5 أبريل، 2026
وطنية

تونس على درب العدالة الصحية: إصلاحات عميقة وطموحات متجددة



                    






تضع تونس ملف الصحة في صدارة أولوياتها الوطنية، باعتباره أحد الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور لكل المواطنين. وفي هذا الإطار، تتجه الدولة نحو إرساء منظومة صحية عادلة وشاملة تقوم على مبدأ تكافؤ الفرص في النفاذ إلى الخدمات العلاجية، بغض النظر عن الموقع الجغرافي أو الوضع الاجتماعي. وتأتي هذه التوجهات في سياق إصلاحات هيكلية واسعة تشمل تحديث المؤسسات الاستشفائية، وتحسين توزيع الموارد البشرية من أطباء واختصاصيين، إضافة إلى إدماج الرقمنة كأداة أساسية لتطوير الأداء وتحسين جودة الخدمات.

إرادة سياسية داعمة للإصلاح الصحي
تعكس التصريحات الأخيرة لرئيس الجمهورية قيس سعيّد التزامًا واضحًا بدفع مسار الإصلاح الصحي، حيث شدد خلال اجتماع جمعه برئيسة الحكومة ووزيري الصحة والشؤون الاجتماعية على ضرورة تحقيق العدالة الصحية في أقرب الآجال. وأكد على أهمية توفير الاعتمادات المالية اللازمة للصيدلية المركزية، بما يمكنها من استعادة نسقها الطبيعي في تزويد السوق الوطنية بالأدوية، مع العمل على تكوين مخزون استراتيجي يقي البلاد من أي نقص محتمل. كما دعا إلى تحسين جودة الخدمات الصحية، بما يضمن كرامة المواطن ويعزز ثقته في المرفق العمومي.

تقليص الفوارق الجهوية أولوية ملحة
تُعد الفوارق الجهوية من أبرز الإشكاليات التي تعاني منها المنظومة الصحية في تونس، حيث تتركز الخدمات الطبية المتقدمة في المدن الكبرى، مقابل نقص واضح في المناطق الداخلية. ولتدارك هذا الوضع، عملت وزارة الصحة على اتخاذ إجراءات عملية تهدف إلى تقريب الخدمات من المواطنين، عبر دعم المستشفيات الجهوية بالمعدات والتجهيزات الضرورية، وتوفير اختصاصات طبية دقيقة مثل جراحة العظام وزرع الأعضاء وعلاج الأورام. كما تم العمل على تحفيز الإطارات الطبية للعمل في الجهات الداخلية، في محاولة لتحقيق توزيع أكثر عدالة للموارد البشرية.

تطوير الخدمات الطبية المتخصصة
لم يعد تطوير الخدمات الصحية يقتصر على توفير الرعاية الأساسية، بل أصبح يشمل أيضًا تعزيز القدرات الوطنية في المجالات الطبية الدقيقة. وفي هذا السياق، تعمل تونس على تطوير خدمات زرع الأعضاء وعلاج السرطانات، بما يحدّ من لجوء المرضى إلى العلاج بالخارج، ويخفف من الأعباء المالية على الدولة والأسر. كما يتم الاستثمار في التكوين المستمر للأطباء والإطارات شبه الطبية، لضمان مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية في المجال الصحي.

إصلاح منظومة الأدوية: بين التحديات والحلول


تواجه منظومة الأدوية في تونس تحديات كبيرة، خاصة فيما يتعلق بتوفر بعض الأدوية الحيوية، نتيجة الصعوبات المالية التي تعاني منها الصيدلية المركزية. ولمعالجة هذه الإشكالية، أقرت الدولة جملة من الإصلاحات، من بينها تخصيص موارد إضافية في قانون المالية لسنة 2026، بهدف دعم الصيدلية المركزية وتعزيز قدرتها على تلبية حاجيات السوق. كما تم التركيز على توفير الأدوية الخصوصية، خاصة تلك المتعلقة بعلاج الأمراض المزمنة والخطيرة مثل السرطان وزرع الأعضاء.

إجراءات عاجلة لتحسين التزويد بالأدوية


في إطار التدخلات الظرفية، أعلنت وزارة الصحة عن ضخ تمويلات مباشرة من وزارة المالية لفائدة الصيدلية المركزية، إلى جانب العمل على انتظام التحويلات المالية من الصندوق الوطني للتأمين على المرض. وتهدف هذه الخطوات إلى تسوية الديون المتخلدة بذمة الصيدلية تجاه المزودين، مما سيمكن من استعادة نسق التزويد الطبيعي بالأدوية. كما تم إقرار إجراء هيكلي ضمن قانون المالية لسنة 2026 يهدف إلى تخصيص موارد إضافية لاقتناء الأدوية الخصوصية، وهو ما يعكس توجهًا استراتيجيًا لضمان الأمن الدوائي.

