17.4 C
تونس
2 مارس، 2026
وطنية

في محاربة الجريمة والعنف: الردع والوقاية خطّان متلازمان




في سياق التحركات الرامية إلى استعادة مناخ الطمأنينة العامة، أثمرت جهود أبناء المؤسسة الأمنية خلال الأيام القليلة الماضية عن ضبط زهاء مائتي شخص مفتش عنهم، إلى جانب حجز كميات متفاوتة من الأقراص المخدّرة ومخدر الكوكايين والقنب الهندي، فضلا عن مبالغ مالية متأتية من أنشطة إجرامية. وقد شملت هذه العمليات مختلف مناطق ولايات تونس الكبرى، دون احتساب بقية الجهات في ربوع البلاد، بما يعكس نسقًا تصاعديًا في العمل الميداني والتنسيق بين مختلف الوحدات.

وأوضحت وزارة الداخلية في بلاغ صادر عبر صفحتها الرسمية على مواقع التواصل الاجتماعي، أن الحملات استهدفت العناصر الإجرامية الخطيرة الناشطة في ترويج المخدرات وعمليات السرقة باستعمال العنف «البراكاجات»، إضافة إلى أشخاص محل مناشير تفتيش ومطلوبين للعدالة. وأكدت أن هذه الجهود تندرج ضمن استراتيجية شاملة للتصدي لكل مظاهر الجريمة والإخلال بالأمن العام، مع التشديد على أن العمليات ستكون متواصلة في الزمن، وستشمل الفضاءات العامة والأحياء السكنية ومحيط المؤسسات التربوية.

واقع مقلق يستدعي الحزم

لا يمكن فصل هذه التحركات عن السياق العام الذي تعيشه البلاد، حيث تصاعدت في الآونة الأخيرة مظاهر العنف والجريمة بشكل بات يثير القلق. فقد أصبح تسجيل حالات القتل والاعتداءات المادية واللفظية و«البراكاج» خبرا شبه يومي، ما ساهم في تطبيع خطير مع مشاهد كان يُفترض أن تبقى استثنائية.

هذا الواقع خلّف حالة من الاحتقان والخوف، ليس فقط على مستوى الأفراد بل أيضا في علاقتهم بالدولة ومؤسساتها. إذ إن انعدام الإحساس بالأمن يضرب في العمق الثقة العامة، ويغذي الشعور بالعجز واللايقين. لذلك فإن التحرك الأمني الحازم يُعدّ خطوة في الاتجاه الصحيح، ورسالة واضحة مفادها أن الدولة لن تتهاون في حماية مواطنيها.

غير أن السؤال الجوهري يظل مطروحا: هل يكفي الردّ الأمني وحده لمعالجة ظاهرة مركبة ومتعددة الأبعاد كالجريمة؟

الردع ضرورة لترسيخ هيبة الدولة

الردع يمثل أحد الأعمدة الأساسية في مواجهة الجريمة. ويعني، في جوهره، استخدام القوانين والعقوبات لمنع الأفراد من ارتكاب الجرائم خوفا من العقاب. وهو ينقسم إلى نوعين متكاملين: ردع عام يهدف إلى تخويف عموم الناس من الإقدام على الجريمة عبر تطبيق العقوبات بوضوح وعلنية، وردع خاص يركز على الجاني نفسه، لمنعه من تكرار فعله عبر العقوبة أو برامج إعادة التأهيل.

تكمن أهمية الردع في كونه يرسخ هيبة القانون ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة الحامية. فالعقوبة العادلة والسريعة لا تنصف الضحية فحسب، بل تبعث برسالة قوية إلى المجتمع مفادها أن القانون فوق الجميع. كما أن انتظام تطبيق العقوبات يساهم في تقليص معدلات الجريمة، خاصة عندما يقترن بالشفافية والمساواة أمام القانون.

لكن الردع، مهما بلغ من الصرامة، لا يمكن أن يكون الحل الوحيد. فالتركيز على العقوبة فقط قد يعالج النتائج دون الأسباب، ويحوّل المؤسسة الأمنية إلى جهاز إطفاء يتدخل بعد وقوع الحريق، لا قبله. كما أن الضغط المتواصل الناتج عن تفاقم الجريمة قد يرهق الأجهزة ويؤثر في أدائها وصورتها.

الوقاية الاستثمار الحقيقي في أمن المجتمع

إذا كان الردع يمثل العلاج، فإن الوقاية تظلّ خيرًا من العلاج. فالوقاية تهدف إلى منع وقوع الجريمة قبل حدوثها، من خلال معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية التي تغذيها. وهي بذلك تشكل استثمارا طويل الأمد في استقرار المجتمع.

