30 يناير، 2026
غير مصنف

ترامب يعيد تشكيل خرائط النفوذ العالميحلفاء حائرون وخصوم حذرون

من فنزويلا إلى غرينلاند، مرورًا بمشروع “مجلس السلام”،
يرسم دونالد ترامب عالمًا جديدًا وعصرًا مختلفًا. وقد ساءلت
وكالة فرانس برس عددًا من المسؤولين الذين يلمسون، يومًا
بعد يوم، اضمحلال النظام القديم.
من بين هؤلاء وزراء ومستشارون وبرلمانيون وعسكريون
من البرازيل، الفيليبين، كولومبيا، تايوان، وألمانيا. أجروا
قراءة للمخاطر التي تشكّلها هذه التحولات على دولهم، في
مقابلات علنية، أو في أحاديث طلبوا عدم نشر أسمائهم فيها.
سيلسو أموريم، المستشار الأول للرئيس البرازيلي لويس
إيناسيو لولا دا سيلفا، قال إن العالم يمرّ “بمرحلة انتقالية بالغة
الصعوبة نحو نظام جديد يُتوقع أن ينشأ في أي لحظة”. لكنه
عبّر عن خشيته من أن “هذه المراحل الانتقالية كثيرًا ما تكون
لها عواقب سيئة جدًا”. دبلوماسي فلبيني، طلب عند تصريحه
للوكالة العالمية عدم الكشف عن اسمه، شبّه الوضع الراهن
بعالم الأمس، حين كانت القواعد والأعراف واضحة، مشيرًا
إلى أن “الجميع بات مضطرًا إلى تسمية الأمور بمسمياتها،
من دون مجاملات أو ترقيع”.
النائبة في حزب كومينتانغ التايواني المعارض، وينغ شياو
لينغ، قالت: “في السابق، كنا نعتقد أن ثمة قوانين وقواعد
دولية”.

العامل الجغرافي
رغم الاتفاق الواسع على تشخيص الواقع، تختلف التوقعات
بشأن نتائجه تبعًا للموقع الجغرافي. فالتبعات المتوقعة في قارة
أميركا، التي يسعى ترامب إلى جعلها منطقة نفوذ، لا تشبه
تلك التي قد تطال أوروبا المتاخمة لروسيا، أو جنوب آسيا
حيث تسعى الصين إلى تعزيز حضورها.
السؤال البارز: كيف ستتموضع البرازيل، بوصفها قوة ناشئة
وعضوًا في مجموعة “بريكس”، إلى جانب دول جنوب
القارة الأميركية الواقعة ضمن ما يُسمى “مبدأ مونرو 2.0”
الأميركي؟ يجيب أموريم بأن بلاده “تتمسك بما هو قائم، عبر
البناء على ما تحقق، كاتفاق التجارة بين الاتحاد الأوروبي
وتكتل ميركوسور، والحفاظ على علاقات جيدة مع الصين
والهند ومجموعة بريكس، وكذلك مع الولايات المتحدة”.
ويضيف: “لنكن واضحين، نحن نريد حقًا الإبقاء على
علاقات جيدة مع واشنطن، بشرط أن تكون قائمة على
الاحترام المتبادل”.
هذا التوازن، رغم أنه يبدو مثاليًا، قد يكون صعب التحقيق
بالنسبة إلى عدد من الدول، من بينها المكسيك، المجاورة
للولايات المتحدة والتي طالما تعرّضت لتهديدات ترامب.
ريكاردو مونريال، رئيس كتلة نواب حزب مورينا الحاكم في
المكسيك، صرّح بأن “الولايات المتحدة تتوقع أن تكون
المكسيك تلقائيًا في صفّ الإمبراطورية الأميركية الشمالية…
لكن الأمر ليس بهذه البساطة”. وأضاف: “هامش مناورتنا

