28 يناير، 2026
الصفحة الأولى مجتمع وطنية

حتى تكون تونس جميلة في عيون زوارها وابنائها…النظافة سلوك يومي للمواطن فيه دور محوري

محمد بن بشير

في الوقت الذي تستعد فيه تونس لتسجيل رقم قياسي غير مسبوق في عدد السياح، تبرز على السطح حقيقة متزايدة الإزعاج تُلقي بظلالها على هذا الإنجاز.. هذه الحقيقة المرة تتمثل في  الوضع المتدهور للنظافة في الفضاءات العامة والشوارع والمسالة لا تختص بجهة دون اخرى بل تكاد تمس كل جهات البلاد، سواء في الأحياء الشعبية أو في المناطق التي طالما اشتهرت بجمالها ونظافتها.

الصور المنتشرة بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي لا تترك مجالاً للشك: شوارع تغصّ بالنفايات، أرصفة غير صالحة للمشي، شواطئ ملوثة، أراضٍ مهملة تحولت إلى مصبّات عشوائية، وسكك حديدية مهجورة تكسوها أكوام القمامة.

هذا التدهور في البيئة الحضرية لم يعد يستثني أي مدينة، بل لا تكاد تخلو مدينة او حي من هذه الظاهرة السلبية وقد دفعت تونس ثمنها غاليا في الفترة الاخيرة حين من الله علينا بالغيث النافع لكنه كاد يتحول الى نقمة بسبب الفيضانات التي في جزء كبير مننها سببها انسداد قنوات الصرف الصحي بالنفايات من قوارير واكياس بلاستيك واوراق وحتى اعقاب السجائر وغيرها من النفايات والفضلات التي كان بالامكان وضعها في مكانها المناسب فلا تسد المجاري ولا قنوات الصرف الصحي لتنفجر في وجوه العباد وتتحول الى سيول جارفة كادت تؤدي الى ما لا يحمد عقباه.

رغم إن الدولة في اعلى هرمها ما انفكت تحض على الاعناء بالنظافة وضمان الحق في البيئة السليمة لكل التونسيين الا انه وللاسف لا يتفاعل المواطن ولا البلديات مع هذا التوجه الرسمي لتبقى الاوساخ المتراكمة في مختلف الاحياء والشوارع نقطة سوداء تشوه وجه تونس التي نسعى جميعا الى إن تكون ناصعة وجميلة تعجب السائح وابن البلد ويطيب العيش فيها.

من المؤسف إن الوضع البيئي في تونس، يتجه نحو مزيد من التدهور، وذلك في ظل غياب استراتيجية وطنية لدى مختلف البلديات أو سياسة بيئية قادرة على حماية المحيط ومنع انتشار التلوث رغم إن الدولة تسعى الى توفير كل اسباب النظافة سواء من حيث تدعيم البلديات بما يلزم من تجهيزات او من خلال النصح الدائم وحملات التوعية لكن كل ذلك يكاد يذهب هباء منثورا بسبب تقاعس البلديات اولا واستهتار المواطن ثانيا لتصبح من اهم المشاكل البيئة الحالية، هو تفاقم أزمة إلقاء النفايات على قارعة الطريق، في مختلف الأماكن و تزايد بؤر التلوث.

فمع التوسع العمراني تتزايد أعداد المحلات والمطاعم والمخابز وسط التجمعات السكنيّة في فترة وجيزة جدا، وهو ما أثار حفيظة عديد المواطنين الغيورين على النظافة بسبب تكدّس النفايات في كل مكان وسط غياب آلية للتخلص منها بشكل منتظم حتى يكاد القلب ينفطر لرؤية النفايات والأوساخ المتراكمة في كل مكان في كل جهات البلاد حتى في الجهات التي كانت واحدة من أنظف وأجمل مناطق تونس ومن الصعب تصديق أن الأوساخ تتراكم بهذا الشكل بجوار حتى أهم المعالم الأثرية في تونس  وكان من المفترض أن تكون مناطق خضراء. 

ووفقاً لآخر التقديرات الصادرة عن وزارة السياحة، قد يتجاوز عدد زوار تونس 10 ملايين سائح في عام 2025، مدفوعاً بعودة قوية للأسواق الأوروبية وارتفاع في الطلب الإقليمي. ورغم أن هذا يشكل نجاحاً تجارياً واعداً، إلا أنه يصطدم على أرض الواقع بوقائع مقلقة: تراكم النفايات في مراكز المدن، ضعف إدارة خدمات النظافة البلدية.

النقطة التي تستوجب التحسين لا تتعلق بحفاوة التونسيين، التي لا تزال محل إشادة، بل بوضعية الأماكن التي يُفترض أن تسحر الزائر. كما قال أحد السياح الفرنسيين ساخرًا على إحدى منصات التقييم: “تقع في حب تونس، لكن ليس أرصفتها”.

