22.1 C
تونس
26 مارس، 2026
الصفحة الأولى مجتمع وطنية

لربط الجالية بالوطن…مجلس التونسيبن بالخارج يرى النور قريبا

تمثل الجالية التونسية بالخارج امتدادا حقيقيا للوطن في مختلف القارات، وبينما تتعزز مكانة هذه الجالية اقتصاديا وثقافيا تبرز الحاجة الى اطر مؤسساتية تعيد ربطها ببلادها وتضمن مشاركتها في صياغة مستقبل تونس وتنميتها المستدامة.

و تشهد لجنة العلاقات الخارجية صلب البرلمان حراكا تشريعيا جديدا يرمي الى اعادة الاعتبار لاحدى اهم القضايا الوطنية وهي قضية التونسيين المقيمين بالخارج، و ذلك من خلال دراسة مقترح قانون يتعلق باحداث المجلس الاعلى للتونسيين بالخارج في خطوة ترمي الى تعزيز صلة الجالية بوطنها الام وتمكينها من الاضطلاع بدور اكبر في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وياتي هذا المقترح في ظل رغبة متزايدة لانصاف الجالية التونسية المنتشرة في مختلف دول العالم والتي تمثل رصيدا وطنيا مهما سواء من حيث الكفاءات او من حيث اسهامها في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تحويلاتها المالية واستثماراتها ومساهمتها في التعريف بصورة تونس في الخارج.

كما يعكس هذا التوجه رغبة في تجاوز النقائص التي حالت دون تفعيل تجربة سابقة للمجلس والتي لم تحقق الاهداف المرجوة منها، فالمجلس الاعلى للتونسيين بالخارج كان قد تم ارساؤه سنة 2017 غير انه ولد ميتا بسبب الظرف السياسي الذي شهدته البلاد في تلك الفترة وعدم توفر الارادة الكافية لتفعيله وتحويله الى مؤسسة فاعلة تعبر عن تطلعات الجالية.

ويعود اليوم هذا المشروع الى الواجهة في صيغة جديدة تسعى الى تدارك اخطاء الماضي ووضع اسس واضحة لمؤسسة قادرة على تمثيل التونسيين بالخارج والدفاع عن مصالحهم وربطهم بوطنهم بشكل مستدام.

نحو اطار مؤسساتي دائم للجالية

و تولي لجنة العلاقات الخارجية بمجلس نواب الشعب اهمية خاصة لهذا المقترح التشريعي باعتباره خطوة اساسية في مسار تنظيم العلاقة بين الدولة التونسية وجاليتها المقيمة بالخارج، وتعمل اللجنة منذ فترة على دراسة مختلف جوانب المقترح والاستماع الى عدد من الاطراف المعنية قصد صياغة نص قانوني متوازن يستجيب لتطلعات الجالية ويضمن حسن سير هذه المؤسسة مستقبلا.

وفي هذا الاطار من المنتظر ان تعقد اللجنة جلسة استماع الى وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج باعتبار الوزارة المشرفة على ملفات الجالية، ويهدف هذا الاستماع الى الاطلاع على رؤية الحكومة بخصوص المجلس المرتقب واليات التنسيق بينه وبين الهياكل الرسمية المكلفة بمتابعة اوضاع التونسيين بالخارج.

كما يسعى اعضاء اللجنة الى الاستفادة من مختلف التجارب المقارنة في عدد من الدول التي احدثت مجالس او هياكل مماثلة تعنى بشؤون جالياتها في الخارج، وذلك في اطار الحرص على صياغة نموذج تونسي ناجح قادر على الاستجابة لحاجيات الجالية وعلى تعزيز حضورها في السياسات العمومية.

وتؤكد مصادر برلمانية ان اللجنة تعتزم استكمال دراسة المقترح في اقرب الاجال حتى يتسنى عرضه على الجلسة العامة والمصادقة عليه قبل نهاية الدورة البرلمانية الحالية.

ويبدو ان ان احداث المجلس الاعلى للتونسيين بالخارج يمكن ان يمثل نقطة تحول في علاقة الدولة بجاليتها خاصة اذا ما تم منحه الصلاحيات الكافية والوسائل الضرورية للقيام بمهامه على اكمل وجه.

تجربة 2017 بين التعثر والدروس المستخلصة

و لم تكن فكرة احداث مجلس يعنى بالتونسيين بالخارج جديدة في حد ذاتها، فقد تم بالفعل ارساء المجلس الاعلى للتونسيين بالخارج سنة 2017 في سياق سياسي خاص عاشته البلاد بعد سنوات من التحولات التي شهدتها تونس.

 غير ان تلك التجربة لم تنجح في تحقيق الاهداف المرجوة منها، فقد ولد المجلس في مناخ سياسي اتسم بعدم الاستقرار وبكثرة التجاذبات الامر الذي انعكس سلبا على قدرة هذه المؤسسة على الانطلاق الفعلي وممارسة دورها كما ينبغي.

