23.5 C
تونس
1 يونيو، 2026
الصفحة الأولى صحة مجتمع

تطبيع كبير مع ظاهرة التدخين…حتى لا نخسر حربنا ضد التبغ

في كل سنة، يحل يوم 31 ماي، اليوم العالمي للامتناع عن التبغ، حاملا معه أرقاما صادمة وتحذيرات متكررة بشأن واحدة من أخطر الآفات الصحية التي ما تزال تتوسع في العالم وفي بلادنا بشكل لافت.

وبينما تواصل الدول تشديد قوانينها ضد التدخين، ما يزال المشهد اليومي في الشوارع والمقاهي والإدارات ووسائل النقل العمومي في تونس يكشف حضورا كثيفا للسجائر، وسط ضعف واضح في تطبيق القانون وتنامي ظاهرة التهريب وانتشار التدخين بين فئات عمرية أصغر سنا.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن التبغ يتسبب سنويا في وفاة أكثر من 8 ملايين شخص حول العالم، من بينهم نحو 1,3 مليون وفاة بسبب التدخين السلبي، أي نتيجة استنشاق دخان الآخرين. كما تشير المنظمة إلى أن نصف المدخنين تقريبا يموتون بسبب أمراض مرتبطة مباشرة بالتبغ، على غرار السرطان وأمراض القلب والشرايين والجهاز التنفسي.

أما في تونس، فتظهر البيانات الرسمية أن نسبة التدخين ما تزال مرتفعة، خاصة لدى الرجال والشباب. وتشير تقديرات منشورة ضمن دراسات وطنية إلى أن نحو 50 بالمائة من الرجال البالغين في تونس مدخنون، في حين تشهد السجائر الإلكترونية والمنتجات البديلة انتشارا متزايدا بين المراهقين والتلاميذ.

 

فضاءات عمومية يعلوها الدخان

 

ورغم وجود قوانين تمنع التدخين في عدد من الفضاءات العمومية المغلقة، فإن تطبيق هذه القوانين يبقى محدودا. فداخل كثير من المقاهي والمطاعم وحتى بعض الإدارات ، يتحول التدخين إلى أمر عادي، بينما يجد غير المدخنين أنفسهم مجبرين على استنشاق الدخان يوميا.

وينص القانون التونسي على منع التدخين في المؤسسات الصحية والتربوية ووسائل النقل العمومي وعديد الفضاءات المغلقة، غير أن غياب الرقابة الفعلية والعقوبات الرادعة جعل المخالفات تتكرر دون خوف من المحاسبة.

ويؤكد اطباء و مختصون أن التدخين السلبي يمثل خطرا حقيقيا لا يقل خطورة عن التدخين المباشر، خاصة بالنسبة للأطفال والحوامل ومرضى الربو والحساسية، كما تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن التعرض المزمن لدخان السجائر يرفع بشكل كبير احتمالات الإصابة بأمراض القلب وسرطان الرئة والسكتات الدماغية.

ويطالب عدد من الأطباء والناشطين بضرورة إطلاق حملات مراقبة فعلية داخل الفضاءات العامة، وعدم الاكتفاء بالنصوص القانونية، فيما ويرى متابعون أن نجاح أي سياسة لمكافحة التدخين يمر حتما عبر فرض احترام القانون، تماما كما يحدث مع مخالفات المرور أو السلامة الصحية.

 

السجائر المهربة… تجارة تنمو في الظل

 

والى جانب التدخين التقليدي، تواجه بلادنا تحديا متفاقما يتمثل في الانتشار الكبير للسجائر المهربة، التي أصبحت تغزو الأسواق والأحياء الشعبية وحتى بعض المحلات التجارية.

وتشير تقديرات متداولة في تقارير اقتصادية إلى أن نسبة هامة من السجائر المتداولة في تونس تدخل عبر مسالك التهريب، ما يحرم خزينة الدولة من مداخيل جبائية بمئات الملايين من الدنانير سنويا.

ولا تتوقف خطورة هذه التجارة عند الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد أيضا إلى الجانب الصحي، باعتبار أن جزءا من السجائر المهربة لا يخضع للرقابة الصحية والمخبرية المطلوبة، وهو ما قد يعني احتواءها على نسب أعلى من المواد السامة والمعادن الثقيلة.

كما ساهمت السجائر المهربة في جعل الأسعار أكثر انخفاضا مقارنة بالمنتجات القانونية، وهو ما شجع فئات أوسع، وخاصة الشباب والمراهقين، على اقتناء السجائر بسهولة أكبر.

