21.1 C
تونس
17 مارس، 2026
الصفحة الأولى رأي

الافتتاحية / رسالة الى الاولياء…المشكل ليس في العدد

كلما صدرت نتائج الامتحانات الثلاثية في المدارس الابتدائية يتكرر المشهد نفسه تقريبا داخل كثير من البيوت، ينظر الاولياء مباشرة الى العدد المسجل في اعلى الورقة، ثم تبدأ المقارنات والاسئلة السريعة والاحكام الجاهزة. لماذا انخفض العدد؟ لماذا لم يتحصل الطفل على نتيجة افضل؟ لماذا تفوق زميله عليه؟ وهكذا يتحول الامتحان من لحظة تقييم تربوي الى لحظة قلق عائلي تختزل كل مسار التعلم في رقم صغير مكتوب بالحبر الاحمر.

وتكشف هذه الطريقة في التعامل مع نتائج التلاميذ في الحقيقة عن سوء فهم شائع لوظيفة التقييم في المدرسة، فالعدد في حد ذاته ليس الهدف الحقيقي من الامتحان، بل هو مجرد مؤشر صغير داخل منظومة تربوية اوسع بكثير، ومع ذلك ما زال جزء كبير من الاولياء ينظرون الى الامتحانات الثلاثية باعتبارها محطة فاصلة تشبه الاختبار النهائي الذي يحدد النجاح او الرسوب، في حين ان الفلسفة التربوية التي تقوم عليها هذه الامتحانات مختلفة تماما.

ان المنظومة التعليمية في المرحلة الابتدائية تعتمد ما يعرف بالتقييم المرحلي، اي متابعة مسار التعلم خطوة خطوة عبر عدة محطات خلال السنة الدراسية، ولهذا السبب توجد ثلاث فترات تقييم رئيسية، اضافة الى اختبارات شفوية تتخللها بين الحين والاخر. والغاية من ذلك ليست اثقال الطفل بالاختبارات ولا خلق حالة توتر دائم، بل متابعة الصعوبات التي قد تعترضه وهو يتعلم حتى يقع تداركها في الوقت المناسب.

هذه الفكرة التربوية الايجابية كثيرا ما تضيع وسط التركيز المبالغ فيه على الارقام، فحين تعود ورقة الامتحان الى البيت لا ينظر كثير من الاولياء الى الاخطاء التي ارتكبها الطفل ولا الى نوعية الصعوبات التي ظهرت في اجاباته، بل ينصب الاهتمام بالكامل على العدد النهائي، وهنا تضيع الفائدة الحقيقية من التقييم.

ومن الوارد ان يتحصل الطفل على عدد متوسط لكنه يرتكب خطأ واحدا متكررا في فهم قاعدة معينة او في طريقة حل تمرين ماو هذا الخطأ الصغير قد يكون في الحقيقة مفتاحا لفهم الصعوبة التي تعترض طريقه في التعلم. ولو تم الانتباه اليه مبكرا لكان من السهل معالجته قبل ان يتحول الى عائق حقيقي في السنوات اللاحقة، لكن حين يتم تجاهل طبيعة الخطأ والتركيز فقط على العدد فان المشكلة الحقيقية تبقى قائمة.

الامتحان الثلاثي في جوهره ليس محطة للحكم النهائي على مستوى التلميذ، بل هو اشبه بمرآة تعكس مسار تعلمه خلال فترة معينة. والمرآة لا تستعمل للحكم بل للفهم. حين ننظر الى نتائج التلميذ يفترض ان يكون السؤال الاول هو ماذا لم يفهم بعد؟ واين تكمن الصعوبة؟ وكيف يمكن مساعدته على تجاوزها؟ لكن ما يحدث في الواقع غالبا هو العكس تماما، اذ يتحول السؤال الى كم كان العدد؟ ولماذا لم يكن اعلى؟

ويجعل هذا التحول في زاوية النظر التقييم يفقد معناه التربوي ويصبح مجرد سباق ارقام. والاخطر من ذلك انه يزرع لدى الطفل فكرة ان قيمته الدراسية تقاس فقط بعدد معين، في حين ان التعلم عملية اعمق بكثير من مجرد الحصول على رقم مرتفع في اختبار.

ان الطفل في سنواته الدراسية الاولى لا يزال يكتشف العالم من حوله ويتعلم طرق التفكير والفهم. وفي هذه المرحلة تكون الاخطاء جزءا طبيعيا من عملية التعلم. بل يمكن القول ان الخطأ هو في حد ذاته اداة تعليمية مهمة، لانه يكشف للمعلم وللولي وللتلميذ نفسه النقاط التي تحتاج الى مزيد من الفهم والتدريب.

و حين يتحول الخطأ الى مصدر قلق او توبيخ فان الطفل قد يخشى التجربة والمحاولة، ويفضل احيانا الاجابة السريعة على حساب الفهم الحقيقي. وهنا يصبح التقييم عبئا نفسيا بدلا من ان يكون وسيلة مساعدة على التعلم.

ولهذا السبب تقوم فلسفة التقييم المرحلي على فكرة بسيطة لكنها عميقة في الوقت نفسه، وهي ان التعلم مسار طويل يتخلله التقدم والتعثر معا. والامتحانات ليست الا محطات لقياس هذا المسار وتعديل اتجاهه اذا لزم الامر. فاذا ظهرت صعوبة معينة في الثلاثي الاول يمكن معالجتها قبل الوصول الى الثلاثي الثاني، واذا استمرت بعض الاخطاء يمكن العمل على تجاوزها قبل نهاية السنة الدراسية.

وبهذه الطريقة يصبح التقييم اداة لتنظيم التعلم وليس عقبة امامه. لكن هذا الهدف لا يتحقق الا اذا تعامل الجميع مع الامتحان بالطريقة الصحيحة، بدءا من المعلم وصولا الى الولي داخل البيت.

وعديدة هي الحالات التي يكتشف الولي ان المشكلة ليست في قدرة الطفل على التعلم بل في تفاصيل صغيرة مثل التسرع في الاجابة او عدم الانتباه الى صيغة السؤال. ومع قليل من التدريب يمكن تجاوز مثل هذه الصعوبات بسهولة.

كما ان العطل المدرسية التي تفصل بين الثلاثيات تمثل فرصة ثمينة لمعالجة هذه النقاط بهدوء دون ضغط. فبدل ان تتحول العطلة الى فترة توتر بسبب النتائج يمكن استغلالها لوضع خطة بسيطة للمراجعة والتدارك. خطة هادئة تقوم على فهم الخطأ ثم التدرب على تجاوزه خطوة خطوة.

فالنجاح الدراسي لا يبنى في يوم واحد ولا يقاس بورقة امتحان واحدة. هو مسار طويل يتقدم فيه الطفل تدريجيا مع كل تجربة تعلم جديدة. وما يبدو اليوم خطأ صغيرا يمكن ان يتحول غدا الى نقطة قوة اذا تم فهمه ومعالجته في الوقت المناسب.

لهذا ربما يكون السؤال الاكثر فائدة بعد كل امتحان ليس لماذا نزل العدد، بل لماذا حدث الخطأ. فالفرق بين السؤالين كبير. الاول يقود الى المقارنة والقلق وربما الاحباط، اما الثاني فيفتح باب الفهم والعلاج والتقدم.

Related posts

اليوم مناقشة الفصول الاضافية و التصويت على احكام الميزانية

صابر الحرشاني

اليوم احياء عيد الثورة

صابر الحرشاني

دعوا الى تفكيك وحدات المجمع الكيميائي: فنّانون يساندون اهالي قابس

صابر الحرشاني

Leave a Comment