفرد بالمجتمع ويحقق التكافل بين الناس. إن استثمار هذا الشهر بما يرضي الله يجعل أثره مستمرا بعد انقضائه، ويترك بصمة إيجابية في حياة المؤمنين، فيتغير السلوك ويزداد الوعي الروحي والأخلاقي.

وبهذه الطريقة، يصبح رمضان شهر الطاعات والتقوى، شهر الرحمة والمغفرة، شهر الصبر والامتنان، شهر العبادة والعمل الصالح والتواصل الاجتماعي، وهو فرصة حقيقية لتجديد الإيمان، وإعادة ترتيب الأولويات الروحية والإنسانية، والانطلاق نحو حياة أكثر سلاما ورحمة وقربا من الله.

Related posts

كتلة الأمانة والعمل تتصدر المشهد البرلماني

صابر الحرشاني

وزير التشغيل: 144 شركة أهلية والعوائق تشريعية لا مالية

صابر الحرشاني

منظمة الصحة العالمية: 80 ألف وفاة في رحلات الهجرة منذ 2014

صابر الحرشاني

Leave a Comment