37.7 C
تونس
15 يوليو، 2026
الصفحة الأولى سياسة

حل النهضة…بين مبادرة البرلمان و حدود القانون

صابر الحرشاني

 

أعاد مقترح القانون الذي تقدمت به النائبة فاطمة المسدي والمتعلق بتصنيف حركة النهضة تنظيما إرهابيا الجدل إلى مجلس نواب الشعب.

و يتعدى الجدل حدود مضمون المبادرة و يطال الأسئلة التي يثيرها حول حدود اختصاص المؤسسة التشريعية في علاقة بالأحزاب السياسية.

ومنذ الإعلان عن ايداع المبادرة في الايام الاخيرة الماضية، انقسمت المواقف بين من يرى أن الظرف السياسي والقضائي يبرر الذهاب نحو إجراءات استثنائية في حق الحركة، وبين من يعتبر أن أي قرار يتعلق بحل الأحزاب أو إنهاء وجودها القانوني تحكمه إجراءات حددها التشريع الجاري به العمل، ومنها اساسا المرسوم عدد 88 ولا يمكن تجاوزها عبر مبادرة تشريعية صادرة من بعض نواب.

وقد وجد هذا الجدل صداه داخل البرلمان، حيث أكد النائب بدر الدين القمودي أن مجلس نواب الشعب لا يملك صلاحية حل الأحزاب السياسية، مذكرا بأن المرسوم عدد 87 لسنة 2011 المنظم للأحزاب السياسية حدد الجهة المختصة بذلك، كما ضبط الإجراءات الواجب اتباعها قبل الوصول إلى قرار الحل.

واعاد هذا الموقف طرح سؤال يتعلق بطبيعة الدور الذي يمكن أن يضطلع به البرلمان في مثل هذه الملفات فالمجلس يملك بلا شك وظيفة التشريع، كما يملك صلاحية مراجعة القوانين أو اقتراح نصوص جديدة، غير أن ذلك لا يعني بالضرورة امتلاكه سلطة تقرير مصير حزب سياسي قائم مهما كان اسمه متى كانت النصوص السارية قد وزعت الاختصاصات بصورة مختلفة.

ومن هذه الزاوية، يبدو أن النقاش الحقيقي لا يتعلق بحزب معين وإنما بالآليات القانونية التي تنظم الحياة الحزبية فإذا كان التشريع الحالي ينص على إجراءات محددة لحل الأحزاب، فإن أي محاولة لسلوك مسار آخر ستثير حتما نقاشا حول مدى انسجامها مع المنظومة القانونية القائمة.

ويحدد المرسوم المنظم للأحزاب حالات يمكن أن تفضي إلى حل الحزب إذا ثبت ارتكابه مخالفات منصوصا عليها قانونا، كما يبين المراحل التي تمر بها تلك الإجراءات وهو ما يجعل الحديث عن الحل مرتبطا بمسار قانوني معلوم، أكثر من ارتباطه بمواقف داخل البرلمان.

وفي المقابل، لا يمنع ذلك النواب من مناقشة القوانين المنظمة للأحزاب أو اقتراح تعديلها إذا رأوا أنها لم تعد تستجيب للواقع السياسي فالوظيفة التشريعية تبقى صاحبة الاختصاص في سن القوانين وتطويرها، غير أن تطبيق تلك القوانين في الحالات الفردية يظل خاضعا للآليات التي يحددها التشريع نفسه.

أما مسألة تصنيف تنظيم سياسي باعتباره تنظيما إرهابيا، فهي بدورها تثير إشكالات قانونية لا تقل تعقيدا فالتوصيف القانوني من هذا النوع لا تترتب عنه آثار سياسية فحسب، وإنما تترتب عنه نتائج قانونية ومالية وإجرائية واسعة، وهو ما يفسر اختلاف الآراء بشأن الأداة القانونية الأنسب للتعامل مع مثل هذه الملفات.

وقد يدفع هذا الجدل إلى إعادة قراءة الإطار القانوني المنظم للأحزاب السياسية بعد أكثر من خمسة عشر عاما على صدوره. فالواقع السياسي تغير بصورة كبيرة، كما شهدت البلاد تحولات عميقة، وهو ما يجعل مراجعة بعض النصوص القانونية أمرا واردا في إطار العمل التشريعي العادي، بعيدا عن النقاش المرتبط بحزب معين.

ومن ناحية أخرى، فإن البرلمان مطالب أيضا بالموازنة بين البعد السياسي والبعد القانوني في مثل هذه المبادرات. فالقوانين لا تشرع لمعالجة وضعية آنية فقط، وإنما توضع لتطبق على الجميع، وهو ما يفرض مراعاة آثارها المستقبلية على مجمل الحياة السياسية.

و يبدو أن الجدل الدائر اليوم يتجاوز اسم الحزب نفسه، ليمس طبيعة العلاقة بين المبادرة التشريعية والضمانات القانونية التي تحكم الحياة الحزبية ومن المؤكد أن النقاش الذي أثاره سلط الضوء على مسألة أساسية تتمثل في حدود الاختصاصات بين المؤسسات، وعلى أهمية وضوح النصوص القانونية كلما تعلق الأمر بملفات ذات حساسية سياسية كبيرة.

 

Related posts

الخارجية الأمريكية تشجع على عملية إصلاح شفافة بمشاركة جميع الأطراف

root

كميات الحبوب المجمعة غلى الصعيد الوطني

صابر الحرشاني

رئيس الجمهورية يزور سجنان ويصغي الى مشاغل المواطنين

صابر الحرشاني

Leave a Comment