6 أبريل، 2026
الصفحة الأولى سياسة وطنية

بناء على مبادرة تشريعية تقدم بها نواب…الامن القومي التربوي بين منطق السيادة و رهانات التطبيق

صابر الحرشاني

في لحظة وطنية تتقاطع فيها المخاوف الاجتماعية مع رهانات الاصلاح، يطرح مقترح قانون الامن القومي التربوي سؤالا جوهريا حول موقع المدرسة داخل معادلة السيادة، وسط استفسارات حول امكانية ان تتحول المؤسسة التعليمية الى مرفق سيادي خاضع لعقيدة امنية خاصة .

تحويل المدرسة الى فضاء سيادي

ويبدو ان المقترح الذي تم تقديمه مؤخرا في البرلمان يؤسس لتحول نوعي في النظرة الى الحرم التربوي. فالتصنيف المقترح يعتبر كل مؤسسة تعليمية عمومية او خاصة، بمحيط لا يقل عن 500 متر وبامتداد رقمي، مرفقا سياديا حيويا ذا اولوية قصوى ضمن منظومة الامن القومي الشامل. هذا التحول في التعريف يرفع المدرسة من خانة المرفق العمومي الى مرتبة المجال السيادي.

و سياسيا، يعكس هذا الطرح اتجاها نحو توسيع مفهوم السيادة ليشمل حماية الناشئة باعتبارهم الثروة البشرية للدولة. فاذا كانت السيادة تقاس تقليديا بقدرة الدولة على حماية الحدود والثروات وضمان الاستقرار، فان المقترح يضيف بعدا بشريا ومعرفيا، يجعل من حماية التلميذ ركيزة من ركائز استمرارية الدولة. هنا تتقاطع الفلسفة التشريعية مع تصور اشمل للامن، يدمج الاجتماعي والتربوي في صلب العقيدة الوطنية.

غير ان تصنيف الحرم التربوي منطقة حماية سيادية صارمة ودائمة يثير تساؤلات عملية. فالمدرسة فضاء مفتوح بطبيعته، يتفاعل مع محيطه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. تحويل هذا الفضاء الى منطقة ذات طابع سيادي قد يفرض اجراءات امنية مكثفة، من مراقبة دائمة الى حضور امني موسع، بما قد يغير مناخ المؤسسة التعليمية.

وفي التجارب المقارنة، نجد ان دولا مثل فرنسا و الولايات المتحدة اعتمدت خططا لتعزيز امن المدارس بعد تصاعد حوادث العنف، لكنها لم تذهب الى حد تصنيفها مجالا سياديا مستقلا. الفارق هنا ان المقترح يقيم بناء تشريعيا قائما بذاته، يعلو على النصوص ذات الصلة عند التعارض، ويؤسس لعقيدة خاصة في الامن القومي التربوي.

ويفتح هذا التحول نقاشا حول حدود المقاربة السيادية. هل يفضي توسيع مفهوم الامن القومي الى تعزيز فعالية الدولة في حماية القصر، ام الى تغليب البعد الردعي على حساب المقاربات البيداغوجية والاجتماعية التي تتطلبها البيئة المدرسية

تجريم موسع و عقوبات قصوى بين الردع و التناسب

ويضع الباب الثاني من المقترح قائمة جرائم تعد تهديدا مباشرا للامن القومي التربوي اذا ارتكبت داخل الحرم التربوي او بمحيطه او عبر الفضاء الرقمي. وتشمل ترويج المخدرات للقصر، الاعتداءات الجنسية، الاستدراج الرقمي، الابتزاز، تجنيد القصر، ادخال اسلحة بيضاء، وتكوين شبكات اجرامية تستهدف الوسط المدرسي.

ومن حيث المبدأ، يعكس هذا التوسيع ادراكا لكون التهديدات لم تعد محصورة في الجدران الفيزيائية للمؤسسة، بل امتدت الى الفضاء الرقمي. فالمدرسة اليوم متداخلة مع منصات التواصل، والجرائم يمكن ان تنطلق من شاشة هاتف لتصل الى ساحة المعهد. ادراج الفضاء الرقمي ضمن الحرم التربوي يعكس وعيا بطبيعة المخاطر المستجدة.

وتذهب العقوبات المقترحة الى اقصى مدى في بعض الحالات، حيث ينص الفصل الرابع على السجن المؤبد لكل من يثبت تعمده ترويج المخدرات للقصر داخل الحرم التربوي ضمن شبكة منظمة، وكذلك المؤبد لكل اعتداء جنسي ضد قاصر داخل الحرم. كما تتراوح بقية العقوبات بين 20 و 30 سنة سجنا في حال استهداف قاصر او ارتكاب الفعل داخل الحرم او محيطه.

