10 فبراير، 2026
الصفحة الأولى سياسة وطنية

بعد سحب لائحة سحب الثقة من رئيس المجلس الوطني للجهات و الاقاليم:تغليب للمصلحة الوطنية كشفت عن تطور في الممارسة الديمقراطية

أعلن النائب بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم علي الحسومي يوم الخميس الماضي عن تخلي النواب الذين أودعوا لائحة سحب الثقة من رئيس المجلس عماد الدربالي عن اللائحة إثر اجتماعهم به مساء يوم الأربعاء الماضي، وذلك في الوقت الذي أكد فيه المكلّف بالإعلام بالمجلس أن “اللائحة سقطت شكلا لعدم استيفائها للشروط القانونية”.

وقال الحسومي (من الموقعين على اللائحة)، في تصريح لوكالة تونس إفريقيا للأنباء، “إنه وبناء على المسؤولية الملقاة على عاتق النواب، فإن المسار الذي انطلق بلائحة سحب الثقة بتاريخ 30 جانفي الماضي، تُوّج بتغليب لغة الحوار وتثبيت مصلحة الدولة فوق كل اعتبار” .
من ناحيته، أوضح المكلّف بالإعلام بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم الجمعي الزويدي إنّه “تمّ الحسم في اللائحة خلال اجتماع مكتب المجلس الاربعاء الماضي وأنّها سقطت شكلا لعدم استيفائها للشروط القانونية”، وأوضح أنّها عرضت على المكتب بـ 28 توقيعا قبل تراجع 3 نواب كتابيا عن التوقيع ليصبح عدد الموقعين 25 نائبا، متابعا قوله إنّ المكتب تلقى إثر ذلك توقيع نائب مساند للعريضة “لكن القانون لا يسمح بذلك لأنّ أجل 72 ساعة يسمح بسحب التوقيع وليس بالإضافة”، وفق تعبيره.

وأضاف الزويدي أن النواب الذين أودعوا العريضة “قاموا من باب المسؤولية بجلسة مطولة مع رئيس المجلس تبادلوا فيها وجهات النظر وتداولوا في الإشكاليات المطروحة من حيث العمل وتمّ التعهّد كلّ من مسؤوليته بتجاوزها”. وقال النائب علي الحسومي، في تصريح للاعلام ، إنّ “أروقة المجلس شهدت جلسة جمعت النواب الممضين على اللائحة برئيس المجلس ونائبيه وتم بسط كافة التحفظات والرؤى الإصلاحية بكل وضوح وأنّ رئاسة المجلس سجّلت تفهمّها للدوافع الموضوعية التي حركت النواب والهادفة إلى تطوير الأداء ومعالجة الإخلالات، بعيدا عن أية مغالطات روجت لوجود مطالب مادية أو شخصية”، متابعا قوله إنّه تمّ “التوافق وتوقيع محضر جلسة رسمي يتضمن الالتزام بخارطة عمل جديدة تكرس التشاركية والنجاعة”.
وكان النواب أصحاب اللائحة أصدروا الأربعاء الماضي بيانا توضيحيا أكّدوا من خلاله أنّهم “طرحوا تشخيصا دقيقا ورؤية إصلاحية شاملة تهدف إلى الارتقاء بنجاعة هياكل المجلس وتطوير آليات عمله، للعبور نحو السرعة القصوى” في معاضدة مجهودات الدولة، مشيرين إلى أنّ “محركهم الأساسي كان نابعا من إرادة نيابية تنشد الإصلاح”.
ونصّ البيان على أنّ “رئيس المجلس أبدى تفهما كاملا لمشاغل النواب ورؤيتهم، واستمع لكافة المقترحات لتتوّج الجلسة بتحرير محضر جلسة رسمي تعهد فيه رئيس المجلس باعتماد خارطة عمل جديدة تؤسس لمنهجية تشاركية، تضمن جودة المخرجات التشريعية وتحترم الإرادة النيابية”.
وكان 28 نائبا بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم من مجموع 77 ( أكثر من الثلث) أودعوا يوم الجمعة 30 جانفي الماضي لائحة لسحب الثقة من رئيس المجلس عماد الدّربالي، واعتبروا أنها “خطوة تصحيحية تاريخيّة”.

