8 أبريل، 2026
الصفحة الأولى دولي

التوتر بين أفغانستان وباكستان… صراع غير محسوب العواقب يربك جنوب آسيا

تتمثل أخطر بؤر التوتر في جنوب آسيا اليوم ليس بين الخصمين النوويين الهند وباكستان بل إلى الغرب، على طول الحدود الفاصلة بين أفغانستان وباكستان، فالصراع الكامن بين هذين الجارين بات يهدد بالانفجار بما يحمله ذلك من تداعيات خطيرة على المنطقة بأسرها. فعلى مدى ما يقرب من عشرين عامًا عانت باكستان من هجمات متكررة نفذها مسلحون تابعون لحركة طالبان باكستان (TTP) وهي جماعة متشددة تسعى إلى إسقاط الحكومة الباكستانية وتحويل البلاد إلى إمارة إسلامية، وتتهم إسلام آباد نظام طالبان في أفغانستان بإيواء مقاتلي الحركة والسماح لهم بتنفيذ هجماتهم انطلاقًا من الأراضي الأفغانية، ومنذ عودة طالبان إلى السلطة في كابول عام 2021 شهدت باكستان تصاعدًا ملحوظًا في أعمال العنف الإرهابي غالبًا ما استهدفت القوات الأمنية قرب المناطق الحدودية.

ووفقًا لمعهد باكستان لدراسات النزاع والأمن سجلت باكستان في عام 2025 أكثر أعوامها دموية خلال العقد الأخير حيث كان معظم العنف ناتجًا عن نشاط جماعات إرهابية وفي مقدمتها حركة طالبان باكستان، بدوره أحصى معهد باكستان لدراسات السلام 699 هجومًا ارهابيًا في عام 2025 بزيادة قدرها 34 في المئة مقارنة بعام 2024 أسفرت عن مقتل 1034 شخصًا أي بارتفاع نسبته 21 في المئة عن العام السابق، أما “عمر ميديا” الذراع الإعلامية الرسمية لحركة طالبان باكستان فقد زعمت أن الحركة نفذت 3573 هجومًا وأودت بحياة 3481 شخصًا خلال العام ذاته. وعلى الأرجح فإن هذه الأرقام مبالغ فيها غير أن الاتجاه العام التصاعدي في وتيرة الهجمات يظل مثيرًا لقلق بالغ، لا سيما في ظل امتلاك الحركة أسلحة متزايدة التطور بما في ذلك الطائرات المسيّرة، وليس مستبعدًا أن تواجه باكستان في المستقبل القريب هجمات أشد فتكًا وتدميرًا.

وفي شهر اكتوبر الماضي نفذت باكستان غارات جوية استهدفت قافلة إرهابية في كابول كما ضربت مواقع تابعة لحركة طالبان باكستان في إقليم بكتيكا الأفغاني، وقد أدت هذه الهجمات إلى ردود انتقامية من جانب طالبان شملت استهداف مواقع حدودية باكستانية ما دفع إسلام آباد إلى شن جولة جديدة من الضربات داخل الأراضي الأفغانية، ولم تفلح المحادثات التي توسطت فيها قطر وتركيا في انتزاع التزام رسمي من طالبان بكبح جماح حركة طالبان باكستان وإن نجحت في التوصل إلى وقف إطلاق نار مؤقت، أما الجولة الأحدث من المفاوضات التي رعتها السعودية في أواخر تشرين الثاني فلم تحقق تقدمًا يُذكر، وبعد أيام قليلة تبادلت القوات الباكستانية وقوات طالبان إطلاق النار ما أسفر عن مقتل خمسة مدنيين أفغان وإصابة عدد آخر من المدنيين على جانبي الحدود.

