12 يوليو، 2026
الصفحة الأولى رياضة عالمية

التقدم لا يكفي…لماذا تخسر المنتخبات الافريقية مباريات كانت في متناولها؟


صابر الحرشاني

خرج المنتخب المصري من كأس العالم 2026 وسط جدل واسع رافق بعض القرارات التحكيمية، وتحول الحديث في الساعات التي أعقبت المباراة إلى مطالبات بمحاسبة الحكم، وإعادة عرض اللقطات المثيرة للجدل، والبحث عن أسباب الاقصاء خارج المستطيل الأخضر. غير أن قراءة أكثر هدوءا لما حدث أمام الأرجنتين تفتح بابا آخر للنقاش، بعيدا عن صافرة الحكم، فالمنتخب المصري كان متقدما بهدفين حتى الدقيقة السبعين، قبل أن يقلب المنتخب الأرجنتيني النتيجة خلال الدقائق الأخيرة، وعندما يتقدم فريق على بطل عالمي بهذا الفارق ثم يعجز عن الحفاظ على أفضلية استمرت سبعين دقيقة، يصبح من الصعب تفسير ما حدث بالتحكيم وحده.
هذه المباراة أعادت إلى الواجهة سؤالا يرافق الكرة الافريقية منذ سنوات: لماذا تنجح منتخبات القارة في الوصول إلى لحظات التفوق أمام كبار العالم، لكنها تعجز في كثير من الأحيان عن إدارة تلك اللحظات حتى النهاية؟
المشكلة لا تتعلق بالموهبة، فالكرة الافريقية لم تعد تعاني نقصا في الجودة الفنية، بل على العكس، تضم أغلب المنتخبات الأساسية لاعبين ينشطون في أقوى البطولات الأوروبية، وبعضهم يقود أندية تنافس على دوري أبطال أوروبا. كما لم يعد العامل البدني يمثل نقطة ضعف، بعدما أصبحت المنتخبات الافريقية من بين الأكثر قدرة على مجاراة النسق المرتفع. لكن مباريات المستوى العالي تحسم بعناصر أخرى، أهمها إدارة التفاصيل الصغيرة عندما تبدأ المباراة في التحول.