رغم سحبها الا إن تقديم هذه اللائحة تم في مشهد سياسي وبرلماني غير مسبوق في تجربة المجلس الوطني للجهات والاقاليم برزت لائحة سحب الثقة من رئيسه عماد الدربالي كاحد اكثر التطورات اثارة للنقاش داخل الغرفة الثانية وخارجها و جذبت اهتماما واسعا حول مآلاتها.

واودع مؤخرا 29 نائبا هذه اللائحة بمكتب الضبط المركزي معتبرين انها مكاشفة تاريخية بعد نحو سنتين من العمل، غير ان قراءة متانية لموازين القوى داخل المجلس ولسياق هذه المبادرة تكشف ان هذه المحاولة ورغم ما تحمله من دلالات ديمقراطية تبقى محدودة الاثر على المستوى الاجرائي وان حظوظ مرورها تظل ضعيفة في ظل اغلبية غير متحمسة لتغيير راس هرم المجلس في هذه المرحلة الدقيقة.

مبررات تصطدم بتحفظات

ومن حيث المبدأ قدم اصحاب اللائحة خطابا حريصا على نفي الطابع الشخصي او السياسي للمبادرة وركزوا على ان الدافع الوحيد هو معالجة اخلالات متراكمة في التسيير وخلق بيئة عمل تسمح للنواب بالقيام بدورهم على اكمل وجه هذا الخطاب سعى منذ البداية الى تقديم سحب الثقة كاداة اصلاح اداري وليس كوسيلة صراع او تصفية حسابات وهو ما تعزز من خلال التاكيد المتكرر على احترام رئيس المجلس كشخص مع تحميله المسؤولية فقط عن الاداء التسييري للمؤسسة

غير ان هذا الطرح اصطدم منذ الوهلة الاولى باسئلة جوهرية تتعلق بطبيعة هذه الاخلالات وحدود مسؤولية رئيس المجلس عنها فحتى النواب الموقعون على اللائحة يقرون بان الاشكاليات المطروحة ذات طابع هيكلي اكثر منها شخصي وان الخلاف مع الرئيس اداري بحت ولا يتعلق بنواياه او وطنيته هذا الاقرار بحد ذاته اضعف من منطق سحب الثقة باعتبار ان تغيير رئيس المجلس لا يعني بالضرورة معالجة اختلالات ترتبط ببنية المجلس ونظامه الداخلي وصلاحياته وحدود علاقته ببقية المجالس المنتخبة.

واحد اهم محاور اللائحة تمثل في مسالة الربط بين المجلس الوطني للجهات والاقاليم والمجالس المحلية والجهوية حيث يتحدث النواب عن فجوة واضحة في التنسيق وقطيعة في التواصل وهو ما يعتبرونه عائقا امام نجاح تجربة النظام القاعدي غير ان هذا التشخيص وان كان يجد له سندا في واقع الممارسة الا انه لا يمكن عزله عن الاطار القانوني والمؤسساتي العام فضعف التنسيق لا يعود فقط الى اداء رئاسة المجلس بل الى غياب نصوص ترتيبية واضحة والى تاخر رقمنة المسارات والى حداثة التجربة برمتها ما جعل تحميل المسؤولية لشخص رئيس المجلس وحده امرا مبالغا فيه في نظر جزء كبير من النواب.

توقيت غير مناسب

كما ان التوقيت الذي طرحت فيه لائحة سحب الثقة يثير بدوره الكثير من التحفظات فالمجلس مقبل على مناقشة مشروع مخطط التنمية والمصادقة عليه وهو استحقاق محوري يفترض درجة عالية من التماسك المؤسساتي ورغم تاكيد اصحاب المبادرة ان سحب الثقة لن يعمق الانقسام وان الاختلاف صحي ولا يؤثر على العمل التشريعي الا ان عددا من النواب يرون عكس ذلك ويعتبرون ان فتح معركة داخلية في هذا التوقيت قد يربك سير العمل ويحول الانتباه عن الاولويات التنموية للجهات.

