27 يناير، 2026
وطنية

المرفق العمومي بين الواجب والمساءلة: نحو ترسيخ ثقافة المسؤولية وخدمة المواطن


               

لا شكّ أنّ تحميل المسؤوليات وترسيخ ثقافة المحاسبة يمثّلان حجر الزاوية في حسن سير المرفق العمومي عموماً، وفي أداء القطاعات الحيوية على وجه الخصوص. فالمرفق العمومي ليس مجرّد هيكل إداري أو إطار وظيفي، بل هو أداة الدولة لخدمة المواطنين وضمان حقوقهم في ظروف طيبة ومريحة، وبكفاءة ونجاعة، وعلى أساس المساواة بين الجميع دون استثناء. وكلّما تراجعت هذه المبادئ، تآكلت الثقة بين المواطن والدولة، وتعمّق الإحساس بالغبن والتهميش.

التعليم والصحة… قطاعات تمسّ المواطن مباشرة

ويُجمع المتابعون على أنّ قطاعي التعليم والصحة يُعدّان من أبرز القطاعات العمومية ذات الصلة المباشرة واليومية بالمواطن. فالتلميذ في المدرسة والمريض في المستشفى يعيشان بشكل حيني أثر جودة الخدمات المقدّمة، سلباً أو إيجاباً. ولا يقتصر الأمر على الخدمات في حدّ ذاتها، بل يتجاوزها إلى الصورة العامة للدولة في أذهان التونسيين، إذ غالباً ما ترتبط ثقتهم في الدولة بمدى نجاعة هذه القطاعات وحسن أدائها.

وعندما يشهد المواطن تراجعاً في مستوى التعليم أو إخلالاً في الخدمات الصحية، فإن ذلك ينعكس مباشرة على شعوره بالأمان الاجتماعي، ويغذّي الإحساس بعدم المساواة، ويعمّق الهوّة بينه وبين المؤسسات العمومية.

أحداث متداولة تعيد النقاش إلى الواجهة

ويكتسي طرح موضوع تحميل المسؤوليات اليوم أهمية قصوى، ليس فقط من باب التنظير، بل أيضاً انسجاماً مع عديد الأحداث التي شهدتها الساحة الوطنية مؤخراً، وكان آخرها ما تمّ تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن امتناع إحدى الطبيبات عن القيام بمهمتها في علاج مريضة مسنّة، بدعوى غياب التدفئة في القسم الذي تعمل فيه. كما تمّ، في سياق متصل، تداول حادثة تعنيف تلميذ من قبل معلّمة في إحدى المدارس.

ورغم أنّ هذه الوقائع لا ترقى إلى مستوى الظاهرة المكتملة من حيث الانتشار أو التواتر، إلا أنّها تبقى مؤشّرات مقلقة تستوجب التوقّف عندها، وتمحيص ملابساتها، وتحميل المسؤوليات لكلّ من قصّر في أداء واجبه أو تراخى فيه أو تجاوز حدوده المهنية والإنسانية.

المحاسبة ضرورة لا خيار

إنّ المحاسبة في مثل هذه الحالات ليست مجرّد إجراء إداري أو عقوبة تأديبية، بل هي رسالة واضحة مفادها أنّ المرفق العمومي له قواعد وضوابط، وأنّ من يخلّ بها يعرّض نفسه للمساءلة أمام سلطة القانون وأمام المجتمع أيضاً. فالمحاسبة ضرورية كلّما ثبت وجود تقصير أو إخلال بالمهمة المنوطة بعهدة العامل في المرافق العمومية.

ولا يقلّ الالتزام بالقوانين والضوابط المهنية والأخلاقية والإنسانية أهمية عن السعي إلى إسداء الخدمات المطلوبة بشكل جيّد. فالمواطن لا يطلب امتيازات خارجة عن القانون، بل يطالب بحقه المشروع في خدمة محترمة، وفي معاملة إنسانية، وفي أداء مهني يراعي خصوصية الأوضاع الاجتماعية والصحية والنفسية.

اهتمام رئاسي متواصل بترسيخ ثقافة المسؤولية

والحقيقة أنّ موضوع تحميل المسؤوليات كان ولا يزال الشغل الشاغل لأعلى هرم السلطة في البلاد. فقد ما انفكّ رئيس الجمهورية قيس سعيّد يذكّر المسؤولين، في أكثر من مناسبة، بمغبّة التقصير والتراخي في أداء المهام المنوطة بعهدتهم. كما يحرص رئيس الدولة باستمرار على إرساء ثقافة المحاسبة، مؤكداً أنّ المساءلة ليست استهدافاً للأشخاص، بل حماية للمرفق العمومي وضماناً لحقوق المواطنين.

