43.2 C
تونس
15 يوليو، 2026
الصفحة الأولى متفرقات

التغييرات المناخية اهم تحد يواجه البشرية

صابر الحرشاني

 

تكشف موجة الحر التي اجتاحت اوروبا و شمال افريقيا و شملت بلادنا ان التغييرات المناخية هي اهم تحدي يواجه البشرية في العصر الجديد.

وعندما تضرب موجة حر غير مسبوقة جنوب أوروبا، أو تشتعل حرائق الغابات في كندا، أو تغمر الفيضانات مدنا آسيوية، أو تتراجع الأمطار في شمال إفريقيا، فإن الأخبار تقدم هذه الأحداث عادة باعتبارها حلقات منفصلة من مسلسل التغير المناخي، غير أن الصورة الأشمل تكشف أن العالم يواجه تحولا أكثر عمقا من مجرد ارتفاع في درجات الحرارة أو تزايد في الكوارث الطبيعية، فما يتغير اليوم ليس الطقس فحسب وإنما الأساس الذي قامت عليه الحضارة الحديثة طوال قرون.

لقد شيد الإنسان مدنه وطرقه وسدوده وموانئه وأنظمة إنتاجه الزراعي والصناعي على فرضية بدت بديهية عبر التاريخ، وهي أن المناخ، رغم تقلباته الموسمية، يحتفظ بقدر كبير من الاستقرار على المدى الطويل ، وكانت سنوات الجفاف تأتي وتذهب، وكذلك مواسم الأمطار أو الشتاءات القاسية، لكنها لم تكن تغير القواعد العامة التي اعتمدتها المجتمعات في التخطيط والبناء والاستثمار.

و يبدو ان هذه الفرضية لم تعد صالحة بالدرجة نفسها، فالتغير المناخي لا يعني أن الصيف أصبح أكثر حرارة أو أن الشتاء بات أقصر، بل يعني أن المعدلات التي صممت على أساسها البنية التحتية في مختلف أنحاء العالم بدأت تتغير بوتيرة أسرع من قدرة هذه البنية على التكيف.

و يفسر هذا التحول جانبا من المشكلات التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة، فالكثير من المدن الأوروبية التي عرفت بمناخها المعتدل بنيت مساكنها للاحتفاظ بالدفء خلال الشتاء الطويل، ولم تكن التهوية الطبيعية أو العزل ضد الحرارة من أولويات التصميم ومع تكرار موجات الحر، أصبحت تلك المباني تحتفظ بالحرارة لساعات طويلة، فتحولت إلى فضاءات يصعب العيش فيها خلال الصيف و هو ما حدث تحديدا في فرنسا، واضطرت الحكومات إلى مراجعة معايير البناء التي ظلت معتمدة لعقود.

ولا يقتصر الأمر على المساكن فشبكات النقل نفسها صممت وفق ظروف مناخية مختلفة. فمع ارتفاع درجات الحرارة تتمدد قضبان السكك الحديدية، ما يفرض تخفيض سرعة القطارات أو تعليق الرحلات في بعض الأحيان كما تتأثر الطرقات والأسطح الإسفلتية بفعل الحرارة الشديدة، فتتراجع قدرتها على تحمل الضغط، بينما تواجه بعض المطارات تحديات مرتبطة بارتفاع حرارة الهواء، إذ تؤثر كثافته المنخفضة في أداء الطائرات عند الإقلاع، وهو عامل لم يكن يحظى بالأهمية نفسها قبل عقود.

الأمر ذاته ينسحب على قطاع الطاقة فالطلب على الكهرباء لم يعد يرتفع فقط بسبب النمو السكاني أو النشاط الاقتصادي، بل أصبح مرتبطا مباشرة بعدد الأيام التي تتجاوز فيها درجات الحرارة معدلاتها المعتادة. وفي المقابل، تتراجع كفاءة بعض محطات إنتاج الكهرباء وشبكات النقل تحت تأثير الحرارة المرتفعة، فتجد الدول نفسها أمام مفارقة صعبة؛ وهي ارتفاع غير مسبوق في الطلب يتزامن مع ضغوط متزايدة على وسائل الإنتاج والتوزيع.

و تعد الفلاحى من أكثر القطاعات ارتباطا بالمناخ، فقد دخلت مرحلة جديدة من عدم اليقين، فالمزارعون اعتادوا على تقاويم موسمية تحدد مواعيد الزراعة والإزهار والحصاد، لكن تغير درجات الحرارة وأنماط الأمطار جعل كثيرا من هذه المواعيد أقل استقرارا. ولم تعد المشكلة مقتصرة على نقص المياه، بل امتدت إلى تغير دورة حياة النباتات وانتشار آفات وأمراض في مناطق لم تكن معروفة بها سابقا، فضلا عن تراجع إنتاجية بعض المحاصيل نتيجة الإجهاد الحراري.