ضيّق جدًا، لأن اعتمادنا كبير على الولايات المتحدة، ولا
مناص من قربنا الجغرافي إليها”. ومع ذلك، يرى أن
“المكسيك التي يبلغ عدد سكانها ما بين 110 و120 مليون
نسمة، يمكن أن تشكّل كتلة اقتصادية قادرة على مقاومة
محاولات الهيمنة”.
الأمل بالحماية
الصين وروسيا، وهما القوتان الأوراسيتان الكبيرتان، لا
تحتاجان إلى ترامب كنموذج لتوسيع نفوذهما. موسكو في
أوكرانيا، وبكين في بحر الصين الجنوبي، تواصلان نهجهما
التوسعي، غير أن السلوك الأميركي قد يكون عنصرًا مشجعًا
إضافيًا لهما.
في المقابل، تأمل الدول المُهددة في الحماية. ففي تايوان، حيث
تشكّل المساعدة الأميركية ركيزة لبقاء الوضع السياسي القائم،
يرى النائب وانغ تينغ يو من الحزب التقدمي الديمقراطي
الحاكم أن اعتقال نيكولاس مادورو في فنزويلا مثّل رسالة
ردع للأنظمة الاستبدادية. ويقول: “هذا أمر جيد لتايوان”،
لكنه يضيف محذرًا: “ينبغي توخي الحذر، فالصين ستسعى
إلى استخلاص الدروس من هذه العمليات، وقد تحاول
استلهامها”.
في الفيليبين أيضًا، ثمة تعويل على الحماية الأميركية، بالنظر
إلى موقع البلاد الاستراتيجي في قلب حركة التجارة العالمية.
دبلوماسي فلبيني رأى أن “المستقبل الاقتصادي للولايات
المتحدة يعتمد إلى حد كبير على منطقة المحيطين الهندي

والهادئ، ولا سيما على دول آسيان والفيليبين”. وأضاف:
“هذه المنطقة بالغة الأهمية للأمن الاقتصادي الأميركي،
تمامًا كما تُعدّ غرينلاند أساسية للأمن القومي”.
الأميرال روي فينسنت ترينيداد، الذي يتابع الوضع في بحر
الصين الجنوبي، أكد أن “الواقع الميداني يُعزّز هذا الشعور
بالحماية”، مشيرًا إلى “تعزيز الانتشار العسكري الأميركي،
إلى جانب حلفائه، في المنطقة”.
“لأطول مدة ممكنة”
في أوروبا، التي عوّلت لعقود على الحماية الأميركية في
مواجهة التهديد السوفياتي، تبقى الحاجة إلى واشنطن قائمة،
بحسب نظريات العلاقات الدولية، لا سيما بالنظر إلى الموقع
الجغرافي لأوروبا كبوابة إلى أوراسيا.
غير أن ضابطًا أوروبيًا رفيع المستوى، فضّل عدم الكشف
عن هويته، عبّر عن قلقه قائلاً: “نحن مشلولون تمامًا من فرط
الذعر”. وشدد على ضرورة “التكيّف السريع مع الواقع
الجديد، من دون انتظار أو تنظير”.
رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني، أرمين
لاشِت، اعتبر أن “الهدف المشترك يجب أن يكون إبقاء
الولايات المتحدة مرتبطة بأوروبا لأطول مدة ممكنة”.
وفي خضم إعادة رسم خريطة النظام الدولي، يبرز سؤال عن
مصير المؤسسات متعددة الأطراف كالأمم المتحدة، التي تبدو
مشلولة.

نائب وزير الخارجية الكولومبي، ماوريسيو خاراميو، أعرب
عن دهشته بعد اعتقال مادورو من أن “دبلوماسيين في مجلس
الأمن، وفي مجموعة دول أميركا اللاتينية والكاريبي، وفي
منظمة الدول الأميركية، لم يعلّقوا، ولم يعتبروا ما حصل بالغ
الخطورة”.
أما سيلسو أموريم، فلاحظ أن “الأمم المتحدة ضعيفة”، لكنه
شدد على غياب البدائل. من جانبه، قال لاشِت: “ليس لدينا
بدائل لهذه المؤسسة التي وُلدت بعد الحرب العالمية الثانية”.
أموريم أضاف: “عصبة الأمم أُنشئت بعد الحرب العالمية
الأولى، وتبيّن أنها لم تكن كافية. الأمم المتحدة وُلدت بعد
حرب ثانية، واليوم الفارق الكبير أن الدول تمتلك أسلحة
نووية قادرة على تدمير كل شيء. لذلك، يجب أن نتحرك
بسرعة”.
نهاية النظام العالمي
بين نظام عالمي راهن يطوي صفحاته وبزوغ نظام عالمي
جديد لم يتشكل بعد، ولم تتضح معالمه أو قواعده، يعيش العالم
مرحلة اللانظام، تعمه الفوضى والصراعات والحروب
بمختلف أشكالها، العسكرية والسياسية والاقتصادية
والتجارية، بحيث يبدو كأنه فقد كل القيود والكوابح التي تنظم
العلاقات بين البشر والدول.
فمنذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب السلطة في شهر
جانفي من العام الماضي، تبدل شكل العلاقات الدولية من حالة
الالتزام النسبي بالقوانين الدولية إلى حالة الخروج على هذه
القوانين، وبالتالي صار النظام الدولي الذي كان يقال إنه يقوم

