من فيينا إلى بروكسيل… نسور قرطاج بين جرس الإنذار وآمال التألق العالمي
لم يكن مساء الإثنين الماضي عادياً بالنسبة إلى المنتخب الوطني التونسي. ففي ملعب “إرنست هابل” بالعاصمة النمساوية فيينا، سقط نسور قرطاج بهدف دون رد أمام المنتخب النمساوي في أول اختبار ودي ضمن المرحلة الأخيرة من التحضيرات لكأس العالم 2026. ورغم أن النتيجة لم تكن إيجابية، فإن ما حملته المباراة من مؤشرات فنية وتكتيكية قد يكون أكثر أهمية من النتيجة ذاتها بالنسبة إلى المدرب صبري اللموشي وجهازه الفني.اليوم، وبعد أيام قليلة من تلك المواجهة، تتجه الأنظار نحو بروكسيل حيث ينتظر المنتخب الوطني اختباراً أكثر صعوبة أمام المنتخب البلجيكي يوم السبت المقبل في آخر محطة ودية قبل السفر إلى أمريكا الشمالية لخوض غمار كأس العالم. مباراة لا تقتصر أهميتها على بعدها التحضيري فحسب، بل تمثل فرصة أخيرة للوقوف على حقيقة جاهزية المجموعة قبل مواجهة عمالقة الكرة العالمية.
خسارة النمسا… نتيجة سلبية وأداء يحمل رسائل مختلفة
قد يقرأ البعض نتيجة مباراة النمسا من زاوية واحدة عنوانها الهزيمة، لكن المتابع الدقيق للمباراة يدرك أن الصورة أكثر تعقيداً من مجرد خسارة بهدف دون مقابل.فقد دخل المنتخب الوطني اللقاء بشخصية واضحة، وتمكن خلال فترات عديدة من فرض أسلوب لعبه، بل كان قريباً من التسجيل في أكثر من مناسبة خلال الشوط الأول. وكادت محاولات حنبعل المجبري وفراس شواط وأنيس بن سليمان أن تمنح الأسبقية لتونس لولا سوء الحظ وتألق الدفاع النمساوي. والأهم من ذلك أن المنتخب النمساوي لعب جزءاً كبيراً من المباراة بعشرة لاعبين بعد إقصاء كونراد لايمر، وهو ما جعل الجماهير التونسية تنتظر استغلالاً أفضل للتفوق العددي. غير أن النجاعة الهجومية غابت مرة أخرى، قبل أن يخطف مارسيل سابيتزر هدف الفوز للنمسا في الدقيقة 63.ورغم الخسارة، خرج صبري اللموشي بعدة ملاحظات إيجابية. فالمنتخب أظهر انضباطاً تكتيكياً محترماً، كما نجح في خلق فرص حقيقية أمام منتخب أوروبي يمر بفترة ممتازة. لكن في المقابل، برزت من جديد المعضلة الهجومية التي لازمت المنتخب خلال السنوات الأخيرة، والمتمثلة في غياب اللمسة الأخيرة أمام المرمى.
صبري اللموشي… مشروع تجديد يواجه أول امتحان عالمي
منذ عودته إلى قيادة المنتخب الوطني، اختار صبري اللموشي السير في طريق قد تبدو صعبة لكنها ضرورية. فقد قرر المدرب التونسي الشروع في عملية تجديد تدريجية للمجموعة الوطنية، مع الاعتماد على عناصر شابة قادرة على منح المنتخب نفساً جديداً.ولم يتردد اللموشي في اتخاذ قرارات جريئة تمثلت في استبعاد بعض الأسماء المخضرمة التي شكلت العمود الفقري للمنتخب خلال السنوات الماضية، على غرار فرجاني ساسي وياسين مرياح، مقابل منح الفرصة لعناصر جديدة وشابة من أجل بناء منتخب أكثر حيوية للمستقبل. كما شهدت القائمة النهائية انضمام أسماء واعدة على غرار راني خضيرة وخليل العياري وريان اللومي.هذه الاختيارات أثارت نقاشاً واسعاً داخل الشارع الرياضي التونسي. فهناك من يرى أن المنتخب يحتاج إلى دماء جديدة، بينما يعتبر آخرون أن عامل الخبرة يبقى أساسياً في بطولة بحجم كأس العالم. لكن اللموشي يبدو مقتنعاً بأن نجاح المشروع يمر عبر الجرأة في اتخاذ القرار وعدم الاكتفاء بالأسماء التي صنعت الماضي.
حنبعل المجبري… مفتاح الإبداع في منتخب يبحث عن الحلول
إذا كان هناك لاعب يختزل آمال الجماهير التونسية في هذه المرحلة، فهو دون شك حنبعل المجبري. لاعب الوسط الشاب أصبح اليوم القلب النابض للمنتخب الوطني، والعنصر القادر على صنع الفارق في الثلث الأخير من الملعب. وقد أكد خلال مواجهة النمسا أنه يمتلك الجرأة والشخصية اللازمتين لتحمل المسؤولية، حيث كان من أخطر اللاعبين على أرضية الميدان.ويراهن اللموشي بشكل كبير على قدرات حنبعل من أجل فك الشيفرات الدفاعية للمنتخبات المنافسة، خاصة أن المنتخب التونسي يفتقد في الوقت الراهن إلى لاعب هجومي قادر بمفرده على حسم المباريات الكبرى.