كما عانت التجربة السابقة من غياب رؤية واضحة تحدد طبيعة صلاحيات المجلس وعلاقته ببقية المؤسسات والهياكل الرسمية. وهو ما جعل دوره يظل محدودا ولم يمكنه من التحول الى فضاء حقيقي لتمثيل الجالية او الدفاع عن مصالحها.

وقد شكل هذا التعثر درسا مهما لاصحاب المبادرة التشريعية من النواب، فاعادة طرح فكرة المجلس اليوم تتم في ظل وعي اكبر بضرورة توفير شروط النجاح منذ البداية سواء على مستوى الاطار القانوني او على مستوى تركيبة المجلس وطريقة عمله.

ويرى عديد الملاحظين ان نجاح المجلس الجديد يقتضي ان يكون فضاء جامعا للكفاءات التونسية بالخارج وان يتمتع بقدر من الاستقلالية يسمح له بالتعبير عن تطلعات الجالية واقتراح السياسات التي من شانها تعزيز ارتباطها بتونس.

كما يشدد هؤلاء على ضرورة ان تكون تركيبة المجلس معبرة عن التنوع الجغرافي للجالية التونسية المنتشرة في اوروبا وافريقيا وامريكا واسيا بما يضمن تمثيلا متوازنا لمختلف مكوناتها.

الجالية التونسية رافعة للتنمية الوطنية

و تشكل الجالية التونسية بالخارج واحدة من اهم الثروات الوطنية التي تزخر بها البلاد. فعدد التونسيين المقيمين خارج الوطن يتجاوز المليونين وهم موزعون على عشرات الدول حيث يساهمون بفاعلية في مختلف القطاعات الاقتصادية والعلمية والثقافية.

ولا يقتصر دور هذه الجالية على البعد الرمزي المرتبط بالانتماء الى الوطن الام بل يتعداه الى مساهمة ملموسة في دعم الاقتصاد الوطني. فحجم التحويلات المالية التي يرسلها التونسيون بالخارج سنويا يمثل موردا هاما للعملة الصعبة ويساهم في دعم التوازنات المالية للبلاد.

كما ان عددا كبيرا من ابناء الجالية تمكنوا من تحقيق نجاحات لافتة في مجالات متعددة مثل البحث العلمي والطب والهندسة وريادة الاعمال. وهو ما يجعل منهم سفراء حقيقيين لتونس في الخارج ويساهم في تعزيز صورة البلاد على الساحة الدولية.

وفي هذا السياق يكتسي احداث المجلس الاعلى للتونسيين بالخارج اهمية خاصة باعتباره يمكن ان يشكل منصة مؤسساتية لتثمين هذه الطاقات والكفاءات وربطها بشكل افضل بمسار التنمية في تونس.

فالمجلس المرتقب يمكن ان يلعب دورا مهما في تشجيع الكفاءات التونسية بالخارج على المساهمة في مشاريع تنموية داخل البلاد سواء عبر الاستثمار او عبر نقل الخبرات والتجارب التي اكتسبوها في بلدان الاقامة.

كما يمكن لهذا المجلس ان يكون فضاء للحوار بين الجالية ومختلف مؤسسات الدولة بما يتيح طرح الاشكاليات التي يواجهها التونسيون بالخارج والعمل على ايجاد حلول عملية لها.

ومن بين هذه الاشكاليات مسائل تتعلق بالخدمات القنصلية او بالاستثمار او بالمحافظة على الهوية الثقافية للاجيال الجديدة من ابناء الجالية.

ويؤكد عدد من المختصين في قضايا الهجرة ان تثمين دور الجالية التونسية لا يقتصر على البعد الاقتصادي فحسب بل يشمل ايضا البعد الثقافي والحضاري. فالتونسيون المقيمون بالخارج يساهمون بشكل كبير في التعريف بالثقافة التونسية ونشر قيمها في المجتمعات التي يعيشون فيها.

كما ان العديد منهم يحرصون على الحفاظ على ارتباط قوي بالوطن من خلال زيارة تونس بانتظام والمشاركة في مختلف التظاهرات الثقافية والاجتماعية التي تقام في البلاد.

ومن هذا المنطلق فان احداث المجلس الاعلى للتونسيين بالخارج قد يمثل خطوة مهمة نحو تعزيز هذا الارتباط وترسيخ الشعور بالانتماء لدى ابناء الجالية خاصة لدى الاجيال الجديدة التي ولدت ونشات خارج تونس.

ويرى مراقبون ان نجاح هذه المبادرة التشريعية سيساهم في فتح صفحة جديدة في علاقة الدولة التونسية بجاليتها في الخارج. فبدل ان تظل هذه العلاقة مقتصرة على مناسبات محددة يمكن للمجلس الجديد ان يؤسس لشراكة دائمة تقوم على الحوار والتعاون وتبادل الافكار والمبادرات.

Related posts

بعد الأمطار الغزيرة : معهد الرصد الجوي يسند اللون الأصفر لهذه المناطق ويحذر

root

لجنة التشريع العام تحدد أولوياتها للفترة المقبلة

Moufida Ayari

ديوان البحرية التجارية والموانئ: إمضاء عقد صنع واقتناء 6 جرارات بحرية متطوّرة

Ichrak Ben Hamouda

Leave a Comment