نحو مخزون استراتيجي للأدوية


من بين أبرز محاور الإصلاح، العمل على تكوين مخزون استراتيجي من الأدوية الأساسية، بما يضمن استمرارية التزويد في مختلف الظروف، خاصة في حالات الأزمات. ويُعد هذا التوجه جزءًا من رؤية أوسع لتعزيز السيادة الصحية، وتقليص التبعية للأسواق الخارجية. كما يتم العمل على تحسين إدارة المخزون عبر اعتماد تقنيات حديثة تتيح التنبؤ بالحاجيات وضبط الكميات المطلوبة بدقة.

الرقمنة: رافعة أساسية للإصلاح


تحتل الرقمنة مكانة محورية في مسار إصلاح القطاع الصحي، حيث تم اعتماد أنظمة معلوماتية متطورة لإدارة توزيع الأدوية وترشيد استهلاكها. ويجري حاليًا العمل على إطلاق منظومة “إي فارماسي”، التي ستوفر بيانات دقيقة حول معدلات الاستهلاك، وتمكن من تحسين حوكمة التصرف في الأدوية داخل المؤسسات الصحية. كما تساهم الرقمنة في تسهيل الإجراءات الإدارية، وتقليص آجال الانتظار، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

دعم الجهات الصحية بموارد إضافية


في إطار تعزيز العدالة الصحية، تم تخصيص ميزانية إضافية سنوية تُقدّر بـ15 مليون دينار لفائدة الجهات الصحية، بهدف دعم توفر الأدوية الأساسية وتحسين توزيعها. ويُنتظر أن تساهم هذه الاعتمادات في التخفيف من الضغط الذي تشهده بعض المؤسسات الصحية، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية أو التي تعاني من نقص في الموارد.

استدامة التمويل: تحدٍ رئيسي


رغم الجهود المبذولة، تظل مسألة تمويل المنظومة الصحية من أبرز التحديات التي تواجه الدولة، في ظل العجز الذي تعاني منه الصناديق الاجتماعية وارتفاع كلفة الخدمات الصحية. ولضمان استدامة الإصلاحات، تعمل الحكومة على إرساء حلول هيكلية تضمن تمويلًا مستقرًا للصيدلية المركزية، وتحسين استخلاص المساهمات الاجتماعية، إلى جانب البحث عن مصادر تمويل جديدة.

تعزيز الثقة في القطاع العمومي


يمثل تحسين جودة الخدمات الصحية عاملًا أساسيًا في استعادة ثقة المواطن في المرفق العمومي، خاصة في ظل توجه عدد متزايد من المواطنين نحو القطاع الخاص. ولذلك، تركز الإصلاحات الحالية على تحسين ظروف الاستقبال، وتوفير الأدوية، وتقليص آجال الانتظار، بما يعزز صورة المؤسسات الصحية العمومية ويجعلها الخيار الأول للمواطن.

نحو منظومة صحية متكاملة


تطمح تونس إلى بناء منظومة صحية متكاملة تقوم على العدالة والنجاعة والاستدامة، وتستجيب لتطلعات المواطنين في الحصول على خدمات صحية ذات جودة عالية. ويتطلب تحقيق هذا الهدف مواصلة الإصلاحات، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، والاستثمار في الموارد البشرية والتكنولوجيا.

مسار مستمر نحو العدالة الصحية


في الختام، تمثل الإصلاحات التي تنفذها تونس في القطاع الصحي خطوة مهمة نحو تحقيق العدالة الصحية وضمان الحق في العلاج للجميع. ورغم التحديات، فإن الإرادة السياسية والإجراءات العملية المتخذة تعكس تصميمًا على إحداث تغيير حقيقي في هذا القطاع الحيوي. وبين الواقع والطموح، يبقى الأمل قائمًا في أن تثمر هذه الجهود منظومة صحية أكثر إنصافًا وكفاءة، تضع صحة المواطن في قلب السياسات العمومية، وتكرّس مبدأ الصحة كحق لا امتياز.

إعداد: مفيدة مرابطي

Related posts

إحالة أعوان ديوانة على القضاء من أجل ارتكاب تجاوزات خطيرة

Moufida Ayari

الشبيكة تسجل أعلى نسبة: كميات الأمطار المسجلة اليوم الماضي

Na Da

كاتب الدولة لدى وزير الخارجية يجتمع بممثلي المؤسسات المالية ووكالات التعاون للتنمية المنتصبة بتونس

Ichrak Ben Hamouda

Leave a Comment