ويرى خبراء أن مقاومة هذه الظاهرة تتطلب تشديد الرقابة على الحدود والمسالك التجارية، إلى جانب تكثيف الحملات ضد نقاط البيع العشوائية، كما يدعو مختصون إلى فرض عقوبات صارمة على شبكات التهريب التي تستفيد من الطلب المرتفع على التبغ.

 

المراهقون والسجائر الإلكترونية

 

و في السنوات الأخيرة، لم يعد التدخين مقتصرا على السجائر التقليدية فحسب، بل ظهرت السجائر الإلكترونية كمنتج جديد يستهدف بشكل خاص المراهقين والشباب عبر النكهات والألوان والتسويق المكثف على شبكات التواصل الاجتماعي.

وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن شركات التبغ تستعمل تقنيات تسويقية جديدة لجذب الفئات الصغرى سنا، عبر تقديم السجائر الإلكترونية باعتبارها “أقل ضررا” أو “عصرية”، رغم أن آثارها الصحية طويلة المدى ما تزال محل جدل وتحذير.

وفي بلادنا، أصبحت هذه المنتجات تباع أحيانا بشكل علني داخل بعض المحلات أو عبر الإنترنت، مع غياب رقابة كافية على طرق الترويج والبيع، كما يتم تسجيل ارتفاعا في عدد المراهقين الذين يجربون التدخين لأول مرة عبر السجائر الإلكترونية قبل الانتقال لاحقا إلى السجائر التقليدية.

وتشير دراسات دولية إلى أن النيكوتين يؤثر بشكل مباشر على نمو الدماغ لدى المراهقين، وقد يرفع احتمالات الإدمان واضطرابات التركيز والقلق.

ويرى مختصون في التربية والصحة النفسية أن التصدي لهذه الظاهرة لا يمكن أن يقتصر على العقوبات فقط، بل يتطلب أيضا عملا توعويا داخل المدارس والمعاهد والجامعات، مع إشراك الأولياء والمجتمع المدني ووسائل الإعلام.

 

حملات صادمة وقوانين أكثر صرامة

 

وقد نجحت عدة دول خلال السنوات الماضية في خفض نسب التدخين عبر اعتماد سياسات صارمة ومتواصلة، من بينها رفع الضرائب على السجائر، ومنع الإشهار، ووضع صور صادمة على العلب، وفرض غرامات مرتفعة على التدخين داخل الفضاءات العامة.

وفي دول مثل أستراليا وكندا وبريطانيا، ساهمت الصور التحذيرية القوية وحملات التوعية المباشرة في دفع أعداد كبيرة من المدخنين إلى الإقلاع عن التدخين أو التقليل منه.

ويرى مختصون أن تونس في حاجة اليوم إلى مقاربة جديدة أكثر جرأة، تقوم على الانتقال من التوعية التقليدية إلى التوعية الصادمة التي تكشف بشكل مباشر آثار التدخين على الرئتين والقلب والأسنان والشرايين.

كما يدعو أطباء إلى توسيع خدمات الإقلاع عن التدخين داخل المستشفيات ومراكز الصحة الأساسية، وتوفير أدوية ومرافقة نفسية للمدخنين الراغبين في التوقف، خاصة أن الإدمان على النيكوتين يعتبر من أصعب أنواع الإدمان.

وفي المقابل، يظل دور العائلة والمدرسة والإعلام أساسيا في الحد من انتشار ثقافة التدخين، خاصة مع تحول السجائر لدى بعض الشباب إلى سلوك مرتبط بصورة اجتماعية مغلوطة عن “الرجولة” أو “التحرر”.

ويؤكد مختصون أن المعركة ضد ضد التبغ هي أيضا معركة اقتصادية واجتماعية وثقافية فكل سيجارة يتم استهلاكها لا تعني فقط ضررا صحيا، بل تعني أيضا أعباء إضافية على المستشفيات وصناديق التأمين والعائلات.

ومع حلول اليوم العالمي للامتناع عن التبغ، يبدو مجتمعنا مطالبا أكثر من أي وقت مضى بتحويل القوانين إلى واقع فعلي، عبر فرض احترام الفضاءات الخالية من التدخين، وتشديد الحرب على التهريب، وإطلاق حملات توعية قادرة على الوصول إلى الشباب قبل أن يتحول التدخين إلى إدمان دائم.

 

Related posts

وزارة التعليم العالي: انتداب وترقية مدرّسين باحثين

Ichrak Ben Hamouda

تتويج 30 فائزا في اختتام الدورة الثالثة للبطولة الوطنية للمطالعة

Ichrak Ben Hamouda

رابطة الهواة لكرة القدم المستوى 2  ( الجولة 6 إيابا )

صابر الحرشاني

Leave a Comment