وخلال الأسابيع الأخيرة صعّد كل من طالبان والجيش الباكستاني من حدة الخطاب المتبادل ففي أوائل شهر ديسمبر الماضي اتهم المتحدث الرسمي باسم طالبان ذبيح الله مجاهد باكستان بالعمل مع قوى خارجية من بينها الولايات المتحدة لزعزعة استقرار أفغانستان محذرًا من أن باكستان يجب ألا تراودها أحلام الهيمنة على أفغانستان، وبعد أيام شن المتحدث باسم الجيش الباكستاني أحمد شريف تشودري هجومًا لاذعًا على طالبان خلال مؤتمر صحفي مطول معلنًا أن جميع التنظيمات الإرهـابية بما فيها تنظيم (د1عش) وتنظيم القاعدة وجماعات مسلحة إقليمية أخرى لها أب واحد هو طالبان الأفغانية، ومن المفارقات أن باكستان نفسها كانت قد رعت طالبان منذ نشأتها في تسعينيات القرن الماضي وحتى نهاية الحرب التي قادتها الولايات المتحدة في أفغانستان عام 2021.

وفي الأيام الأخيرة برزت مؤشرات تفيد بأن باكستان قد تكون بصدد التخطيط لعملية عسكرية في وادي تيراه أحد المعاقل الرئيسية لحركة طالبان باكستان في شمال غرب البلاد قرب الحدود مع أفغانستان حيث أُجبر آلاف السكان على النزوح من المنطقة، وقد نفى وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف أن تكون حملة عسكرية وشيكة لكنه أقرّ في الوقت نفسه بوجود مئات من مقاتلي الحركة في تيراه، مشيرًا إلى أن المنطقة قد تشهد عمليات عسكرية مستقبلية.

ومع رفض طالبان الاستجابة للمطالب الباكستانية بكبح حركة طالبان باكستان وإصرار إسلام آباد على القضاء على هذه الجماعة يبدو أن هذا الصراع مرشح لمزيد من التصعيد، كما أثبت مقاومة واضحة لمحاولات الوساطة الخارجية، وإذا ما انزلقت أفغانستان وباكستان فعلًا إلى مواجهة مفتوحة فإن تداعياتها قد لا تقتصر على زعزعة استقرار البلدين فحسب بل قد تمتد لتشمل تحفيز هجمات تستهدف الأميركيين ومصالحهم في جنوب آسيا وإحداث فوضى إقليمية أوسع وربما حتى إشعال جولة جديدة من الصراع بين الهند وباكستان.

حان وقت الاختيار

لا تملك لا حركة طالبان ولا باكستان حوافز حقيقية للتهدئة وهو ما يرفع بشكل ملموس مخاطر الانزلاق إلى مواجهة شاملة، فطالبان ترتبط بعلاقات وثيقة مع حركة طالبان باكستان (TTP) وهي لا تميل تاريخيًا إلى الانقلاب على حلفائها من الجماعات المسلحة، فبعد هجمات 11 أيلول رفضت طالبان تسليم تنظيم القاعدة رغم تهديدها بغزو عسكري أميركي وشيك، ويعود هذا الموقف جزئيًا إلى حرص الحركة على الحفاظ على تماسكها الداخلي بين فصائلها المتعددة. فإذا ما أقدمت طالبان على طرد عناصر حركة طالبان باكستان أو استخدام القوة ضدهم فإنها تخاطر بإشعال تمردات داخلية في صفوفها وبكشف التصدعات الكامنة بين القيادة السياسية الأكثر براغماتية في كابول والقيادة العليا التي يهيمن عليها رجال دين متشددون يتمركزون في مدينة قندهار جنوب البلاد، كما تخشى طالبان أن يؤدي التخلي عن حركة طالبان باكستان إلى دفعها نحو التحالف مع تنظيم (د1عش- ولاية خراسان  ISIS-K) الفرع الأكثر شراسة لتنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان والعدو المعلن لطالبان، وحتى الآن حافظت الحركة على جبهة موحدة في الدفاع عن حركة طالبان باكستان.

