15.5 C
تونس
20 فبراير، 2026
الصفحة الأولى سياسة وطنية

وسط تكدس المبادرات…المطلوب ثورة تشريعية لا تضخم تشريعي

تجاوز عدد مقترحات القوانين التي قدمها اعضاء مجلس نواب الشعب 140 مبادرة غير ان عدد ضئيل جدا منها حظي بالمصادقة ما يعني ان الثورة التشريعية المرتقبة لا تعنى تكديس المقترحات وان قيامها مشروط بتفاصيل اخرى

و مع توالي المبادرات داخل المجلس تتكدس النصوص ويعلو منسوب الانتظار خارج اسواره فقد وضعت اكثر من 140 مقترح قانون على الطاولة لكن الاثر في الواقع محدود و دفع هذا الواقع الى سؤال مفاده فهل يعيش العمل البرلماني ازمة اولويات ام ازمة تنفيذ ام ازمة رؤية تشريعية؟

سؤال الجدوى و الفاعلية

و تشير المعطيات المتداولة داخل الاوساط البرلمانية الى ان عدد مقترحات القوانين التي صاغها النواب تجاوز 140 مقترحا منذ انطلاق الدورة الحالية،وهو  رقم يعكس حركية واضحة ورغبة في المبادرة، لكنه يطرح في المقابل سؤال الجدوى والفاعلية.

ومن بين هذه المقترحات نحو 30 يتعلق باحداث بلديات جديدة، في استجابة لمطالب محلية متراكمة، بينما لم يحظ بالمصادقة سوى 3 مقترحات فقط ويبرز هذا التفاوت بين حجم المبادرات وحجم النصوص المصادق عليها عن فجوة تحتاج الى قراءة هادئة تتجاوز منطق الارقام نحو تحليل السياق والمؤشرات.

ولا يتوقف المشهد عند حدود المصادقة، فحتى المقترحات التي وجدت طريقها الى الجلسة العامة وتم اقرارها، باستثناء مقترح تعديل القانون الانتخابي، لم تصدر في شأنها الاوامر الترتيبية اللازمة لتفعيلها و ينسحب الامر ذاته على بعض المقتضيات التي تم تضمينها ضمن قانون مالية 2026، حيث بقيت دون نصوص ترتيبية تحولها من حبر على ورق الى اجراءات نافذة و هنا تتعقد الاشكالية ويتحول النقاش من سؤال الكم الى سؤال الاثر والنجاعة.

فعالية محدودة

و من الناحية الشكلية يمكن اعتبار تجاوز 140 مقترح قانون مؤشرا على حيوية المؤسسة التشريعية. و ان النواب يتحركون ويقترحون ويستجيبون لمطالب دوائرهم الانتخابية. لكن عند التدقيق في طبيعة هذه المبادرات يبرز طابعها المتشعب وافتقارها في بعض الاحيان الى رؤية جامعة تحدد الاولويات الوطنية الكبرى.

ثلاثون مقترحا لاحداث بلديات جديدة يعكس ضغطا محليا وسعيا نحو تقريب الخدمات وتحقيق العدالة الترابية. غير ان احداث بلدية لا يقتصر على قرار تشريعي، بل يرتبط بقدرة مالية وبنية ادارية وموارد بشرية وتجهيزات و في غياب تصور شامل لسياسة الجماعات المحلية، قد تتحول هذه المبادرات الى عناوين سياسية اكثر من كونها مشاريع قابلة للتنفيذ.

وتكمن المفارقة الاخرى في محدودية النصوص المصادق عليها قياسا بعدد المقترحات، ثلاثة قوانين فقط حظيت بالمصادقة، وهو رقم يطرح بدوره سؤال مسار دراسة المقترحات داخل اللجان، ومدى توفر التوافقات حولها، وكذلك درجة التنسيق المسبق مع الحكومة. فالقانون الذي لا يحظى بدعم تنفيذي كاف قد يظل معلقا حتى بعد المصادقة عليه.

ازمة الاوامر الترتيبية

و الاشكالية الاكثر حضورا في هذا الملف تتعلق بتاخر او غياب الاوامر الترتيبية. فالقانون في حد ذاته يضع الاطار العام، لكن النفاذ الفعلي يتطلب نصوصا تطبيقية تصدرها السلطة التنفيذية. باستثناء تعديل القانون الانتخابي الذي صدرت في شانه الاوامر اللازمة، بقيت بقية القوانين في حالة انتظار.

