10 فبراير، 2026
وطنية

الفوترة الإلكترونية : نقلة نوعية في توثيق المعاملات وحفظها







تواصل وزارة المالية التونسية مسارها نحو إصلاح المنظومة الجبائية وتعصيرها، من خلال التوسّع التدريجي في اعتماد الفوترة الإلكترونية، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية لتعزيز الشفافية في المعاملات الاقتصادية والحدّ من الممارسات غير المنظمة. وفي هذا الإطار، قدّم المدير العام للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية، يحيى الشملالي، جملة من التوضيحات حول فلسفة هذه المنظومة ومراحل تطبيقها، مؤكداً أنّ الهدف منها ليس تسليط العقوبات، بل ضمان وضوح المعاملات وبناء علاقة ثقة بين الإدارة والمتعاملين.

وجاءت هذه التوضيحات خلال حوار إعلامي ، حيث شدّد المتحدّث على أنّ اعتماد الفوترة الإلكترونية يتمّ وفق مقاربة تدريجية، تراعي خصوصيات القطاعات المختلفة وتستند إلى مبدأ المرونة في التطبيق.




مبدأ التدرّج أساس التطبيق

أكد المدير العام للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية، يحيى الشملالي أنّ الفوترة الإلكترونية لم تُطبّق دفعة واحدة، بل تمّ اعتماد مبدأ التدرّج منذ إقرارها، بما يسمح باستيعاب مختلف القطاعات والخصوصيات المهنية. وقد تمّ التشديد على أنّ التوسّع في نطاق التطبيق يتمّ بصفة مرحلية ومدروسة، تأخذ بعين الاعتبار جاهزية المتعاملين والإمكانيات التقنية المتوفّرة.

وتُعتبر هذه المقاربة التدريجية عاملاً أساسياً في إنجاح المنظومة، إذ تُمكّن من تفادي الارتباك، وتسمح بتقييم كل مرحلة قبل المرور إلى التي تليها، فضلاً عن تصحيح الإشكاليات التقنية أو القانونية التي قد تظهر أثناء التنفيذ.


لا عقوبات في المرحلة الراهنة

من أبرز النقاط التي شدّد عليها المدير العام للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية، أنّ الحديث عن تسليط العقوبات في المرحلة الحالية يُعدّ سابقاً لأوانه، باعتبار أنّ منظومة الفوترة الإلكترونية لم تُستكمل بعد ولم تُرسّخ بصفة نهائية. وأكّدت أنّ النصوص القانونية، رغم احتوائها بطبيعتها على جانب ردعي، لم توضع أساساً للزجر، بل لضمان شفافية المعاملات وتنظيمها.

وفي هذا الإطار، أوضح أنّه لا يمكن مطالبة مسدي خدمات، من أطباء أو محامين أو غيرهم، بتطبيق العقوبات لعدم اعتماد الفوترة الإلكترونية في الوقت الراهن، طالما أنّ المنظومة لا تزال في طور الإرساء والتوسيع.



المرونة… ركيزة الإصلاح الجبائي

تُعدّ المرونة في التطبيق أحد المبادئ الجوهرية التي تقوم عليها منظومة الفوترة الإلكترونية. وترى وزارة المالية أنّ هذه المرونة يجب أن تكون متأصّلة في الإدارة الجبائية، لما لها من دور محوري في تعزيز الثقة بين المواطن والإدارة، وتنمية الحسّ الجبائي لدى المتعاملين الاقتصاديين.

فالغاية ليست فرض إجراء جديد بالقوة، بل إقناع المعنيين بأهميته وجدواه، من خلال المرافقة والتفسير وتبسيط الإجراءات، وهو ما من شأنه أن يُسهم في رفع نسب الامتثال الطوعي، وتحسين مردودية المنظومة الجبائية بصفة عامة.



الفوترة الإلكترونية… مسار تشريعي متدرّج

تعود بدايات إقرار الفوترة الإلكترونية إلى قانون المالية لسنة 2016، حيث تمّ التنصيص عليها لأول مرة، تلاه صدور أمر تطبيقي ومذكرة عامة حدّدت الفئات المعنية بها. وشملت هذه الفئات، في مرحلة أولى، الشركات الخاضعة للإدارة العامة للمؤسسات الكبرى، خاصة في معاملاتها مع الدولة، إضافة إلى بعض القطاعات الحيوية على غرار الأدوية (باستثناء تجّار التفصيل) وقطاع المحروقات.

