17.9 C
تونس
28 فبراير، 2026
الصفحة الأولى رأي

الافتتاحية/الصمود المالي …. استراتيجية واعية ونتائج ملموسة

تقف بلادنا اليوم في  مرحلة حاسمة في مسارها الاقتصادي والمالي، وقد أثبتت قدرتها على الصمود في مواجهة تحديات كبيرة ومعقدة.

ويبدو ان الصمود المالي لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة استراتيجيات واضحة وضعت على أساس التخطيط الدقيق، وأدت إلى تسيير موارد الدولة بكفاءة عالية، مع تحقيق توازن بين الالتزامات الداخلية والخارجية، وضمان استمرار المشاريع التنموية الحيوية حيث ان الإدارة العامة، بمواردها وكوادرها، لعبت دورا مركزيا في هذا الصمود، متخذة خطوات مدروسة لتجاوز الصعوبات، وتحويل الأزمات إلى فرص للتعافي وإعادة البناء.

لقد أظهرت التجربة المالية الراهنة أن الصمود لا يقتصر على ضبط الإنفاق أو مراقبة الدين العام فحسب، بل يشمل قدرة الإدارة على التخطيط بعيد المدى، واتخاذ القرارات الاستراتيجية في توقيتاتها الصحيحة. وقد اثبت التوازن بين الإيرادات والنفقات العامة، والحرص على توجيه القروض والتمويلات إلى المشاريع المهيكلة، فعالية الإدارة المالية في ضمان استقرار البلاد، وعدم تحويل الموارد إلى أعباء مالية إضافية. والصمود المالي هنا يعني إدارة واعية للموارد، وإحكام الرقابة على الإنفاق، وتقديم ضمانات للمواطنين والمستثمرين على حد سواء بأن السياسات المالية قائمة على أسس سليمة وشفافة.

كما يبدو ان النجاح في الصمود المالي مرتبط أيضا بصبر المواطنين وتحملهم للضغوط الاقتصادية حيث كان هذا عنصرا رئيسيًا في نجاح الاستراتيجيات الحكومية، حيث ساهم هذا الانضباط الاجتماعي في توفير مساحة للتخطيط الاستراتيجي، ومكن الإدارة من تنفيذ المشاريع الحيوية دون انقطاع أو تعطيل و هنا يتجلى التنسيق بين الإدارة والوظيفة التنفيذية، الذي أثبت فعاليته في مواجهة التحديات المالية والاقتصادية المعقدة.

ولا يتحقق الصمود المالي إلا من خلال وضوح البرنامج الحكومي ومرونته في التطبيق وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن الحكومة نجحت في تقديم خطة مالية متكاملة، تربط بين السياسات الاقتصادية والاستراتيجيات القطاعية، من الفلاحة إلى الطاقة والتعليم، ما يعكس إدراكًا رصينًا لأهمية التوازن بين القطاعات الحيوية، وضمان استدامة التنمية على الرغم من الضغوط المتراكمة على المالية العمومية.

و لا يمكن إغفال دور الإصلاحات التشريعية والإدارية في تعزيز الصمود المالي فقد عملت الإدارة بشكل جزئي و تدريجي على تبسيط الإجراءات، ومراجعة التعقيدات الإجرائية، بما يضمن تنفيذ السياسات المالية بكفاءة وسرعة حيث ان الإصلاحات لم تتوقف عند القوانين وحدها، بل شملت تطوير آليات الرقابة والمتابعة، ورفع مستوى الشفافية، بما يتيح اتخاذ القرارات التصحيحية بسرعة عند الحاجة، وهو ما يعكس رؤية حكومية واعية تتحسس طريقها و تهدف إلى تعزيز القدرة الوطنية على مواجهة الأزمات وإدارة الموارد بذكاء وفعالية.

و تؤكد التجربة  أن الصمود المالي يرتبط مباشرة بالقدرة على إدارة الموارد الاستراتيجية، بما في ذلك الطاقة والبنية التحتية، التي تعتبر حجر الزاوية في النهضة الاقتصادية و إدارة هذه الموارد بشكل حذر ومدروس يضمن عدم تحويلها إلى أدوات تبعية، ، ويضمن استدامة التمويل للمشاريع التنموية الكبرى، بما يحمي مصالح الأجيال القادمة.

كما أن القدرة على مواجهة التحديات الدولية تمثل جزءا لا يتجزأ من الصمود المالي سواء من خلال وضع استراتيجيات واضحة للتكيف مع التحولات الاقتصادية العالمية، او لتعزيز القدرة الإنتاجية الداخلية، دوعم الاكتفاء الذاتي في بعض المجالات، وتطوير القدرة التصديرية ذلك ان هذه الخطوات تعطي الدولة موقعا تفاوضيًا أقوى على الساحة الدولية، وتوفر حماية أفضل للاقتصاد الوطني في مواجهة التغيرات الجيوسياسية والضغوط الاقتصادية العالمية.

ان النجاح في الصمود المالي يظهر جليًا في قدرة الدولة على الاستمرار في تنفيذ المشاريع الكبرى رغم محدودية الموارد، وتحقيق التوازن بين الالتزامات المختلفة، وضمان تنفيذ استراتيجيات تعزز التنمية المستدامة. القدرة على اتخاذ قرارات مدروسة، وتوفير إطار قانوني مستقر، وإدارة المخاطر الاقتصادية بذكاء ومرونة، كلها عناصر عززت من قوة الدولة ومكنت الاقتصاد من التعافي تدريجيًا بعد الصدمات الماضية.

والصمود المالي هو قدرة على التنفيذ، واتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب، وتوجيه الموارد بطريقة استراتيجية، بما يعكس كفاءة الإدارة والتخطيط السليم، ويضمن استمرار المشاريع الحيوية دون تعطيل. هذه القدرة على التكيف والتحرك بمرونة تُظهر أن تونس ليست فقط قادرة على مواجهة الأزمات، بل تستطيع تحويل التحديات إلى فرص للنمو والتنمية المستدامة.

والتجربة التونسية في الصمود المالي تمثل نموذجًا جيدا لأنها تجمع بين التخطيط الاستراتيجي، وضبط الإنفاق، والرقابة الدقيقة، وإدارة الموارد الحيوية، مع تعزيز ثقة المواطنين والمستثمرين في الدولة و هذه المعادلة المتكاملة تضمن قدرة تونس على الاستمرار في تحقيق مشاريعها التنموية، وتحافظ على السيادة الوطنية، وتعزز قدرتها على مواجهة أي تحديات مستقبلية بثقة واستقرار.

ويمكن القول ان الصمود المالي لتونس هو رسالة واضحة للعالم، مفادها أن الدولة تستطيع إدارة مواردها بذكاء، وحماية استقلال القرار الوطني، وضمان استمرارية التنمية، مع تحقيق التوازن بين مصالح الأجيال الحالية والمستقبلية. إنه نموذج للاستقرار الاقتصادي، وقوة الإدارة، وثقة المواطنين، وفاعلية السياسات المالية، التي مكنتها من التعافي، وتحقيق استقرار ملموس في وقت قياسي، رغم الأزمات والتحديات المحلية والدولية.

Related posts

سعيّد خلال لقائه برئيسة الحكومة: حان الوقت لإبعاد هؤلاء..

صابر الحرشاني

مشروبات تاريخية في رمضان…”قمر الدين” أشهرها و”الروينة” أنفعها

صابر الحرشاني

بالفيديو…كأس افريقيا…تعرف على جدول مباريات نسور قرطاج

صابر الحرشاني

Leave a Comment