اجتماعيا، لا بد من دعم الأسرة وتعزيز دورها التربوي، فهي الإطار الأول لغرس القيم وضبط السلوكيات. كما أن إصلاح المنظومة التعليمية وتحسين جودتها يمثلان ركيزة أساسية في بناء وعي نقدي يرفض العنف ويؤمن بقيم المواطنة. ولا يمكن تجاهل أهمية توفير فرص العمل للشباب ومكافحة الفقر والتهميش، إذ تشكل البطالة واليأس أرضية خصبة للانحراف.

ومع ذلك، فإن اختزال الجريمة في الفقر وحده تبسيط مخلّ. فكم من جرائم تقف وراءها شبكات منظمة يستفيد منها أصحاب نفوذ ومال، ما يؤكد أن الظاهرة عابرة للطبقات الاجتماعية، وأن مواجهتها تستدعي عدالة شاملة لا تميّز بين غني وفقير.

الوقاية الأمنية والتكنولوجيا أدوات العصر الغائبة

في مستوى الوقاية الأمنية المباشرة، لا ينبغي انتظار وقوع الجريمة لتعزيز التواجد الأمني في الطرقات والساحات ومحيط المؤسسات التربوية. فالحضور الوقائي المنتظم، المبني على قراءة استباقية للمخاطر، قادر على إحباط كثير من الجرائم قبل حدوثها.

كما يطرح بإلحاح ملف استخدام التكنولوجيا في مراقبة الجريمة. فالكاميرات المثبتة في واجهات بعض المحلات التجارية أثبتت نجاعتها في كشف ملابسات عديد القضايا، وساهمت في تحديد هويات الجناة. لذلك يبدو من المشروع التفكير في تعميم منظومات المراقبة في الفضاءات العامة، ضمن إطار قانوني يحمي المعطيات الشخصية ويمنع سوء الاستعمال.

إن اعتماد التكنولوجيا لا يعني استبدال العنصر البشري، بل دعمه بأدوات حديثة ترفع من نجاعته وتختصر الزمن في كشف الجرائم وفكّ ألغازها.

الثقافة والإعلام خط الدفاع الأول

لا تكتمل منظومة الوقاية دون بعد ثقافي وإعلامي فاعل. فمواجهة الجريمة ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل هي مسؤولية جماعية. إن نشر ثقافة التسامح ونبذ العنف، وتكريس قيم الحوار واحترام القانون، يجب أن يكون في صدارة اهتمامات المؤسسات التربوية والدينية والإعلامية.

فالخطاب الإعلامي، سواء كان مكتوبا أو سمعيا أو بصريا أو رقميا، قادر على التأثير في السلوكيات والاتجاهات. وعندما يتحول العنف إلى مادة للفرجة أو الإثارة دون معالجة عميقة، فإنه قد يسهم، من حيث لا يدري، في تطبيع الظاهرة. لذلك فإن المعالجة الرصينة، القائمة على التوعية والتحليل، تمثل جزءا لا يتجزأ من استراتيجية الوقاية.

تكامل الردع والوقاية الطريق إلى مجتمع آمن

إن بناء مجتمع آمن متماسك لا يتحقق بالضجيج ولا بالشعارات، كما لا يتحقق بالعقوبات وحدها أو بالتوعية وحدها. فالجريمة ظاهرة معقدة تتشابك فيها عوامل عدة، ولا يمكن تفكيكها إلا برؤية شاملة تجمع بين الحزم والإصلاح.

تكامل الردع والوقاية يتيح تقليص التكاليف المادية والبشرية للجريمة، ومعالجة جذورها بدل الاكتفاء بملاحقة نتائجها. وعندما تلتقي صرامة القانون بعدالة تطبيقه، مع سياسات اجتماعية واقتصادية وثقافية رشيدة، يصبح الأمن خيارا مجتمعيا لا مجرد إجراء ظرفي.

إنها معركة طويلة النفس، عنوانها المسؤولية المشتركة بين الدولة ومؤسساتها والمجتمع بكل مكوناته. وعندها فقط يمكن أن نؤسس لواقع جديد، يشعر فيه المواطن بأن أمنه ليس امتيازا عابرا، بل حقا مكفولا في ظل دولة قوية عادلة.

إعداد: مفيدة مرابطي

Related posts

الابقاء على الصحفي صابر العياري بحالة سراح بعد الإستماع له

Na Da

الستاغ تؤكد اتخاذ الاجراءات القانونية تبعا لإحالة بعض موظفيها على القضاء

Moufida Ayari

إجراء تجربة نموذجية لاستغلال الانترنت عبر الأقمار الاصطناعية بتونس

Ichrak Ben Hamouda

Leave a Comment