18.9 C
تونس
27 فبراير، 2026
وطنية

المخدّرات تغزو المدارس : رئيس الجمهورية يدق نقوس الخطر و التربية خطّ الدفاع الأوّل



 




استقبل رئيس الجمهورية  قيس سعيد، بقصر قرطاج، كلاّ من السادة خالد النوري وزير الداخلية، ونورالدين النوري وزير التربية، وسفيان بالصادق كاتب الدولة للأمن الوطني، في اجتماع خُصّص للنظر في جملة من الملفات ذات الصلة بالأمن التربوي، وفي مقدّمتها تفشّي ظاهرة المخدرات داخل المؤسسات التعليمية ومحيطها.

المخدّرات داخل المدارس: خطر يهدّد المجتمع من جذوره

استهلّ رئيس الدولة اللقاء بالتأكيد على ضرورة حماية التلاميذ من آفة المخدرات التي انتشرت داخل المدارس والمعاهد وحولها، مشدّدا على أنّ هذه الظاهرة لم تعد حالات معزولة أو سلوكات فردية، بل تحوّلت إلى شبكة تستهدف فئة عمرية حساسة، في مرحلة تتشكّل فيها الشخصية وتُبنى فيها ملامح المستقبل.

وأوضح أنّ تفاقم الظاهرة يوما بعد يوم لا يمكن اعتباره مجرّد انحراف اجتماعي عابر، بل هو تهديد مباشر للنسيج المجتمعي برمّته، إذ تستهدف هذه السموم عقول الناشئة، وتسعى إلى تفكيك المجتمع من الداخل عبر ضرب ركائزه الأساسية: الأسرة، والمدرسة، والقيم الوطنية.

ودعا رئيس الجمهورية إلى تسيير دوريات أمنية بصفة مستمرة في محيط المؤسسات التربوية، مع تعزيز اليقظة الأمنية داخلها، بما يضمن تطويق شبكات الترويج وقطع الطريق أمام كل من تسوّل له نفسه استهداف التلاميذ. غير أنّه شدّد في الآن ذاته على أنّ المقاربة الأمنية، على أهميتها، لا يمكن أن تكون الحلّ الوحيد.

مقاربة شاملة: الأمن والتربية في معركة واحدة

في مقاربة تعكس وعيا بطبيعة التحدّي، أكّد رئيس الدولة أنّ الحرب على المخدرات داخل المدارس يجب أن تقوم على تضافر كل الجهود، لا فقط للقضاء على شبكات الترويج، بل لمعالجة الأسباب العميقة التي تسمح بانتشار هذه الآفة.

وأشار إلى ضرورة تخصيص جزء من الدروس يوميا لبيان مخاطر المخدرات، ليس في شكل حملات ظرفية أو خطابات مناسباتية، بل في إطار تربوي متكامل يرسّخ لدى التلميذ وعيا حقيقيا بخطورة هذه السموم التي “لا ترياق لها”، على حدّ تعبيره، إلا بتهذيب العقول وتربية وطنية تحفظ الدولة ووحدتها والمجتمع بكل مكوّناته.

فالتلميذ، وفق هذا التصوّر، لا يحتاج فقط إلى رقابة أمنية، بل إلى مناعة فكرية وأخلاقية تحصّنه من الوقوع في فخّ الإدمان، وتجعل منه مواطنا واعيا بمسؤوليته تجاه نفسه وأسرته ووطنه.

التربية قطاع سيادة… والمجلس الأعلى في الأفق

لم يكن حديث رئيس الجمهورية عن المخدرات معزولا عن رؤية أوسع لقطاع التربية والتعليم. فقد ذكّر بالأهمية القصوى لهذا القطاع، معتبرا إياه من قطاعات السيادة، شأنه شأن الأمن والدفاع، لما له من تأثير مباشر على مستقبل الدولة واستقرارها.

وأشار في هذا السياق إلى أنّ التنصيص في الدستور على إنشاء المجلس الأعلى للتربية والتعليم لم يكن من قبيل الصدفة، بل هو إقرار بأهمية هذا المرفق الحيوي، وضرورة إرساء آلية استراتيجية تُعنى بإصلاحه على أسس علمية بعيدة عن الارتجال.

وكشف رئيس الدولة أنّ هذا المجلس سيتم تركيزه قريبا حتى ينطلق في أشغاله، في خطوة يُنتظر أن تعيد ترتيب أولويات الإصلاح التربوي، وتُراجع الاختيارات التي وُصفت بـ”الخاطئة” والتي تم اعتمادها خلال السنوات الماضية.