وإذا كانت هذه التحولات تمثل تحديا للقطاع الفلاحي، فإنها وفق المراقبون تطرح إشكالا أكبر يتعلق بالأمن الغذائي العالمي فالعالم الذي صمم منظومات إنتاجه وتجارته الغذائية على توقعات مناخية مستقرة نسبيا، يجد نفسه مضطرا إلى إعادة النظر في خرائط الإنتاج والتخزين والنقل، وهو ما بدأت آثاره تظهر في تقلب أسعار عدد من السلع الأساسية.

ولعل الجانب الأقل حضورا في النقاش هو أن التغير المناخي أصبح ملفا هندسيا واقتصاديا وماليا بامتياز فشركات التأمين، على سبيل المثال، تعيد تقييم المخاطر في مناطق كانت تعد آمنة قبل سنوات قليلة، والبنوك تدرس تأثير المناخ عند تمويل المشاريع الكبرى، فيما بدأت المؤسسات الاستثمارية تدرج المخاطر المناخية ضمن معايير اتخاذ القرار، بعدما أدركت أن الظواهر الجوية المتطرفة لم تعد استثناء يمكن تجاهله.

وتظهر هذه التحولات بوضوح أيضا في المدن الساحلية، حيث يفرض ارتفاع مستوى سطح البحر مراجعة مشاريع عمرانية أنجزت قبل عقود دون أن يؤخذ هذا الاحتمال في الاعتبار. فحماية الموانئ، وشبكات الصرف، والمناطق السكنية القريبة من السواحل، أصبحت تتطلب استثمارات ضخمة، ليس لتوسيعها أو تحديثها، وإنما لضمان استمرارها في أداء وظائفها الأساسية.

في المقابل، يفرض المناخ الجديد مراجعة لفلسفة التخطيط الحضري نفسها. فالمدن التي صممت لتعطي الأولوية لحركة السيارات والإسمنت بدأت تبحث عن حلول تعتمد على المساحات الخضراء، وتوسيع الظل، واستعمال مواد بناء أقل احتفاظا بالحرارة، وتحسين دوران الهواء داخل الأحياء السكنية. ولم يعد التشجير مجرد عنصر جمالي، بل أصبح جزءا من البنية التحتية التي تساهم في خفض درجات الحرارة وتحسين جودة الحياة.

ويكشف هذا التحول حقيقة قد تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالات كبيرة؛ فالعالم لم يعد يواجه مشكلة بيئية فحسب، بل يعيش مرحلة انتقال مناخي تفرض إعادة التفكير في كل ما اعتبره ثابتا لعقود طويلة فالمدارس والمستشفيات والمطارات والموانئ والمناطق الصناعية ومحطات الكهرباء والأنظمة الزراعية، جميعها بنيت على معايير مناخية أخذت في التغير تدريجيا، ما يجعل تكلفة التكيف أكبر كلما تأخر اتخاذ القرار.

ولا يعني ذلك أن الحضارة تقف أمام طريق مسدود، بل إن التاريخ يبين أن المجتمعات التي نجحت في تجاوز التحولات الكبرى هي تلك التي استطاعت التكيف معها في الوقت المناسب. واليوم، لا يتمثل التحدي في إيقاف التغير المناخي فحسب، وإنما في تسريع قدرة المدن والاقتصادات والمؤسسات على مواكبته، حتى لا تتحول الفجوة بين الواقع الجديد والبنية القديمة إلى مصدر دائم للأزمات.

وتدخل تونس، مثل بقية دول حوض المتوسط، ضمن هذا المشهد العالمي فالمنطقة تعد من أكثر مناطق العالم تعرضا لتداعيات التغير المناخي، سواء من حيث ارتفاع درجات الحرارة أو تراجع الموارد المائية أو زيادة الظواهر الجوية المتطرفة غير أن ما يحدث فيها ليس حالة استثنائية، بل جزء من تحول أوسع يمتد من أوروبا إلى إفريقيا وآسيا والأمريكيتين، ويعيد رسم العلاقة بين الإنسان والبيئة التي يعيش فيها.

ولعل أهم ما تكشفه موجات الحر والفيضانات والحرائق المتكررة خلال السنوات الأخيرة هو أن العالم لم يعد يعيش المناخ الذي عرفه القرن العشرون. ومع كل مشروع جديد، وكل مدينة جديدة، وكل طريق أو سد أو ميناء، لم يعد السؤال يقتصر على كلفة الإنجاز أو الجدوى الاقتصادية، وإنما أصبح يشمل سؤالا آخر لا يقل أهمية: هل سيظل هذا المشروع صالحا في مناخ يتغير بوتيرة أسرع من أي وقت مضى؟ ذلك السؤال قد يكون عنوان المرحلة المقبلة، ليس بالنسبة إلى دولة بعينها، وإنما بالنسبة إلى الحضارة الإنسانية بأكملها.

 

ا 

Related posts

دعوة الباعثين العقاريين العموميين الى تنفيذ مشاريع مساكن اجتماعية بآلية الكراء المملك

صابر الحرشاني

اسرائيلتخنق القدس وكنائسها خلال “عيد القيامة”

صابر الحرشاني

فصية غفساد مالي في شركة فسفاط قفصة

Mohamed mabrouk Sallami

Leave a Comment