وإلى جانب ذلك تمتلك طالبان دوافع سياسية داخلية تدفعها إلى تجاهل مطالب إسلام آباد فبالنظر إلى أن قطاعًا واسعًا من الرأي العام الأفغاني لا ينظر بعين الرضا إلى باكستان- بسبب دورها السابق والمفارقة هنا واضحة، في رعاية وإيواء تمرد طالبان- فإن تحدي إسلام آباد يمنح الحركة قدرًا إضافيًا من الشرعية المحلية، وإذا ما أدى تصلب موقف طالبان إلى شنّ غارات جوية باكستانية إضافية فمن المرجح أن يلتف الأفغان حول السلطة القائمة بما يعزز دعمهم لنظام طالبان. في المقابل لا تبدو باكستان في وارد تقديم تنازلات فالجيش الباكستاني الذي تكبّد النصيب الأكبر من هجمات حركة طالبان باكستان يهيمن على رسم سياسة البلاد تجاه أفغانستان ويشعر بخيبة أمل عميقة تجاه طالبان، وقد انهارت جولات سابقة من المحادثات مع حركة طالبان باكستان بعدما طرحت الأخيرة مطالب اعتبرتها الدولة الباكستانية غير مقبولة من بينها فرض الشريعة الإسلامية على مستوى البلاد بأكملها، وسحب القوات الباكستانية من المناطق القريبة من الحدود وهو ما كان سيعني عمليًا التنازل عن أراضٍ لصالح الحركة. غير أن أكثر ما يثير قلق إسلام آباد هو التقارب المتزايد بين طالبان والهند، ففي تسعينيات القرن الماضي كانت نيودلهي معادية لطالبان ودعمت خصمهم الرئيس “التحالف الشمالي”، الذي وصل إلى السلطة في كابول عام 2001 بدعم من الغزو الأميركي لأفغانستان، وبعد ذلك استثمرت الهند في مشاريع بنية تحتية متعددة ووسّعت حضورها الدبلوماسي في البلاد الأمر الذي أثار استياءً بالغًا لدى باكستان.

وعندما عادت طالبان إلى السلطة عام 2021 بدا ذلك وكأنه إيذان بانتهاء النفوذ الهندي في أفغانستان غير أن هذه التوقعات سرعان ما تبددت، ففي تشرين الأول أمضى وزير خارجية طالبان أمير خان متقي أسبوعًا كاملًا في الهند حيث عقد سلسلة لقاءات رفيعة المستوى من بينها اجتماع مع نظيره الهندي سوبرامانيام جايشانكار، وعقب الزيارة أعلن متقي أن “مستقبل العلاقات بين الهند وأفغانستان يبدو مشرقًا للغاية” فيما أعادت الهند فتح سفارتها في كابول بشكل كامل للمرة الأولى منذ عام 2021. كما تشير المعطيات إلى عودة الزخم إلى العلاقات التجارية بين البلدين، ففي تشرين الثاني التقى وزير التجارة في حكومة طالبان حاجي نور الدين عزيزي مسؤولين حكوميين وقادة أعمال هنود في نيودلهي وجرى بحث فرص التعاون التجاري والاستثماري، وأعلن الجانبان إنشاء غرفة تجارة وصناعة مشتركة لتعزيز الشراكة الاقتصادية، وفي كانون الأول أصبح وزير الصحة في حكومة طالبان نور جلال جلالي ثالث مسؤول رفيع في الحركة يزور الهند خلال ثلاثة أشهر. وفي 8 كانون الأول وجّه قائد القوات المسلحة الباكستانية الجنرال عاصم منير وهو أقوى شخصية في البلاد تحذيرًا شديد اللهجة، حين قال في خطاب ألقاه أمام ضباط الجيش إن على طالبان أن تختار بين الحفاظ على علاقاتها مع باكستان أو الاستمرار في علاقتها مع حركة طالبان باكستان، وألمح منير بوضوح إلى أنه إذا ما اختارت طالبان الوقوف إلى جانب الحركة المسلحة فإن باكستان قد تلجأ إلى إجراءات عقابية أشد ضد نظام طالبان.

Related posts

غدا مناقشة قرض موجه لتعصير ديوان الحماية المدنية

صابر الحرشاني

شرط إسرائيل من أجل الهدنة

Walid Walid

مناورة نتنياهو المخادعة في الاتفاق الشامل: مساع عربية لارغام المقاومة الفلسطينية على الاستسلام

khairi

Leave a Comment