ويكشف هذا الواقع عن خلل في العلاقة بين الوظيفتين فالتشريع دون تنسيق مسبق مع الحكومة قد يؤدي الى نصوص يصعب تطبيقها، اما بسبب كلفتها المالية او لعدم انسجامها مع البرامج القطاعية القائمة، كما ان تضمين احكام جديدة ضمن قانون مالية 2026 دون استكمال الاطار الترتيبي يعمق الفجوة بين النص والواقع.

و تبين التجارب المقارنة ان نجاح اي اصلاح تشريعي يرتبط بثلاثة عناصر متلازمة وهي  وضوح الهدف، ة توفر الموارد، ووجود تنسيق بين الارادتين التشريعية و التنفيذية و في غياب احد هذه العناصر يتحول القانون الى اعلان نوايا.

بين الثورة التشريعية وترتيب الاولويات

في ظل هذا التكدس تبرز دعوات داخل المجلس وخارجه الى ما يسمى بثورة تشريعية، غير ان مفهوم الثورة هنا يحتاج الى تدقيق، فالثورة التشريعية لا تعني انتاج اكبر عدد ممكن من القوانين، بل تعني مراجعة عميقة للمنظومة القانونية القائمة، وجرد النصوص، وتحديد المتقادم منها، ورصد مواطن التعارض والتداخل.

والبلاد تزخر بترسانة قانونية واسعة تراكمت عبر عقود و كثير من النصوص مازال نافذا رغم تغير السياقات الاقتصادية والاجتماعية، و لذلك فان الاولى قد تكون اعادة قراءة هذه المنظومة بدل اضافة نصوص جديدة فوقها ذلك ان  التضخم التشريعي قد يربك الادارة ويزيد من صعوبة التطبيق، خاصة عندما تتعدد القوانين في المجال ذاته دون تنسيق.

ويفرض ترتيب الاولويات تحديد الملفات ذات الاثر المباشر في حياة المواطنين، مثل الاستثمار، التشغيل، الحماية الاجتماعية، والحوكمة المحلية، و عندها يصبح التشريع اداة استراتيجية ضمن رؤية تنموية واضحة، لا استجابة ظرفية لضغط اعلامي او مطلب جهوي.

كما ان الثورة التشريعية المطلوبة تمر ايضا عبر تعزيز التنسيق مع الوظيفة التنفيذية،  فالقانون الذي يصاغ دون تشاور معمق مع الوزارات المعنية قد يواجه عراقيل تقنية او مالية عند التطبيق، و من هنا تبرز الحاجة الى اليات مؤسساتية ثابتة للتشاور المسبق، سواء عبر جلسات استماع معمقة او لجان مشتركة دائمة بين المجلس والحكومة.

كما يقتضي الامر تطوير منهجية تقييم الاثر التشريعي قبل المصادقة على القوانين، و يسمح هذا التقييم بقياس الكلفة والفائدة، واستشراف الصعوبات المحتملة، وتفادي تراكم نصوص يصعب تفعيلها. في العديد من البرلمانات يتم اعتماد دراسات اثر مفصلة ترافق كل مقترح قانون، وهو ما يعزز جودة التشريع ويقلل من احتمالات التعطيل لاحقا.

ويضع الواقع الحالي المجلس امام اختبار مزدوج. من جهة هناك رغبة في اثبات الحضور والمبادرة، ومن جهة اخرى هناك حاجة الى نجاعة وفاعلية و التوازن بين الامرين يمر عبر الانتقال من منطق الكم الى منطق النوع، ومن سباق المبادرات الى بناء اجندة تشريعية واضحة المعالم.

وفي هذا السياق يمكن التفكير في وضع برنامج سنوي للاولويات التشريعية يتم الاتفاق عليه بين المجلس والحكومة، يحدد النصوص المستعجلة والاستراتيجية، ويضبط رزنامة زمنية لدراستها والمصادقة عليها، كما ان جرد النصوص القائمة قد يكشف عن امكانية دمج بعض القوانين او تحيينها عوض سن قوانين جديدة.

Related posts

اليوم: هبوب رياح قوية قرب السواحل و بالمرتفعات

root

المخزون العام للسدود لم يتجاوز الــ23,1 بالمائة إلى غاية 12 سبتمبر

محمد بن محمود

قضية “التآمر على أمن الدولة”: التمديد في الاحتفاظ لفترة ثانية للموقوفين على ذمّة الأبحاث

هادية الشاهد

Leave a Comment