تتصاعد انتظارات واسعة لدى الموظفين و الاجراء و المتقاعدين لمعرفة موعد اقرار الزيادة في الاجور التي نص عليها قانون المالية لسنة 2026.
وقد جاء القانون هذه المرة باجراء مختلف عن السنوات السابقة، اذ نص فصل في قانون المالية على اقرار زيادة في اجور القطاعين العمومي و الخاص و كذلك في جراية المتقاعدين، على ان تضبط تفاصيلها بمقتضى امر حكومي يصدر لاحقا.
وادى هذا الترتيب الجديد الى ايجاد مساحة من الترقب و التساؤلات في الوقت ذاته، فبينما اعتاد الرأي العام على ان تكون الزيادات نتيجة مفاوضات اجتماعية طويلة بين الحكومة و المنظمات المهنية و النقابية، جاء هذا الاجراء عبر نص قانوني مباشر دون تحديد دقيق لنسب الزيادة او تاريخ صرفها.
ورغم مرور فترة على دخول قانون المالية حيز التنفيذ، لم يصدر الامر التطبيقي بعد، وهو ما جعل النقاش يتوسع حول اسباب هذا التأخير. فالتفسيرات تعددت بين اعتبارات تقنية و مالية و سياسية، و بين قراءات تربط الموضوع بالوضع الاقتصادي العام و بالضغوط التي تعيشها المالية العمومية في ظرف اقليمي و دولي دقيق.
تعقيدات في الملف
ومن جهة اولى يرى عدد من الخبراء أنّ السبب الاول لتأخر تفعيل الزيادة يعود الى تعقيدات ادارية و تنظيمية مرتبطة بالاختلاف الكبير بين منظومة الاجور في القطاع العمومي و نظيرتها في القطاع الخاص.
فالقطاع العمومي يقوم على سلم اجور واضح يتدرج حسب الاصناف و الرتب و الاقدمية، وهو ما يجعل احتساب اي زيادة عملية تقنية تتطلب مراجعة جداول متعددة و تقدير اثرها على كامل كتلة الاجور في الدولة. كما ان الزيادة لا تهم فقط الموظفين المباشرين بل تشمل كذلك المتقاعدين، وهو ما يستوجب تنسيقا مع الصناديق الاجتماعية لتحديد انعكاساتها على الجرايات.
اما القطاع الخاص فيعتمد منظومة مختلفة تقوم على الاتفاقيات المشتركة القطاعية التي تختلف من قطاع الى اخر. لذلك فان تحديد كيفية تطبيق الزيادة يطرح اسئلة عملية عديدة: هل ستكون نسبة موحدة لكل القطاعات ام زيادة دنيا تضاف الى الاجر؟ وهل ستدخل ضمن الاجر القاعدي ام ضمن المنح؟
و تبدو هذه التفاصيل و في ظاهرها تقنية لكنها تؤثر بشكل مباشر في الكلفة النهائية للاجراء و في طريقة تطبيقه على ارض الواقع. كما ان الحكومة مطالبة باعداد تقديرات دقيقة حتى لا تتحول الزيادة الى عبء غير محسوب على المؤسسات الاقتصادية التي تعاني اصلا من صعوبات مرتبطة بارتفاع كلفة الطاقة و المواد الاولية.
ويضاف الى ذلك ان صياغة الامر الحكومي الذي سيضبط الزيادة يجب ان يمر عبر مسار اداري و قانوني يقتضي استشارات بين عدة وزارات و هياكل، وهو ما يفسر جزءا من الوقت الذي يستغرقه اعداده.
ضغط النفقات و تأثيرات الحرب
في المقابل يذهب تفسير اخر الى ان السبب الرئيسي للتأخير ليس تقنيا بل مالي بالاساس، فزيادة الاجور التي نص عليها قانون المالية تقدر كلفتها بحوالي مليار دينار، و هي ممولة في الميزانية ضمن باب النفقات الطارئة و غير الموزعة.
ويمنح هذا النوع من النفقات الحكومة هامشا من المرونة في التصرف لكنه يبقى مرتبطا بتطور الاوضاع الاقتصادية و المالية خلال السنة. ومع التوترات المتصاعدة في الشرق الاوسط و ما رافقها من تقلبات في اسعار الطاقة و النقل البحري، اصبحت التقديرات المالية اكثر حساسية.
فارتفاع اسعار النفط او اضطراب سلاسل التوريد يمكن ان يرفع كلفة الدعم و التوريد، وهو ما يضغط بدوره على ميزانية الدولة. وفي مثل هذا السياق يصبح اتخاذ قرار بصرف زيادات في الاجور مسألة تحتاج الى حسابات دقيقة حتى لا تؤدي الى اختلالات مالية اوسع.
