29 أغسطس، 2025
أخبار الجهات

رغم ثرواتها المتنوعة: زغوان… ولاية الفرص المؤجلة

تقع ولاية زغوان في قلب الشمال الشرقي لتونس، وتُعد من المناطق التي تجمع بين الجمال الطبيعي والتاريخ العريق. من جبل زغوان الشامخ إلى المدينة الأثرية، ومن المياه المعدنية إلى الغابات، تمتلك هذه الولاية مقومات تجعلها مؤهلة لتكون قطبًا تنمويًا وسياحيًا واعدًا.
ورغم هذه المؤهلات، فإن نسق التنمية في زغوان لا يزال دون الطموحات، وهو ما يدفع إلى التساؤل حول كيفية تفعيل الإمكانيات المتاحة، وتحويلها إلى مشاريع ملموسة تعود بالنفع على الجهة وسكانها.

كنوز طبيعية وتاريخية تنتظر التثمين

جبل زغوان، الذي يعلو بأكثر من 1200 متر، ليس مجرد كتلة صخرية شاهقة، بل هو رمز للهوية البيئية والثقافية للجهة. في سفوحه تنمو النباتات الطبية والعطرية، وتعيش أنواع نادرة من الطيور، بينما يحتضن في أعلاه معبد المياه الروماني، الذي كان يمد قرطاج بالماء عبر قنوات هندسية مذهلة.
هذا الموقع، الذي يجمع بين الطبيعة والتاريخ، يمكن أن يتحول إلى وجهة سياحية عالمية، لو تم تطويره ضمن رؤية متكاملة تشمل الترويج، التهيئة، وربط المسارات السياحية ببقية المعالم في الجهة، مثل المدينة الأثرية بزغوان، وسيدي مدين، وعين الخمايسية.

بنية تحتية… بين الوعود والتحديات

البنية التحتية في زغوان تعاني من فجوات واضحة، رغم بعض التحسينات الجزئية. الطريق السريعة تونس–جلمة، التي تمر عبر الولاية، تُعد مثالًا على مشروع استراتيجي ينتظر استكماله، لما له من أثر مباشر على الحركة الاقتصادية وربط الجهة ببقية المناطق.
كما أن النقل العمومي داخل الولاية وبين معتمدياتها لا يزال محدودًا، مما يعيق التنقل اليومي للطلبة والعمال، ويؤثر على نسق الحياة الاقتصادية. غياب محطة نقل متعددة الوسائط، تربط بين الحافلات والقطارات، يُعد نقطة ضعف يمكن تداركها ضمن خطة وطنية للنقل الجهوي.
و في المقابل، شهدت بعض المعتمديات مثل الفحص والناظور تحسنًا في المسالك الفلاحية، مما ساهم في تسهيل نقل المنتجات الزراعية، خاصة الزيتون والحبوب. لكن هذا التحسن يبقى غير كافٍ دون دعم لوجستي أوسع، يشمل التخزين، التحويل، والتصدير.

قطاع المياه المعدنية… فرصة اقتصادية واعدة

زغوان تُعد من أبرز مناطق إنتاج المياه المعدنية في تونس، بفضل نقاء مصادرها ووفرتها. شركات تعبئة المياه تستثمر في هذا المورد، وتوفر مواطن شغل، و لكنها تواجه تحديات تتعلق باللوجستيك، الترويج، والتوسع.
و يمكن لهذا القطاع أن يتحول إلى رافعة اقتصادية حقيقية، إذا ما تم ربطه بالصناعات التحويلية، مثل إنتاج مستحضرات التجميل، والمشروبات الصحية، وحتى السياحة العلاجية. فالمياه ليست فقط موردًا للشرب، بل عنصرًا من عناصر التنمية المستدامة.
الثقافة… ذاكرة حية تنتظر التفعيل