أبعد من النفايات: أزمة مواطنة أوسع

أزمة النظافة تأتي في سياق تراجع عام في السلوك المدني 

فتونس تمتلك كل المقومات لتصبح رائدة إقليمية في السياحة من مناخ معتدل، وتراث غني، وشعب مضياف، وسهولة الوصول. لكن هذا الطموح لا يمكن أن يتحقق دون مستوى مماثل من الجدية في قضايا النظافة، والمواطنة، فاستقبال السياح لا يكفي، بل يجب توفير بيئة نظيفة، محترمة تعكس صورة مجتمع عصري ومسؤول.

تشير المبادرات الأوليّة للحكومة في مجال النظافة والعناية بالبيئة إلى أن السياسة التي تتوخاها في هذا المجال تنبني على مقاربة تشاركية بين الدولة والمواطن. فهي تؤكد، من ناحية، على الدور الأساسي للدولة في المحافظة على النظافة والعناية بالبيئة وكذلك على الدور الهام للمجتمع المدني والمواطن بصفة خاصّة في هذا المجهود من ناحية أخرى. 

هذه السياسة المبنيّة على الشراكة تعطي مفهوما محدّدا وواضحا لمسؤوليّة الحفاظ على البيئة ونظافة المحيط، فإطار العيش السليم هو حقّ للمواطن على دولته ولكن الحفاظ عليه هو واجب إنساني ووطني على الجميع المساهمة فيه والالتزام به. 

فحق المواطن على الدولة يبرز في هذه السياسة عندما تعتبر الحكومة أن تحسين جودة الحياة للتونسيّين هي أولويّة بالنسبة إليها، وفي التأكيد على أنّها ستتصدّى لكلّ المظاهر المخلّة بتوازن البيئة وردع المخالفين للتراتيب ولمقتضيات سلامة المحيط.

ويبرز كذلك، إضافة إلى الحملة الوطنيّة الشاملة للنظافة والعناية بالبيئة التي يتم في كل مرة أطاقها، مع إطلاق حملات لتهذيب الأحياء الشعبيّة والبناءات والمنشآت العموميّة من مدارس ومعاهد ومستشفيات، فضلا عن صيانة وتهذيب الطرقات والمسالك الريفيّة.

أمّا واجب المواطن ودوره في هذا المجال فيتجلى في حرص الحكومة، على تأمين انخراطه وتشريك المجتمع المدني في معاضدة تنفيذ برنامج النظافة “بهدف تأمين ديمومته”.

لقد ربطت الحكومة “ديمومة” برنامج النظافة وحماية البيئة بضرورة تشريك المواطن، ذلك أنها أدركت أنّه ليس بفرض سلطات القانون وعقاب المتجاوزين فقط يمكن النجاح في تحقيق أهدافها في هذا المجال، فالقوانين وحدها لا يمكن أن تحقق الأهداف المنشودة ما لم ترافقها ثقافة ووعي بيئي لدى عامّة الشعب. 

ومن هذا المنطلق حرصت الحكومة على التأكيد على تأصيل الجانب التوعوي والتحسيسي للمواطن فضلا عن الدعوة إلى التربية على سلوك وثقافة الحفاظ على البيئة ونظافة المحيط. وفي تجسيد لهذا التمشي كان من بين النقاط الأساسيّة في برنامج حملة النظافة التي يتمّ اطلاقها وضع خطط اتّصاليّة لمزيد التوعية والتحسيس بضرورة المحافظة على نظافة المحيط.

لقد شهدت تونس تدهورا لافتا للأوضاع البيئيّة وانتشارا مفزعا للفضلات بأنواعها في الشوارع والأنهج وحتى في المساحات ممّا أضحى يهدّد صحة المواطن وحتى أنشطته الاقتصاديّة.

هذا الوضع البيئي الخطير أصبح مشغلا أساسيّا للتونسيّين ومسّ من صورة تونس، وأضحى يهدّد قطاعات هامّة على غرار القطاع السياحي ومناخ الاستثمار، ممّا جعل الحكومة على تعدّد الملفات المطروحة أمامها وتعقدها، تضع هذا الملف الهام في صدارة أولوياتها فنظافة البلاد والحفاظ على سلامة بيئتها هي اليوم ليست مجرّد علامة من علامات الرفاه فحسب بل هي حاجة متأكدة لبناء مجتمع متطوّر منتج على أسس صلبة، وإرساء مقوّمات اقتصاد قوي متنوّع من بين مرتكزاته الأساسيّة السياحة والاستثمار، اللذين يعوّل عليهما لتحقيق النهوض والتطوّر المنشودين.

إن المجتمع التائق إلى التقدّم والرّقي لا بدّ له أن يتخلّص من كل ما من شأنه أن يعيق مسيرته نحو تحقيق هذا الهدف، وهو ما يتطلب إرساء إطار عيش لائق وبيئة سليمة يستطاب فيها العيش بما يعنيه ذلك من مناخ ملائم للاستثمار وجذب السيّاح، وبذلك تتهيّأ الظروف المناسبة للتفرّغ للعمل والانتاج إذ أن النظافة كانت وستظلّ مظهرا أساسيّا من مظاهر التقدّم وعنوانا رئيسيّا من عناوين الرّقي والحضارة. 