على القواعد، بلا قواعد، وتحول العالم إلى ساحة للصراع
وعدم الاستقرار، وكادت الأمم المتحدة تتحول إلى اسم على
غير مسمى، إذ حل منطق القوة في العلاقات الدولية، بدلاً من
الحوار والالتزام بالقواعد والمعايير والمؤسسات التي تحكم
هذه العلاقات.
وإذا كان النظام الدولي ليس نظاماً مكتوباً أو نظاماً رسمياً
وقانونياً ينظم العلاقات بين الدول، إلا أنه يعد الإطار الذي
يساعد على تشكيل العلاقات الدولية، وينظم العلاقات بين
الدول على أسس من الحقوق المتساوية وحفظ السيادة في
إطار من التنافس وليس الصراع. ومع ذلك فإن هذا النظام
يلفظ أنفاسه، وقد أصيب بالشلل.
بعد الحرب العالمية الثانية قام نظام ثنائي القطبية بين الولايات
المتحدة والاتحاد السوفييتي على أساس تقاسم النفوذ بين
المنتصرين في الحرب، باعتبارهما يمثلان القوة الأعظم في
هذا النظام، لكنه لم يخلُ من تنافس وصراع بينهما على أساس
أيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية، وانتهي بانهيار الاتحاد
السوفييتي أواخر تسعينيات القرن الماضي، حيث احتكرت
الولايات المتحدة هذا النظام نتيجة ما تملكه من قوة ونفوذ
سياسي واقتصادي وعسكري هائل. إلا أنه بعد صعود قوى
أخرى مثل الصين وروسيا والهند والبرازيل بدأ النظام الدولي
الأحادي يتآكل، وبدأ العالم يتجه إلى تشكيل نظام دولي جديد
متعدد الأقطاب، أكثر عدالةً ومساواةً، لأن نظام القطب الواحد
فشل فشلاً ذريعاً في حماية الأمن والسلام العالميين، وتجاهل
النظام الدولي وميثاق الأمم المتحدة كجسر يربط بين المصالح

الوطنية والدولية، ويكبح الغلو في السياسات التي تقوم على
القوة والسيطرة.
ومع وصول ترامب إلى السلطة، تم إطلاق رصاصة الرحمة
على النظام الدولي من خلال شعار «أمريكا أولاً» و«لنجعل
أمريكا عظيمة مرة أخرى»، حيث تم النظر إلى العلاقات
الدولية من منظور انعزالي أسقط فيه النظام الدولي ومعه
القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وقد شكل انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية،
بينها 31 منظمة تابعة للأمم المتحدة و35 منظمة دولية غير
أممية، تطوراً لافتاً يعكس تحولاً عميقاً في مقاربة واشنطن
للنظام العالمي، وخروجاً على الالتزام بالمنظمة الدولية كبيت
عالمي تعمل الدول من خلاله على التعاون في مجالات الأمن
والسلام والتجارة والبيئة والصحة والثقافة وحقوق الإنسان،
وغيرها.
إن هذه الخطوة تمثل في الحقيقة تخلياً عن دور تاريخي
التزمت به الولايات المتحدة راعيةً للنظام الدولي منذ عام
1945، بما يعمّق أزمة الشرعية الدولية التي نفضت الولايات
المتحدة يديها منها، ما يجعل البحث عن بديل جديد للمنظمة
الدولية أمراً ضرورياً، لأن العالم بات الآن بلا غطاء دولي،
وسقفه بات مكشوفاً لنوازع ونزوات الرئيس الأمريكي.
العالم يعيش مرحلة مخاض عسير بانتظار النظام الدولي
الجديد.

Related posts

نجم االمتلوي تجديد الثقة في بن يونس توصلت هيئة النجم الرياضي بالمتلوي الى اتفاق رسمي مع المدرب عماد بن يونس لمواصلة المشوار مع نجم المتلوي الموسم المقبل

Mohamed mabrouk Sallami

تونس الحكم ب 10 سنوات سجنا على مسؤول سابق

root

لجمهور المونديال..افتتاح مركز جديد لخدمات بطاقة ‘هيّا’

yosra Hattab

Leave a Comment