ومع صدور قانون المالية لسنة 2026، تمّ التوسّع في مجال تطبيق الفوترة الإلكترونية ليشمل قطاع الخدمات بصفة عامة، وذلك انسجاماً مع التوجّه الوطني نحو رقمنة الإدارة وتعزيز شفافية المعاملات الاقتصادية.



لماذا الفوترة الإلكترونية؟

أكد المدير العام للدراسات والتشريع الجبائي أنّ التحوّل من الفوترة الورقية إلى الفوترة الإلكترونية ليس مجرّد تغيير شكلي، بل هو نقلة نوعية في طريقة توثيق المعاملات وحفظها. فهذه المنظومة تضمن حقوق جميع الأطراف، سواء مُسدي الفاتورة أو متلقيها، كما تُتيح حفظ الفواتير رقمياً وبطريقة منظمة لدى الهيكل المكلّف بالأرشفة.

وتُمثّل الفوترة الإلكترونية، في هذا السياق، مصدراً موثوقاً للمعلومات بالنسبة لإدارة الجباية، بما يُمكّنها من متابعة المطالبين بالأداءات بشكل أدقّ وأسرع، ويحدّ من التجاوزات أو التلاعب بالفواتير.


مشروع وطني وقيمة مضافة للإدارة

تُصنّف الفوترة الإلكترونية ضمن المشاريع الوطنية الكبرى، نظراً لما تحمله من قيمة مضافة حقيقية في مسار إصلاح الإدارة الجبائية. ومن شأن نجاح هذا المشروع أن يُحدث قفزة نوعية في معالجة المعاملات، عبر اعتماد منظومة رقمية حديثة تُسهّل عمليات التصريح والمراقبة والتدقيق.

وتستند الوزارة في هذا التوجّه إلى تجارب سابقة ناجحة، على غرار منظومة آلات التسجيل، التي أثبتت نجاعتها في تحسين الشفافية ومقاومة التهرّب الجبائي في عدد من القطاعات.


من المعنيّ بالفوترة الإلكترونية؟

ينصّ القانون بصيغة عامة على مصطلح “الخدمات”، أي أنّ جميع مقدّمي الخدمات معنيون دون استثناء، ويُقدّر عددهم بحوالي 340 ألف شخص ومنشأة. غير أنّ الوزارة توضّح أنّ هذا التعميم لا يعني تطبيقاً فورياً على الجميع، بل يخضع لمبدأ التدرّج والمرحلية.

وبالنسبة للأشخاص والمنشآت التي تتمتّع معاملاتهم أصلاً بالشفافية، فإنّ التغيير يقتصر على التحوّل من الفاتورة الورقية إلى نظيرتها الإلكترونية، مع المحافظة على نفس المعطيات والتصاريح. أمّا الخاضعون للنظام التقديري، فهم مطالبون باعتماد الفوترة الإلكترونية فقط عند تجاوز قيمة معاملاتهم سقفاً مالياً محدّداً.



دعوة للانخراط القانوني

وفي ختام هذا التوجّه الإصلاحي،دعا المدير العام للدراسات والتشريع الجبائي بوزارة المالية المعنيين إلى التقدّم بمطالبهم لدى الهياكل المختصّة، بما يضعهم في وضعية قانونية سليمة، ويُسهّل عملية اندماجهم في منظومة الفوترة الإلكترونية.

وتبقى الرسالة الأساسية واضحة: الفوترة الإلكترونية ليست أداة للعقاب، بل وسيلة لتنظيم الاقتصاد، وتعزيز الشفافية، وبناء علاقة ثقة جديدة بين الإدارة والمتعاملين، في أفق إدارة جبائية عصرية، رقمية وعادلة.

مفيدة مرابطي

Related posts

تطاوين: ايقاف 4 أشخاص بشبهة تهريب أدوية بين تونس وليبيا

marwa

التوقعات الجوية لهذه الليلة

Moufida Ayari

وزير الخارجية يستقبل أحد الكفاءات التونسية المتفوّقة في مجال الذكاء الاصطناعي بالخارج

Moufida Ayari

Leave a Comment