29 أغسطس، 2025
وطنية

العنف…كرة نار تتدحرج

شهدت البلاد في الآونة الأخيرة موجة صادمة من العنف توزعت بين الأسرة والشارع والمدرسة وحتى الفضاء الرقمي.

صور بشعة طغت على المشهد، شاب يقتل والده ويقطع رأسه، شباب يخربون محطة للقطار فجرا، وتونسيون ينغمسون يوميا في سيل جارف من الشتائم والتهديدات عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

و تؤكد الأرقام الرسمية فظاعة الظاهرة و تحصي ستون ألف قضية أسرية في سنة واحدة، وآلاف المحاضر المتعلقة بالعنف في الوسط العائلي، وثمانية من عشرة أطفال يتعرضون لأشكال من العنف داخل أسرهم، وأربعة وعشرون ألف حالة عنف في المؤسسات التعليمية في عام واحد ، وأربعون في المئة من جرائم العنف تُرتكب في الشارع.

أما في العالم الافتراضي، فالنسبة تتجاوز الخمسين بالمئة من النساء اللواتي يتعرضن للعنف الرقمي، وغالبية الاعتداءات تقع عبر منصة فيسبوك التي يستخدمها أكثر من سبعة ملايين تونسي ما يجعل من العنف بنية متغلغلة في تفاصيل الحياة اليومية.

كما يتنامى التحريض على العنف والكراهية عبر مواقع التواصل الاجتماعي وذلك على حساب دور العائلة والمدرسة ويعد الفقر ومحدودية المستوى الدراسي سببا في فشل سياسات الادماج الاجتماعي وتنامي اشكال التهميش والهشاشة بالإضافة الى تنامي الإدمان، رغم الحملة الرسمية الهامة للتصدي للادمان، وعدم اعتبار الصحة النفسية ضمن أولويات الصحة العمومية كلها أسباب خلقت مناخات ملائمة لتنامي العنف والجريمة.

و لا يمكن قراءة هذه المؤشرات بمعزل عن السياق الاجتماعي العام ذلك ان الأزمة الاقتصادية الخانقة، و البطالة، وهشاشة السياسات الاجتماعية، والإفلات من العقاب، كلها عوامل جعلت العنف خيارا سهلًا لدى كثيرين حيث تراجعت العائلة عن أداء دورها التقليدي في التنشئة، وضعفت المدرسة كمكان للحماية والتربية على الحوار، وصارت المنصات الرقمية بديلا مشوها يكرس خطاب الكراهية ويغذي النزعة الاستعراضية للعنف.

ويمكن القول ان العنف مرض اجتماعي يترك ندوبا عميقة في جسد الجماعة الوطنية. فعندما تتفشّى ثقافة العنف، يتحوّل الخلاف إلى صراع، والحوار إلى مواجهة، وتضيع إمكانية بناء الثقة والتعاون، و الأخطر من ذلك أنّ العنف يولّد عنفا مضادا، فتدخل المجتمعات في دوّامة يصعب كسرها، حيث تتوارث الأجيال خطاب الكراهية وأساليب الاعتداء بدل قيم التسامح والتعايش. وإذا لم يقع تطويق هذه الظاهرة بالتربية والردع والوعي، فإنّها تهدّد السلم الاجتماعي، وتضعف مؤسسات الدولة، وتفتح المجال للفوضى والتشرذم.

ويؤكد علماء الاجتماع أن تونس تعيش مرحلة “الثقافة العنفية”، حيث لم يعد العنف مجرد انحراف فردي بل أصبح قيمة سلبية يعاد إنتاجها بشكل ممسرح ومقصود، و يفسر هذا التحول كيف باتت بعض الجرائم تستعرض البشاعة وكأنها رسالة صادمة إلى المجتمع بأسره، حين تتحول الجريمة إلى عرض، فهذا يعني أن المجتمع يواجه أزمة قيم عميقة.

والخطير أن هذه الدينامية لا تستثني فضاءً من الفضاءات. في البيت، يمارس العنف على النساء والأطفال بأشكال مختلفة، وفي المدرسة يسجل تصاعد في حالات الاعتداء، وفي الشارع تتضاعف الجرائم، وفي المنصات الرقمية تتحول الحرية إلى ذريعة للتحريض والتهديد، حيث تجعل هذه الشبكة المترابطة من الظاهرة تسونامي حقيقيا كما وصفها بعض المختصين، أي موجة جارفة تهدد ركائز التماسك الاجتماعي.

و نبدو بحاجة ماسة إلى مقاربة شاملة تعيد الاعتبار للتربية كوسيلة لزرع قيم الحوار والتسامح، وتعيد الصحة النفسية إلى صدارة الاهتمامات العمومية، وتؤسس لسياسات اندماج اجتماعي تقلص من دائرة التهميش واليأس، كما أن الفضاء الرقمي لم يعد يحتمل الغياب التشريعي، إذ صار من الضروري وضع قوانين واضحة تحمي الأفراد من العنف السيبراني دون التضييق على حرية التعبير.

وإن أخطر ما قد يواجهه المجتمع هو تطبيع الأفراد مع العنف اليومي حتى يصبح مألوفا. حين يفقد الناس صدمتهم من الجرائم، يدخل المجتمع مرحلة أكثر خطورة: مرحلة لا مبالاة تهدد تماسكه من الداخل. لذلك تبقى مسؤولية الدولة مضاعفة: الردع عبر القانون، والوقاية عبر التربية والصحة النفسية، والتأطير عبر الإعلام والثقافة.

ان العنف في جوهره مرآة لأزمة أعمق تعبر عن أزمة قيم، وأزمة عدالة اجتماعية، وأزمة ثقة بين المواطن و المؤسسات حيث لا يمكن اختزال الحل في المزيد من المحاكم والسجون، بل في سياسات تعيد الأمل وتفتح منافذ للتعبير السلمي، فالاستثمار في السلم الاجتماعي هو الضمان الوحيد لمستقبل لا تتحكم فيه كرة نار اسمها العنف.

Related posts

وزير الخارجية يُعلن عن قرار فتح خط جوّي مباشر تونس- دوالا- تونس موفّى السنة الحالية

Moufida Ayari

لدعم العلاقات بين البلدين.. وكيل وزارة الشؤون الخارجية الهندية يؤدى زيارة عمل إلى تونس

marwa

بنزرت : كورونا تغلق 41 مؤسسة منها 18 إعدادية وتململ بشأن قرار مواصلة الدروس

root

Leave a Comment