إن حماية البيئة مسؤولية مجتمعية يجب على الكل أن يشارك فيها، لأننا شركاء في تقاسم مواردها، لذا تعد حملات تنظيف البيئة والحفاظ على مواردها نقية خالية من التلوث واجبا مقدسا، وفي إطار هذه الشراكة المجتمعية تنطلق في كل مرة حملات تنظيف تحت شعارات نبيلة لمقاصد أجمل لأن حملات النظافة تسهم كثيرا في التقليل من النفايات، كما أنها تسهم بشكل ملحوظ في تعريف الناس بأضرارها الصحية الخطيرة. و المشاركة دائما في تلك الحملات لا تكون الا من مواطنين يخدمون وطنهم ومن جهة أخرى يتعودون على النظافة أينما كانوا وهذا يعتبر اقل شيء يستطيع المواطن تقديمه لبلده فالمواطن عندما يبدأ نشاطه في مثل هذا المجال يبدأ ضمن الإطار القريب منه أي امام منزله ثم في كامل النهج الذي يقطن به ثم في كامل الحي والمدينة ، اذ يتدرج ليصبح الأمر لديه أوسع وأشمل، فخدمة الوطن الهدف الرئيسي والدافع الأسمى بالنسبة للمواطن الذي يقوم بالتنظيف امام منزله وفي نهجه ويضرب المثل لباقي جيرانه ناصدقائه لينخرطوا معه في هذا الجهد المحمود كما يدفع غيره الى المساهة في النظافة على الاقل بعدم القاء الفضلات بدءا من النفايات المنزلية وصولا الى اعقاب السجائر وما يقتينه من قوارير مياه او مشروبات غازية او اوراق صحية لتنظيف انفه.

 إن لوطننا علينا حق في إن نحفظ نظافته وان نحمي انهجه من كل ما يلوثها وحبنا لعمل الخير وبذل طاقاتنا من أجل خدمة المجتمع تدفعنا للمشاركة في هذه الأعمال، أما على المستوى الشخصي فإن المشاركة في حملات النظافة تشكل أمرا كبيرا جدا، حيث تعتبر هذه المشاركات انسانية وتزيد من الحس الوطني.

ان حملات النظافة ساهمت في توعية وتثقيف الكثير من الشباب بأهمية النظافة خلال مشاركتهم في تلك الحملات، وحثتهم على أهمية العمل التطوعي لخدمة الوطن، والمشاركة في خلق مجتمع حضاري تكافلي كما أسهمت أيضاً في رفع نسبة رضا المجتمع المحلى من المواطنين والزوار وتعريفهم بالدور الميداني الذي تقوم به البلدياتوهذه الحملات لها دور كبير في التوعية البيئية وزرع ثقافة النظافة عند غالبية المواطنين، ولها الفائدة والجدوى في توسيع دائرة المتطوعين للمساهمة فيها يداً بيد مع كافة الفعاليات، كونها تدعم الخطوات المتخذة في حملات النظافة للارتقاء بواقعها ومواجهة التحديات والعوائق.

إن حملات النظافة تعمل على تكريس ثقافة النظافة بين الشباب بشكل عملي ويومي، وهي مشاركة انسانية، كما انه يشجع الشباب على العمل التطوعي، وهو في النهاية يعود بالنفع على الشخص نفسه وعلى وطنه كما تعمل هذه الحملات على تكريس ثقافة النظافة بشكل عملي ويومي، خاصة بين الشباب، للوصول إلى بيئة سليمة خالية من مظاهر التلوث، إضافة إلى توعية المجتمع المحلي بأهمية المحافظة على البيئة.

لكن تلك الحملات لا يجب إن تكون جهدا مناسبتيا او موسميا بل يجب إن تكون جهدا يوميا كما إن المواطن عليه إن ينخرط في هذه الجهود عبر ترقية سلوكه ليمتنع من تلقاء نفسه على القاء الفضلات من أي نوع سواء منزلية او شخصية في الشوارع ووقتها ستصبح تونس نظيفة تعجب السائح ويؤتاح فيها المواطن لان النظافة تشيع اجواء من الراحة النفسية تنعكس ايجابا على طروف العمل وعلى علاقات المواطنين فيما بينهم كما انها الخط الاول للحماية من الفيضانات ومن الامراض التي شاعت مؤخرا في ظل انتشار فيروسات متحورة صارت تشكل خطرا على الجميع.

Related posts

بالأرقام: مخزون السدود في تونس الى غاية بداية نوفمبر

Moufida Ayari

أعوان معهد الهادي الرايس لأمراض العيون يلوحون بالإضراب

marwa

فاطمة المسدي:مستشفى و قاعة سينما في مخيم الافارقة (صور)

صابر الحرشاني

Leave a Comment