بلجيكا… اختبار من الحجم الثقيل
إذا كانت مواجهة النمسا قد مثلت جرس إنذار، فإن مباراة بلجيكا ستكون بمثابة امتحان حقيقي قبل دخول المونديال.المنتخب البلجيكي يدخل اللقاء بمعنويات مرتفعة بعد فوزه على كرواتيا بهدفين دون رد، في مباراة شهدت عودة المهاجم روميلو لوكاكو إلى التسجيل بقميص الشياطين الحمر. كما يضم المنتخب البلجيكي أسماء ثقيلة مثل كيفن دي بروين ويوري تيليمانس وتيبو كورتوا، ما يجعل المواجهة اختباراً مثالياً للمنتخب التونسي قبل انطلاق البطولة العالمية.وسيحاول اللموشي خلال هذه المباراة الإجابة عن عدة أسئلة ما تزال مطروحة هل استقر فعلاً على التشكيلة الأساسية؟ و هل يملك المنتخب الحلول الهجومية الكافية؟ هل يستطيع مجاراة نسق المنتخبات الأوروبية الكبرى؟ وهل نجحت عملية التجديد في خلق توازن بين الخبرة والشباب؟ كل هذه الأسئلة قد تجد جزءاً من إجاباتها في بروكسيل مساء السبت.
مجموعة نارية في انتظار نسور قرطاج
ما يزيد من أهمية مباراة بلجيكا هو أن المنتخب التونسي يدرك جيداً أن هامش الخطأ في كأس العالم سيكون محدوداً للغاية.فقد أوقعت القرعة تونس في مجموعة قوية تضم هولندا واليابان والسويد، وهي منتخبات تمتلك خبرة كبيرة على الساحة الدولية. وسيستهل نسور قرطاج مشاركتهم بمواجهة السويد يوم 14 جوان، قبل الاصطدام بهولندا ثم اليابان في بقية مباريات الدور الأول.وتاريخياً، لم يسبق للمنتخب التونسي أن تجاوز الدور الأول في كأس العالم رغم مشاركاته المتعددة، وهو ما يجعل نسخة 2026 فرصة جديدة لمحاولة كتابة صفحة تاريخية غير مسبوقة.
قوة الدفاع… السلاح الأبرز للمنتخب
من النقاط الإيجابية التي تدعو إلى التفاؤل أن المنتخب التونسي بلغ كأس العالم بعد مسيرة تصفيات قوية تميزت بصلابة دفاعية كبيرة.فقد نجح نسور قرطاج في التأهل دون استقبال أي هدف خلال مشوار التصفيات، وهو رقم يعكس العمل الكبير الذي تم إنجازه على المستوى الدفاعي. ويبدو أن اللموشي يسعى إلى الحفاظ على هذه الهوية التقليدية للمنتخب التونسي، مع محاولة تطوير الجانب الهجومي الذي ظل يمثل نقطة ضعف واضحة خلال السنوات الأخيرة.
الجماهير التونسية… بين الحذر والأمل
كالعادة، تنقسم آراء الجماهير التونسية بين متفائل وحذر. فالبعض يرى أن نتائج المباريات الودية لا تعكس بالضرورة مستوى المنتخب الحقيقي، مستشهداً بتجارب عديدة نجحت خلالها منتخبات في التألق بالمونديال رغم نتائج تحضيرية متواضعة. و في المقابل، يعتبر آخرون أن بعض النقائص ما تزال واضحة، خصوصاً على مستوى إنهاء الهجمات واستغلال الفرص السانحة للتسجيل.لكن الجميع يتفق على نقطة واحدة: المنتخب الوطني يمتلك مجموعة من اللاعبين القادرين على تشريف الراية الوطنية إذا ما نجحوا في تقديم أفضل ما لديهم خلال البطولة.
الموعد يقترب
و لم يعد يفصل المنتخب الوطني عن ضربة البداية سوى أيام قليلة. أيام ستكون حاسمة في تحديد ملامح الحلم التونسي في مونديال 2026. مباراة بلجيكا لن تكون مجرد لقاء ودي، بل فرصة أخيرة لتصحيح الأخطاء، وتعزيز الثقة، وصقل الخيارات الفنية قبل الدخول في معترك المنافسة الحقيقية.وبين درس النمسا الصعب واختبار بلجيكا المنتظر، يواصل نسور قرطاج التحليق نحو المجهول الجميل. فالمونديال لا يعترف بالتاريخ ولا بالأسماء، بل بمن يملك الشجاعة والإيمان والطموح لحظة الحقيقة.وفي انتظار صافرة البداية، يبقى الأمل قائماً في أن يكون صيف 2026 مختلفاً… وأن ينجح أبناء صبري اللموشي في كتابة فصل جديد من تاريخ الكرة التونسية، فصل يحمل هذه المرة عنواناً واحداً: تجاوز الحدود التي طالما أوقفت الحلم التونسي عند الدور الأول.