وهذا التخوف وان كان ينفيه مقدمو اللائحة الا انه يلقى صدى لدى اغلبية صامتة داخل المجلس تفضل الاستقرار النسبي على المغامرة بتغيير القيادة في مرحلة حساسة هذه الاغلبية لم تعلن بالضرورة رفضها للمبادرة في العلن لكنها عبرت في الكواليس عن قناعتها بان كلفة سحب الثقة ستكون اكبر من مكاسبه المحتملة خاصة في ظل غياب بديل واضح ومتفق عليه

وفي هذا السياق برزت مسالة البديل كاحدى نقاط الضعف الاساسية في اللائحة فالموقعون عليها ولئن اقروا صراحة بعدم وجود بديل جاهز واحتكموا الى منطق التصويت الديمقراطي لاختيار الرئيس الجديد غير ان هذا الطرح لم يطمئن كثيرا بقية النواب الذين يخشون الدخول في فراغ قيادي او في صراعات داخلية جديدة حول الاسم البديل خصوصا وان النظام الداخلي للمجلس غير منشور وهو ما يزيد من حالة الغموض القانوني والاجرائي.

ومن جهة اخرى رافقت لائحة سحب الثقة حملة من الاشاعات والاتهامات غير المعلنة تتعلق بملف المنح والزيادات التي اقرها مجلس نواب الشعب حيث حاول البعض الربط بين هذا الملف وحالة الاحتقان داخل الغرفة الثانية غير ان اصحاب المبادرة نفوا بشكل قاطع هذه الرواية واعتبروها شائعات لا تليق بمستوى النقاش الوطني ومع ذلك فان مجرد تداول هذه الفرضية يعكس مناخا من عدم الثقة ومن الالتباس يحيط بالمبادرة ويضعف من قدرتها على حشد دعم واسع داخل المجلس.

توازن مختل

وعند الانتقال الى موازين القوى الفعلية داخل الغرفة الثانية اتضح ان الاغلبية العددية ليست في صف تمرير اللائحة فعدد الموقعين عليها رغم دلالته السياسية لم يكف لوحده لقلب المعادلة خاصة في ظل وجود كتلة وازنة من النواب الذين فضلوا التريث او الذين اعتبروا ان اليات المحاسبة يمكن ان تتم بوسائل اخرى اقل حدة من سحب الثقة هذه الاغلبية وان كانت لا تدافع بالضرورة عن اداء رئيس المجلس الا انها لم تر في هذه المبادرة حلا جذريا للاشكالات المطروحة

وعليه يمكن القول ان لائحة سحب الثقة كانت اقرب الى ممارسة رمزية عكست توجها ديمقراطيا ورغبة في ترسيخ ثقافة المحاسبة داخل المؤسسات المنتخبة اكثر من كونها اداة اجرائية قادرة على احداث تغيير فعلي في موازين السلطة داخل المجلس فهي رسالة سياسية موجهة الى رئاسة المجلس والى الراي العام مفادها ان العمل البرلماني لا يجب ان يكون بمنأى عن النقد والمساءلة لكنها في الوقت نفسه ظلت محدودة الاثر في ظل واقع سياسي ومؤسساتي معقد.

وهذا لا يعني التقليل من اهمية المبادرة او من دلالاتها بل بالعكس يمكن اعتبارها خطوة متقدمة في مسار تطور الممارسة الديمقراطية داخل الغرفة الثانية التي ما تزال تبحث عن تموقعها ودورها الحقيقي في المنظومة الدستورية الجديدة غير ان نجاح هذا المسار يظل مشروطا بترجمة النقد الى اصلاحات هيكلية حقيقية تتجاوز الاشخاص وتطال القوانين والاجراءات وادوات العمل

تم سحب لائحة سحب الثقة بالنظر الى غياب اغلبية داعمة لها وتم تغليب منطق الاستقرار على التغيير في هذه المرحلة ورغم ان هذه النتيجة قد خيبت امال بعض الداعين الى المحاسبة الفورية الا انها لم تلغ النقاش الذي فتحته اللائحة ولا الاسئلة التي طرحتها حول اداء المجلس وعلاقته ببقية الهياكل المنتخبة وهو ما جعل من هذه المبادرة حدثا سياسيا محدود الاثر اجرائيا لكنه مهم دلاليا في مسار بناء ثقافة ديمقراطية داخل المؤسسات التشريعية الجديدة.

Related posts

جامعة التعليم الأساسي تتجه نحو التصعيد وحجب أعداد الثلاثي الأول

هادية الشاهد

طقس اليوم الإثنين 22 نوفمبر

root

بسبب التقلبيات الجوية: دعوة مستعملي الطريق بولاية تونس إلى اليقظة والحذر

Na Da

Leave a Comment