سيناريو يتكرر

ما حدث لمصر أمام الأرجنتين يقدم مثالا واضحا، فالتقدم بهدفين منح المنتخب المصري أفضلية تكتيكية ونفسية، وكان يفترض أن يفرض على المنافس البحث عن حلول أكثر مخاطرة.
وفي مثل هذه الحالات، يتحول دور الجهاز الفني من البحث عن تسجيل هدف ثالث إلى التحكم في إيقاع المباراة، وإجبار المنافس على استهلاك الوقت، وغلق المساحات، والاحتفاظ بالكرة كلما سنحت الفرصة. لكن الأرجنتين نجحت في جر المباراة إلى النسق الذي تريده، بينما فقد المنتخب المصري القدرة على فرض إيقاعه، وبدأت المساحات تظهر تدريجيا بين الخطوط، ليتحول الضغط الأرجنتيني إلى فرص متتالية انتهت بثلاثة أهداف.
ومن الواضح ان الفرق الكبرى لا تعتمد على جودة لاعبيها فحسب بل على قدرتها على استغلال اللحظة التي يشعر فيها المنافس بالتردد فهدف واحد كفيل بتغيير الحالة الذهنية داخل الملعب. الفريق الذي كان يلعب بثقة يبدأ في التفكير بالمحافظة على النتيجة، بينما يكتسب الطرف الآخر جرعة إضافية من الجرأة وهنا تظهر قيمة الشخصية الجماعية، وهي عنصر لا يصنعه لاعب واحد مهما بلغت موهبته، وإنما يبنى عبر سنوات من المنافسة في أعلى المستويات.
هذا المشهد تكرر مع أكثر من منتخب افريقي، وإن اختلفت التفاصيل ،ففي مونديال قطر 2022، تقدمت غانا على البرتغال بهدفين لهدف، وكانت قريبة من الخروج بنتيجة تاريخية، قبل أن تستقبل هدفين في الدقائق الأخيرة وتخسر 3-2. المباراة كشفت آنذاك أن المنتخب الغاني امتلك الشجاعة الهجومية، لكنه افتقد إلى إدارة اللحظات الأخيرة، فاندفع لاعبوه إلى الأمام في توقيت كان يحتاج إلى مزيد من الانضباط.
وفي مونديال روسيا 2018، صمدت نيجيريا أمام الأرجنتين حتى الدقائق الأخيرة، وكانت نتيجة التعادل كافية لتأهلها إلى الدور الثاني، لكن سوء التغطية داخل منطقة الجزاء منح ماركوس روخو هدف الفوز قبل أربع دقائق من النهاية. مرة أخرى لم يكن الفارق في المهارة، بل في التفاصيل التي تحسم المباريات الكبرى.
الكاميرون بدورها عاشت سيناريو مشابها أمام صربيا في مونديال 2022. بعد أن عادت من تأخر بهدف إلى تقدم بثلاثة أهداف لهدفين، فقدت السيطرة على المباراة خلال دقائق معدودة، لتنتهي المواجهة بالتعادل 3-3. ورغم اختلاف ظروف اللقاء، فإن القاسم المشترك كان العجز عن التحكم في نسق المباراة بعد الوصول إلى وضعية مريحة.
لكن الإنصاف يقتضي أيضا الإشارة إلى أن هذه الظاهرة ليست قاعدة ثابتة، وإلا لما تمكن المغرب من بلوغ نصف نهائي مونديال 2022، حيث قدم المنتخب المغربي نموذجا مغايرا تماما، إذ نجح في حماية تقدمه أمام بلجيكا، ثم صمد أمام إسبانيا طوال 120 دقيقة قبل أن ينتصر بركلات الترجيح، وبعدها حافظ على هدفه أمام البرتغال حتى صافرة النهاية. و لم يكن المغرب يومها الأفضل استحواذا، لكنه كان الأكثر انضباطا، والأكثر قدرة على إدارة الوقت، والأكثر هدوءا تحت الضغط.
والجزائر كذلك قدمت درسا مختلفا في مونديال 2014 أمام ألمانيا. صحيح أنها غادرت المنافسة في ثمن النهائي، لكنها أجبرت بطل العالم لاحقا على خوض وقت إضافي، بعدما حافظت على تنظيمها طوال التسعين دقيقة، و ورغم الفارق الكبير في الإمكانات، لم تنهر المنظومة الدفاعية، ولم يفقد اللاعبون تركيزهم مع تصاعد الضغط الألماني.
وتؤكد هذه النماذج تؤكد أن القضية ليست مرتبطة بالقارة بقدر ارتباطها بطريقة إعداد المنتخبات، فالمنتخب الذي يتدرب على إدارة المباراة عندما يكون متقدما، ويتعود على مواجهة الضغط، ويتعامل مع التغييرات التكتيكية بسرعة، يكون أكثر قدرة على الصمود عندما تشتد المنافسة.
و المفارقة أن أغلب الأجهزة الفنية في إفريقيا تمنح اهتماما كبيرا للجوانب البدنية والخطط الهجومية، لكنها لا تخصص الوقت الكافي لتدريب اللاعبين على السيناريوهات الحرجة وماذا يفعل الفريق إذا سجل المنافس هدفا قبل عشرين دقيقة من النهاية؟ وكيف يتعامل مع ضغط متواصل؟و متى يحتفظ بالكرة؟ ومتى يغامر؟ وكيف يعيد تنظيم خطوطه بعد كل تبديل؟ وهذه التفاصيل تصنع الفارق في البطولات الكبرى.
ولا يمكن تجاهل الجانب الذهني. فالفريق الذي يشعر بأنه قريب من إنجاز تاريخي قد يقع في فخ الخوف من خسارة ذلك الإنجاز ويتحول اللاعب من التفكير في الفوز إلى التفكير في عدم استقبال هدف، فتتراجع الجرأة، ويزداد التردد، وتكثر الأخطاء الفردية. في المقابل، يدخل المنافس مرحلة لا يملك فيها ما يخسره، فيرفع نسق اللعب ويضغط بكل خطوطه وهنا يصبح الحفاظ على الهدوء مهارة لا تقل أهمية عن جودة التمرير أو دقة التسديد.
خروج مصر و ان كان مشرفا للغاية يجب أن يكون مناسبة لإعادة تقييم مفهوم النجاح في الكرة الافريقية فالوصول إلى التقدم أمام منتخب بحجم الأرجنتين ليس أمرا عاديا، لكنه لا يكتمل إلا بالقدرة على حماية ذلك التقدم و البطولات الكبرى لا تتذكر من كان الأفضل في سبعين دقيقة، بل من عرف كيف يعبر الخط الأخير.
ولهذا، فإن تحميل التحكيم وحده مسؤولية الاقصاء قد يمنح تفسيرا مريحا، لكنه لا يقدم حلولا للمستقبل أما مواجهة الأسئلة التكتيكية والذهنية، فهي الطريق الأقصر لتقليص الفجوة مع المنتخبات التي اعتادت الفوز في أصعب الظروف.
لقد أثبتت الكرة الافريقية أنها تملك اللاعبين القادرين على منافسة الأفضل، وما ينقصها اليوم ليس الموهبة، وإنما ثقافة إدارة المباريات عندما يصبح التاريخ على بعد دقائق قليلة.

Related posts

افتتاحية / امريكيا و “استراتيجية الخوف”

صابر الحرشاني

أمطار وانخفاض في درجات الحرارة بداية الاربعاء

صابر الحرشاني

الافتتاحية / رقمنة الادارة بين ضرورات العصر ومخاوف المعطيات الشخصية

صابر الحرشاني

Leave a Comment