كما ان تونس مازالت تواجه تحديات تتعلق بتمويل ميزانيتها و الحفاظ على التوازنات الكبرى مثل نسبة العجز و حجم الدين العمومي. لذلك قد يكون التأخير مرتبطا بمحاولة التثبت من قدرة المالية العمومية على تحمل الكلفة الكاملة للزيادة دون المساس ببرامج اخرى.
ومن زاوية اخرى، فان بعض الخبراء يرون ان الحكومة قد تفضل تحديد توقيت صرف الزيادة في فترة من السنة تكون فيها الموارد الجبائية قد بدأت في الارتفاع، بما يسمح بامتصاص الكلفة دون ضغط اضافي على الخزينة.
حسابات
بعيدا عن التفسيرات التقنية و المالية المباشرة، يطرح بعض المختصين قراءة اوسع تتعلق بطبيعة السياسة الاقتصادية التي تمر بها البلاد في هذه المرحلة.
فالزيادة في الاجور ليست مجرد اجراء اجتماعي بل هي ايضا قرار اقتصادي له انعكاسات على التضخم و الاستهلاك و التوازنات المالية. وفي سياق يشهد نسب تضخم مرتفعة نسبيا، تخشى بعض الدوائر الاقتصادية من ان تؤدي الزيادة السريعة في الاجور الى تغذية موجة جديدة من ارتفاع الاسعار.
فحين ترتفع الاجور دون زيادة موازية في الانتاجية قد تلجأ بعض المؤسسات الى تعديل اسعار منتجاتها لتعويض الكلفة الاضافية، وهو ما قد يضعف جزءا من اثر الزيادة على القدرة الشرائية للمواطنين.
ومن جهة اخرى، فان الحكومة تحاول منذ سنوات التحكم في كتلة الاجور في القطاع العمومي التي تعد من بين الاعلى مقارنة بحجم الاقتصاد. لذلك فان تحديد نسبة الزيادة و توقيت صرفها يدخل ايضا في اطار هذا التوازن الدقيق بين الاستجابة للمطالب الاجتماعية و الحفاظ على استقرار المالية العمومية.
كما لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي و السياسي للموضوع. فانتظارات الموظفين و الاجراء ارتفعت بعد ادراج الزيادة صراحة في قانون المالية، وهو ما جعل الكثيرين يعتبرونها مكسبا مؤكدا. وكلما طال انتظار صدور الامر التطبيقي زادت التساؤلات حول اسباب التأخير و حدود الزيادة المنتظرة.
في الوقت ذاته، تدرك الحكومة ان تحسين القدرة الشرائية يظل مطلبا ملحا في ظل ارتفاع كلفة المعيشة. لذلك تبدو المسألة في جوهرها بحثا عن صيغة توازن بين عدة اعتبارات: القدرة المالية للدولة، وضعية المؤسسات الاقتصادية، و حاجيات المواطنين.
ويرى بعض الاقتصاديين ان الحل قد يكون في اعتماد زيادة تدريجية توزع على اكثر من مرحلة خلال السنة، بما يسمح بتخفيف العبء الفوري على الميزانية و في الوقت نفسه يمنح الموظفين و الاجراء اشارة واضحة حول توجه الدولة لتحسين اجورهم.
كما يقترح اخرون ربط جزء من الزيادات مستقبلا بمؤشرات اقتصادية مثل النمو او الانتاجية، حتى تصبح منظومة الاجور اكثر ارتباطا بتطور الاقتصاد الحقيقي.
في كل الاحوال، يبقى صدور الامر الحكومي المنتظر الخطوة الحاسمة التي ستضع حدا لحالة الترقب الحالية. فبمجرد تحديد النسب و تواريخ التطبيق ستتضح الصورة امام الجميع، سواء بالنسبة للموظفين و الاجراء او بالنسبة للمؤسسات الاقتصادية التي ستتكفل بتطبيق الزيادة في القطاع الخاص.
الى ذلك الحين سيظل النقاش مفتوحا حول الاسباب الحقيقية للتأخير، بين من يراه نتيجة تعقيدات ادارية طبيعية و من يربطه بحسابات مالية و اقتصادية اوسع. لكن المؤكد ان ملف الاجور سيبقى في قلب الاهتمام خلال الاشهر القادمة، باعتباره احد الملفات الاجتماعية الاكثر حساسية و ارتباطا بالحياة اليومية للتونسيين.
