19.5 C
تونس
4 مارس، 2026
اقتصاد رأي

الافتتاحية/ مجلة الصرف بين ضرورات التحرير وهواجس التوازن

يعيد النظر في مقترح قانون لاصدار مجلة الصرف صلب لجنة المالية والميزانية بالبرلمان النقاش من جديد حول التشريعات الضرورية التي يحتاجها الاقتصاد اليوم للانفتاح وتعزيز حرية المبادرة بالتوازي مع المحاذير الموجودة.

ويعود الاطار المنظم للصرف في بلادنا الى سبعينات القرن الماضي، حين اعتمد المشرع نصوصا صيغت في سياق اقتصادي مغاير تماما للواقع الحالي، فحينها اتسم الاقتصاد بدرجة اكبر من التوجيه، اما اليوم فيتحرك الاقتصاد في فضاء مفتوح نسبيا، وتتوسع التجارة الالكترونية، ويتعامل شباب تونسيون مع منصات دولية، وتنجز خدمات رقمية تعبر الحدود في لحظات، و بين المرحلتين تتسع الفجوة، ويزداد الضغط من اجل مراجعة القواعد.

ويفرض الواقع الحالي تعصير منظومة الصرف، دون وجود هوامش لتأجيل الاصلاح، ذلك ان الاف التونسيين يمارسون اليوم انشطة رقمية، ويحققون مداخيل بالعملة من الخارج، ويبحثون عن اطر قانونية واضحة تسمح لهم بفتح حسابات بالعملة واستعمالها في نطاق مضبوط، غير ان النصوص الحالية تضعهم امام اجراءات معقدة، وتخضع بعض العمليات لتراخيص قد تطول اجالها، ما يخلق ضبابية قانونية تدفع بالبعض الى البحث عن حلول خارج المسار المنظم.

وفي الوقت الذي تفرض طبيعة المعاملات الاقتصادية الدولية السرعة والمرونة،  تكرس الاجراءات المعتمدة اليوم مسارات ادارية ثقيلة وفق الخبراء و اهل الاختصاص، كما تتطلع مؤسسات صغرى ومتوسطة الى التوسع خارجيا، وتبحث عن تحويل مبالغ للاستثمار او لفتح فروع، لكنها تصطدم باجال غير مضبوطة وبسلطة تقديرية قد تربك خططها و يلاحظ خبراء المجال الاقتصادي انه حين يتاخر القرار، تتراجع فرص السوق، وحين تتعقد المسارات، ترتفع الكلفة غير المباشرة.

كما تطرح حالات المقيم وغير المقيم اشكالات عملية ، فعندما يحتفظ تونسي مقيم بالخارج بنشاط اقتصادي في الداخل على سبيل المثال، او تنشئ شركة فروعا في اكثر من بلد، تتداخل الصفات وتتشابك الالتزامات، ولا يحتمل مثل هذا التعقيد تاويلات متباينة، بل يقتضي تعاريف دقيقة ومعايير واضحة تضبط مركز النشاط ومدة الاقامة وطبيعة العمليات، و كل غموض في هذا المجال ينعكس مباشرة على الحسابات بالعملة وعلى واجب اعادة العائدات.

كما يشكو البعض من المستثمرين من  طول اجراءات تحويل الارباح او عائدات التفويت رغم توفر ضمانات قانونية فيما يصطدم باعثو مؤسسات ناشئة باشكاليات عند تمويل شركاتهم عبر منصات دولية او مستثمرين اجانب، حيث يطرح تصنيف العمليات بين جارية وراس مال تحديات عملية تترتب عنها تراخيص اضافية.

ويحتل ملف الحسابات بالعملة مكانة حساسة في هذا النقاش، حيث يطالب عاملون في مجالات تكنولوجية وفي التجارة عبر الانترنت بمرونة اكبر في فتح حسابات بالعملة وتوظيفها، ويرون في ذلك اداة لادماج انشطتهم في الدورة الرسمية. في المقابل، ثمة تشديد على ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية وحماية احتياطي البلاد من العملة الصعبة، خاصة في ظل حاجة ملحة الى تمويل واردات حيوية كالدواء والتجهيزات والطاقة.

ويفرض هذا التباين البحث عن صيغة متوازنة حيث لا يحقق المنع المطلق ادماجا حقيقيا، ولا يضمن الاطلاق الكامل حماية كافية و بالتالي فان الحل يقتضي ضبط مصادر تغذية الحسابات وربطها بمداخيل حقيقية ومصرح بها، مع تكريس رقابة لاحقة فعالة بدل التعقيد القبلي الذي يرهق المتعاملين دون ان يمنع المخالفات وهو ما تشتغل عليه الحكومة من مدّة في التنقيحات الجوهرية المرتقبة لمجلة الصرف.

ومن المهم ملاحظة ان التحول الرقمي بات يفرض ايقاعه على الاقتصاد الوطني في الوقت الذي يعمل فيه جيل جديد بعقل عالمي، ويتحرك في فضاء لا تعترف حدوده بالقيود التقليدية من غير المنطقي ان تبقي المنظومة القانونية على منطق قديم، وان تدفع جزءا من النشاط الى الهامش. وحين تندفع نحو تحرير غير محسوب، تعرض التوازنات لمخاطر اضافية و بين هذين الخيارين يجب ان يتحرك الخيار برؤية استراتيجية بعيدة المدى.

ويرى نواب الشعب أن اصلاح منظومة الصرف يقتضي حوارا واسعا يشارك فيه خبراء الاقتصاد والفاعلون المهنيون ورواد الاعمال وممثلو الجالية بالخارج من اجل صياغة توازن دقيق بين الحرية والمسؤولية. فالمسالة لا تتعلق بنص تقني فحسب، بل تمس صورة تونس كوجهة استثمار، وتمس علاقتها برساملها البشرية والمالية، و هذا الحوار فضاءه الطبيعي المفترض هو المؤسسة التشريعية.

يبدو أن تعصير منظومة الصرف فرصة لاعادة ترتيب العلاقة بين الاقتصاد الوطني ومحيطه العالمي، حيث يمكن ان يفتح افقا جديدا للنمو والاستثمار اذا احسن تصميمه وتنفيذه، يظل الخيار في النهاية بين اصلاح متوازن يستجيب لروح العصر ويحمي التوازنات المالية.

ومن الواضح ان تعديل مجلة الصرف يمكن ان يدعم تنافسية الاقتصاد الوطني عبر تسهيل اندماج المؤسسات في سلاسل القيمة العالمية، وتمكينها من التحرك بسرعة في الاسواق الخارجية دون عراقيل اجرائية معقدة. كما يسمح الاصلاح بتطوير الخدمات المالية وتعزيز الابتكار البنكي، بما يشجع على استقطاب استثمارات جديدة ويوفر ادوات تمويل اكثر تنوعا للمؤسسات الناشئة، ويساهم التحديث كذلك في تحسين تصنيف تونس في مؤشرات مناخ الاعمال، وفي تقليص النزاعات المرتبطة بالمخالفات الصرفية نتيجة الغموض التشريعي، ما يرسخ الشفافية ويعزز الامتثال الطوعي ويقوي موارد الدولة على المدى المتوسط والبعيد.

Related posts

موجودات العملة الأجنبية تُغطي 119 يوم توريد

marwa

سعيّد يدعو للمرونة في تطبيق الفوترة الإلكترونية إلى حين توفر الآليات التقنية

صابر الحرشاني

تونس وليبيا تبحثان آفاق تعزيز التعاون في مجال البنية التحتية

Ichrak Ben Hamouda

Leave a Comment