ويؤكّد رئيس الجمهورية في كلّ مناسبة أنّ من حقّ جميع التونسيين، وعلى قدم المساواة، أن يتلقّوا الخدمات التي توفّرها المرافق العمومية في الصحة والتعليم والنقل وغيرها، في كنف الاحترام وفي أفضل الظروف وأيسرها. فالجودة في هذا المجال ليست خياراً، بل ضرورة وطنية.

المسؤولية أمانة وليست وظيفة

ويشدّد الخطاب الرسمي على أنّ العمل في المرافق العمومية ليس مجرّد وظيفة إدارية، بل هو أمانة ثقيلة ومسؤولية جسيمة. وعلى كلّ من يضطلع بهذه المسؤولية أن يعي خطورتها وأهميتها، وأن يدرك أنّ أيّ تقصير أو تهاون قد ينعكس مباشرة على حياة المواطنين وكرامتهم.

وفي المقابل، فإنّ الإخلال بالواجب أو التهاون في أداء المهام يعرّض صاحبه للمساءلة والمحاسبة طبقاً للقانون، دون تمييز أو محاباة. فسيادة القانون تقتضي أن يكون الجميع سواسية أمام المحاسبة، مهما كانت مواقعهم أو مناصبهم.

تعزيز الثقة بين المواطن والدولة

ولا يخفى أنّ تحميل المسؤوليات من شأنه أن يعزّز الثقة بين المواطن والمؤسسات العمومية. فعندما يستشعر التونسي أنّ هناك رقابة فعلية على المسؤولين، وأنّ إمكانية مساءلتهم قائمة بجدّية وصدق، تتعمّق ثقته في الأجهزة الرقابية وفي الدولة عموماً. كما تتحسّن علاقته بالقائمين على المرفق العمومي، ويتراجع منسوب التذمّر والشكوى.

كما تقود ثقافة المحاسبة إلى اعتماد إجراءات تصحيحية حقيقية، تنعكس إيجاباً على جودة الخدمات المقدّمة في قطاعات الصحة والتعليم والإدارة وغيرها، بما يساهم في تحسين ظروف عيش المواطنين وتعزيز رفاهية المجتمع.

المحاسبة ضمان للعدالة والمساواة

وتُعدّ المحاسبة مظهراً من مظاهر العدالة والمساواة، وهي تتعارض جذرياً مع منطق الإفلات من العقاب الذي ساد لسنوات طويلة وربما لعقود. فمحاسبة المخطئ أو المقصّر، مهما كانت وظيفته أو منصبه، تمثّل حصانة ضدّ التمييز بين المواطنين، وآلية فعّالة للقطع مع الممارسات التي أدّت إلى حالة من العطالة داخل أجهزة الدولة وتراجع جودة المرافق العمومية.

كما أنّ انتشار ثقافة تحميل المسؤوليات يفضي حتماً إلى وجود مرافق عمومية مسؤولة وناجعة، ويخلق بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار الداخلي والخارجي، ويمنح المواطنين إمكانات تلقّي الخدمات في أفضل الظروف.

رؤية سياسية جديدة وإصلاح شامل

وفي هذا الإطار، جدّد رئيس الجمهورية قيس سعيّد، لدى استقباله  بقصر قرطاج، رئيسة الحكومة السيّدة سارة الزعفراني الزنزري، تأكيده على أنّ العمل متواصل دون انقطاع لإيجاد الحلول الكفيلة بتلبية حاجيات المواطنين في مختلف المجالات، فضلاً عن تعبيد الطريق أمام الشباب لتحمّل المسؤولية، باعتبار ذلك حقّاً مشروعاً لهم.

كما شدّد رئيس الدولة على أنّ عديد المرافق العمومية لا تسير على الوجه المطلوب، مؤكّداً أنّ الدولة هي مجموع هذه المرافق، وأنّه من غير المقبول إطلاقاً أن يتدخّل رئيس الدولة لإيجاد حلول لأبسط الإشكاليات التي يمكن أن يتولاّها مسؤول جهوي أو محلّي. فالثورة، وفق تعبيره، لن تكتمل بتشريع جديد فحسب، بل بثورة في الثقافة وداخل الإدارة على وجه الخصوص.

إعداد: مفيدة مرابطي

Related posts

وزير الشؤون الاجتماعية : إضراب الصناديق الاجتماعية “غير قانوني” والوزارة لن تتسامح مع المضربين

root

تنفيذ بطاقة ايداع بالسجن في شأن رجل الأعمال لطفي علي و المدير السابق لفسفاط قفصة

Moufida Ayari

اليوم: أمطار ببعض الجهات

Na Da

Leave a Comment