ويحمل هذا التشديد رسالة ردع قوية، مفادها ان المدرسة خط احمر. كما يدعم ذلك منع سقوط الجرائم بالتقادم، وحظر ظروف التخفيف الالية او السراح الشرطي، وتحجير الصلح او اسقاط الدعوى، اضافة الى المصادرة الوجوبية للاموال والممتلكات.

غير ان النقاش القانوني قد يتركز حول مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة. فهل يكفي عنصر المكان، اي وقوع الفعل داخل الحرم او محيطه، لتشديد العقوبة الى هذا الحد حتى في حالات قد تختلف في جسامتها وسياقها كما ان منع ظروف التخفيف الالية والسراح الشرطي يطرح مسالة ملاءمة النص مع المبادئ العامة للسياسة الجزائية.

في المقابل، يرى انصار التشديد ان الجرائم المرتكبة ضد القصر في فضاء يفترض فيه الحماية تكتسب خطورة مضاعفة، لانها تهدد الثقة في المؤسسة التربوية وتضرب الاساس القيمي للمجتمع. وعليه، فان الردع الصارم يصبح جزءا من استراتيجية حماية جماعية.

ويبقى التحدي في كيفية تحقيق التوازن بين صرامة الردع وضمانات المحاكمة العادلة، وبين الحزم في مواجهة الشبكات الاجرامية وعدم الانزلاق نحو مقاربة عقابية شاملة قد تطال حالات فردية بصرامة موحدة.

من الامن الوقائي الى التحصين الشامل

ولا يقتصر المقترح على الجانب الزجري، بل يقترح في بابه الثالث والرابع ارساء هندسة مؤسساتية خاصة. اذ ينص على احداث ادارة عامة للامن القومي التربوي ضمن وزارة الداخلية، وتركيز منظومة مراقبة دائمة بمحيط المؤسسات وفق القانون، مع ضمان رقابة قضائية مسبقة على الاجراءات الاستثنائية.

كما يقترح احداث دوائر قضائية مختصة في الجرائم المهددة للامن القومي التربوي لضمان سرعة البت فيها، والزام الحكومة بوضع خطة وطنية سنوية للتحصين التربوي تشمل دعما نفسيا داخل المؤسسات، وبرامج وقاية رقمية، وخططا وطنية لمكافحة المخدرات.

وتجمع هذه المقاربة المركبة بين الردع والوقاية. فالدعم النفسي داخل المدارس يعترف بان جزءا من العنف والانحراف يرتبط بهشاشة اجتماعية او اضطرابات نفسية لدى القصر. وبرامج الوقاية الرقمية تعكس وعيا بخطورة الفضاء الافتراضي.

غير ان احداث ادارة عامة جديدة يطرح اسئلة حول التنسيق مع وزارة التربية وبقية الهياكل. هل سيتم توزيع الاختصاصات بوضوح ام ستنشا ازدواجية في القرار بين المقاربة التربوية والمقاربة الامنية كما ان تركيز منظومة مراقبة دائمة بمحيط المؤسسات قد يثير مخاوف تتعلق بالخصوصية والحقوق الفردية اذا لم تضبط بضوابط دقيقة.

وتمثل العلوية التي يمنحها المقترح لاحكامه، باعتبارها من النظام العام السيادي وتعلو وجوبا على كل النصوص ذات الصلة عند التعارض، بدورها نقطة محورية. فهي تجعل من هذا القانون اطارا مرجعيا اعلى، ما قد يؤثر على توازن المنظومة التشريعية، خاصة في ما يتعلق بقانون حماية المعطيات الشخصية او الاجراءات الجزائية.

و يبقى نجاح هذا التوجه رهينا بعدة عوامل. اولها القدرة على توفير الموارد البشرية والمالية اللازمة دون ارهاق الميزانية. ثانيها بناء ثقة بين المؤسسة الامنية والمجتمع التربوي حتى لا تتحول الاجراءات الى عنصر توتر. ثالثها ادماج الاولياء والمجتمع المدني في خطة التحصين حتى لا تبقى المدرسة وحدها في مواجهة ظواهر معقدة جذورها اجتماعية واقتصادية.

Related posts

انطلاق موسم التخفيضات الشتوية: الإقبال على المحلات التجارية شبه منعدما

yosra Hattab

رئيس الجمهورية يشارك في الجلسة الافتتاحية لقمة قادة الولايات المتحدة الاميركية وافريقيا

yosra Hattab

اليوم: انخفاض في درجات الحرارة مع أمطار متفرَقة

Ichrak Ben Hamouda

Leave a Comment