أخطاء الماضي… وكلفة الإصلاح المؤجّل

من أبرز ما ورد في مداخلته، تحذيره من أن أي خطإ في قطاع التربية لا يمكن تداركه إلا بعد عقدين من الزمن على الأقل. فالتلميذ الذي يتلقى تعليما مشوّها أو منقوصا اليوم، لن تظهر نتائج ذلك فورا، بل بعد سنوات طويلة، حين يدخل سوق الشغل أو يتقلّد مسؤوليات في المجتمع.

وهذا التأخير في ظهور الأثر يجعل من إصلاح المنظومة التربوية مسألة استعجالية، لأن كل سنة تمرّ دون تصحيح المسار تعني جيلا إضافيا قد يتأثر سلبا بخيارات غير مدروسة.

وفي هذا الإطار، أعرب رئيس الجمهورية عن أسفه لكون تونس، التي راهنت تاريخيا على التعليم باعتباره سلّم الارتقاء الاجتماعي، كان يُفترض أن لا يكون فيها أمّي واحد. غير أنّ الواقع يشير إلى تطوّر نسبة الانقطاع عن التعليم، وهو مؤشر مقلق يعكس هشاشة في المنظومة، سواء على مستوى الجاذبية أو الإحاطة الاجتماعية بالتلاميذ.

من الأمّية الأبجدية إلى الأميّة المقنّعة

لم يتوقف رئيس الدولة عند حدود الأميّة التقليدية، بل تحدّث عمّا وصفه بـالأميّة المقنّعة، الناتجة عن اغتيال ملكة التفكير الحرّ. فليس كل من يجيد القراءة والكتابة متعلّما بالمعنى العميق للكلمة، إذا كان عاجزا عن التحليل والنقد وإعمال العقل.

واعتبر أنّ هذه الأميّة المقنّعة أخطر من الأميّة الأبجدية، لأنها تُنتج أفرادا قد يحملون شهادات، لكنهم يفتقرون إلى القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، أو مقاومة الأفكار الهدّامة، بما في ذلك الوقوع في براثن المخدرات أو غيرها من الآفات.

ومن هنا، فإنّ معركة مكافحة المخدرات ترتبط عضويا بمعركة أوسع: إعادة الاعتبار للفكر النقدي، وترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز قيم الانضباط والمسؤولية داخل المؤسسات التربوية.

الأسرة شريك أساسي في التحصين

وإن كان الاجتماع قد جمع بالأساس بين رئاسة الجمهورية وممثلي وزارتي الداخلية والتربية، فإنّ الرسالة الضمنية كانت واضحة: لا يمكن للدولة وحدها أن تخوض هذه المعركة.

فالأسرة تمثل خط الدفاع الأول، وهي المعنية بمتابعة سلوك الأبناء، والانتباه لأي تغيّرات مفاجئة قد تشير إلى انحراف أو إدمان. كما أنّ المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والإطارات التربوية، مطالبون بالانخراط في خطة وطنية شاملة تقوم على الوقاية قبل الردع.

نحو استراتيجية وطنية متكاملة

المعطيات التي طُرحت خلال هذا الاجتماع تعكس إدراكا رسميا بخطورة المرحلة، وضرورة الانتقال من ردود الفعل الظرفية إلى استراتيجية طويلة المدى، تقوم على ثلاثة محاور أساسية: تشديد الرقابة الأمنية على محيط المؤسسات التربوية، إصلاح عميق للمنظومة التعليمية، وبرامج توعوية مستمرة تستهدف التلاميذ والأولياء على حد سواء.

فالمخدرات، كما جاء في اللقاء، ليست مجرد مواد ممنوعة، بل أدوات لتفكيك المجتمع وضرب استقراره. ومواجهتها تقتضي يقظة دائمة، وإرادة سياسية واضحة، ورؤية تربوية تعيد الاعتبار للمدرسة باعتبارها فضاء لبناء الإنسان الحرّ الواعي.

وفي انتظار تركيز المجلس الأعلى للتربية والتعليم، وما سيحمله من تصوّرات إصلاحية، تبقى المعركة ضد المخدرات داخل المدارس اختبارا حقيقيا لقدرة الدولة والمجتمع على حماية أجيالهما الصاعدة، وصون مستقبل وطن يراهن، منذ نشأته الحديثة، على العلم والمعرفة كأقوى أسلحته.

إعداد: مفيدة مرابطي

Related posts

الرئيس قيس سعيد يستقبل كل من وزيرة الداخلية الألمانية ووزير الداخلية الفرنسي

رمزي أفضال

قانون المالية: الأداء على القيمة المضافة بالنسبة لاقتناء العقارات .. التفاصيل

محمد بن محمود

كل اعتداء على الملك العمومي البحري سيكون محلّ تتبعات

Moufida Ayari

Leave a Comment