استقبل رئيس الجمهورية قيس سعيّد، عصر يوم أمس الثاني من شهر فيفري الجاري، بقصر قرطاج، كلاً من السيدة سارة الزعفراني الزنزري رئيسة الحكومة، والسيد صلاح الزواري وزير التجهيز والإسكان، في اجتماع خُصّص للنظر في واقع البنية التحتية والإسكان، وما يشهده هذا القطاع من اختلالات متراكمة أثّرت بشكل مباشر على حياة المواطنين في عديد الجهات.
إرث ثقيل يتطلّب معالجة شاملة لا جزئية
وفي مستهلّ هذا اللقاء، أكّد رئيس الدولة على أنّ معالجة الإرث الثقيل المتراكم لا يمكن أن تتمّ بقرارات ظرفية أو حلول جزئية، بل تستوجب مقاربة شاملة تعالج جذور الإشكاليات. وبيّن أنّ جزءًا هامًا من هذا الإرث يتعلّق بالبنية التحتية والإسكان، وهما من أكثر القطاعات التي عانت من سوء التخطيط وغياب المتابعة خلال سنوات طويلة.
وأشار رئيس الجمهورية إلى أنّ عديد الأحياء السكنية تمّ إحداثها في فترات سابقة، وتمّ ربطها بالكهرباء والماء الصالح للشرب، غير أنّها بقيت دون شبكات تطهير أو دون قنوات لتصريف مياه الأمطار، وهو ما جعلها عرضة لمشاكل متكرّرة خاصة خلال المواسم الممطرة.
أحياء بلا تطهير وصيانة غائبة
وأوضح رئيس الدولة أنّ بعض الأحياء، وحتى في الحالات التي توفّرت فيها قنوات التطهير أو تصريف المياه، لم تحظَ بالصيانة الدورية اللازمة، إن لم تُترك دون تعهّد منذ إنشائها. وأدّى هذا الوضع إلى تراكم مختلف أنواع الفضلات داخل هذه القنوات، ما تسبّب في انسدادها وتحويلها إلى مصدر تلوّث يهدّد صحة المواطنين وسلامة محيطهم.
وشدّد رئيس الجمهورية على أنّ مثل هذه الإخلالات لا يمكن اعتبارها تفاصيل ثانوية، بل هي نتيجة مباشرة لغياب الرؤية والرقابة، ولعدم تحمّل المسؤولية من قبل من تعاقبوا على إدارة هذا القطاع.
خلل في ترتيب الأولويات بقطاع الطرقات
وتطرّق رئيس الدولة إلى وضع عدد غير قليل من الطرقات، مبرزًا وجود خلل واضح في ترتيب الأولويات. وأكّد أنّه يتم في عديد الأحيان إعادة تعبيد طرقات لا تستوجب ذلك، أو لا تمثّل أولوية قصوى، في حين تُترك طرقات أخرى في حالة متدهورة رغم حاجتها الملحّة للتعهّد أو لإعادة كاملة.
واعتبر رئيس الجمهورية أنّ هذا الوضع يعكس سوء تصرّف في المال العام، وغياب تخطيط فعلي قائم على دراسة الحاجيات الحقيقية للمواطنين، بدل الاعتماد على قرارات لا تستند إلى معايير واضحة.
إخلالات في المرافق العمومية وتدخّل مباشر
كما تناول رئيس الجمهورية عديد مظاهر الإخلالات والتقصير في سير المرافق العمومية، مشيرًا إلى أنّ بعض هذه الإشكاليات لا تتطلّب إمكانيات كبيرة أو قرارات معقّدة، بل تقتصر على المتابعة والصيانة الدورية.
وفي هذا السياق، أشار إلى تدخّله المباشر خلال الأيام الأخيرة لإعادة تشغيل عدد من فوانيس التنوير العمومي التي كانت معطّلة، رغم أنّها لا تحتاج سوى إلى استبدالها بأخرى أو تغيير قطع غيار بسيطة. واعتبر أنّ بقاء هذه الفوانيس خارج الخدمة يمثّل مثالًا صارخًا على الإهمال الذي طال عدّة مرافق.
كما تطرّق رئيس الدولة إلى تعطّل شاحنات شفط المياه بأحد أحياء العاصمة، مبيّنًا أنّ الإشكال لم يكن تقنيًا معقّدًا، بل نتيجة غياب الصيانة والمتابعة، ما أدّى إلى تعقيد وضع الأحياء المتضرّرة.
الإسكان والكراء المُملّك في صلب الاهتمام
وجدّد رئيس الجمهورية التذكير بنظام الكراء المُملّك الذي تمّ إقراره، معتبرًا إيّاه أحد الحلول الممكنة للتخفيف من أزمة السكن. وأكّد على ضرورة الإسراع بإنجاز أحياء سكنية جديدة في كامل أنحاء الجمهورية، سواء عن طريق الشركة الوطنية العقارية للبلاد التونسية أو عبر شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية.
وشدّد رئيس الدولة على أنّ هذه الأحياء يجب أن تُنجز وفق أمثلة عمرانية حديثة لا تكتفي بأخذ الوضع الحالي بعين الاعتبار، بل تقوم أيضًا على استشراف المستقبل، بما يضمن توفير بيئة سكنية متكاملة تستجيب لحاجيات الأجيال القادمة.
تشريعات جديدة… لكن الأساس بنية فكرية مختلفة
وفي ختام الاجتماع، أكّد رئيس الجمهورية أنّ العمل جارٍ على تغيير العديد من التشريعات، غير أنّ إصلاح البنية التحتية والإسكان لا يمكن أن يتحقّق بالقوانين وحدها. واعتبر أنّ البلاد في حاجة، قبل كلّ شيء، إلى بنية فكرية جديدة تقوم على القطع مع الممارسات السابقة، وتحملها طاقات شابة قادمة قادرة على إرساء ثقافة جديدة في التصرّف في الشأن العام.
المحاسبة شرط أساسي للإصلاح
كما شدّد رئيس الدولة على ضرورة محاسبة كلّ من أذنب في حقّ الشعب التونسي وتسبّب في إهدار أمواله، معتبرًا أنّ المحاسبة ليست خيارًا بل ضرورة لضمان عدم تكرار نفس الإخلالات. وأكّد أنّ إصلاح البنية التحتية والإسكان يظلّ مدخلًا أساسيًا لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة بين مختلف الجهات.
إعداد: مفيدة مرابطي