زغوان ليست فقط ولاية ذات طبيعة خلابة، بل هي خزّان من الإمكانيات الثقافية. من المهرجانات المحلية إلى الحرف التقليدية، ومن الشعر الشعبي إلى الموسيقى الجبلية، تمتلك الجهة تراثًا غنيًا يمكن أن يُستثمر في تعزيز الهوية وتنشيط السياحة الثقافية.
و لكن غياب دور ثقافة مجهزة في بعض المعتمديات، وضعف الدعم للمبادرات الشبابية، يجعل هذا التراث مهددًا بالنسيان. المطلوب اليوم هو إنشاء مراكز ثقافية متعددة الوظائف، تحتضن المسرح، الموسيقى، الفنون التشكيلية، وتكون فضاءً للتعبير الحر والتكوين.
و كما يمكن للجهة أن تحتضن مهرجانًا دوليًا للتراث الجبلي، يجمع بين العروض الفنية، المعارض، والندوات، ويُروّج لزغوان كوجهة ثقافية فريدة.

الرياضة… طاقات شبابية تبحث عن فضاء يؤطرها

الرياضة في زغوان تعاني من نقص في البنية التحتية، رغم وجود طاقات شبابية واعدة. الملاعب البلدية محدودة التجهيز، وقاعات الرياضات الفردية شبه منعدمة، مما يدفع العديد من الشباب إلى الهجرة نحو العاصمة بحثًا عن فرص التدريب والمنافسة.
فالملعب الزغواني، رغم تاريخه، يواجه صعوبات مالية وتقنية، ويحتاج إلى دعم من الهياكل الجهوية والمركزية. كما أن الرياضات الجبلية مثل التسلق، ركوب الدراجات، والمشي في الطبيعة، يمكن أن تتحول إلى رياضات سياحية، لو تم تنظيمها ضمن إطار مؤسساتي.
و إن إنشاء مركب رياضي جهوي، يحتضن مختلف الرياضات، ويكون مفتوحًا للعموم، يمكن أن يُحدث نقلة نوعية في حياة الشباب، ويُساهم في الحد من البطالة والانحراف.

بين المركز والجهة… الحاجة إلى رؤية وطنية

السلطات المحلية تبذل جهودًا واضحة في التنسيق مع مختلف الأطراف، وهناك حرص على تحسين ظروف العيش، وتوفير فرص للشباب، لكن التحديات تبقى قائمة، وتتطلب دعمًا أكبر من الهياكل المركزية، في إطار رؤية وطنية شاملة للتنمية الجهوية.
فزغوان ليست فقط ولاية مهمشة، بل هي فرصة وطنية. فكل جهة في تونس تستحق أن تكون جزءًا من الحلم التنموي، وزغوان، بما تملكه من خصوصيات، قادرة على أن تكون نموذجًا للنجاح، إذا ما توفرت الإرادة والتخطيط.
و إن تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص، وتوفير مناخ ملائم للاستثمار، وتشجيع المبادرات المحلية، يُعد السبيل الأمثل لتحويل هذه الفرص المؤجلة إلى إنجازات ملموسة.

من التأجيل إلى التفعيل

الحديث عن زغوان هو حديث عن تونس العميقة، عن الجهات التي تختزن الجمال والقدرة، لكنها تنتظر من يفتح لها الأبواب. 
هي ليست مجرد ولاية، بل مرآة لواقع جهوي يحتاج إلى إعادة نظر، وإلى سياسات تنموية عادلة، تُنصت إلى صوت الأرض والناس.
فهل نملك الشجاعة لنقول نعم، زغوان تستحق أكثر؟ وهل نملك الإرادة لنحوّل هذا القول إلى فعل؟ 
الجواب ليس في الكلمات، بل في المشاريع، في الطرقات، في المدارس، في المراكز الثقافية، وفي ابتسامة شاب يجد فرصة في مدينته، لا في الهجرة منها.

Related posts

القبض على كهل كان ينوي إضرام النار بغابات عين دراهم

سنية خميسي

النادي الصفاقسي : تأهيل ملعب المهيري إفريقيا نهاية شهر ديسمبر المقبل

جعفر خماري

سليمان: انفجار مولد كهربائي بأحد المصانع يخلف 16 حالة إغماء

Na Da

Leave a Comment