15.2 C
تونس
20 فبراير، 2026
الصفحة الأولى رياضة

بعد إن انتدبه باريس سن جرمان رسميا:خليل العياري يؤكد ثراء منجم مواهب الملعب التونسي

محمد الدريدي 

منذ فجر الاستقلال، لم يكن الملعب التونسي مجرد نادٍ ينافس على الألقاب، بل كان مدرسة حقيقية لصناعة اللاعب، وفضاءً لتفجير المواهب، وجسر عبور نحو الاحتراف الخارجي في زمنٍ لم تكن فيه أوروبا قريبة، ولا الاحتراف حلمًا سهل المنال.

في باردو، وُلدت أسماء صنعت تاريخ الكرة التونسية، وخرج منها لاعبون حملوا القميص الوطني، ورفعوا راية تونس في ملاعب فرنسا وألمانيا وبلجيكا والسعودية، قبل أن يصل الإرث نفسه إلى جيل جديد تُقاس فيه الصفقات بالملايين.

هي حكاية طويلة، عنوانها الوفاء للمدرسة، وبطلها نادٍ عرف كيف يحافظ على هويته رغم تغير الأزمنة: الملعب التونسي.

إبراهيم كرّيت… البدايات الأولى لحلم الاحتراف و قد يجهل الكثيرون من المتابعين أن أحد أوائل المحترفين التونسيين في الخارج خرج من رحم الملعب التونسي. إنه إبراهيم كرّيت، واسمه الحقيقي إبراهيم قضوم، المولود بمدينة الكاف يوم 2 أكتوبر 1940. نشأ إبراهيم في فترة كانت فيها كرة القدم هواية خالصة، تُمارَس بالشغف والانتماء، قبل أن تكون مهنة أو مصدر رزق. التحق سنة 1957 بفريق باردو، حيث لعب في البداية كظهير أيسر، قبل أن تفرض خصاله الفنية وسرعته وقدرته على الاختراق تغيير مركزه إلى جناح أيسر، ليصبح عنصرًا هجوميًا فعّالًا. و تدرّج كرّيت بثبات، إلى أن وجد نفسه ضمن المجموعة الأولى من اللاعبين الذين مثّلوا تونس خارج حدودها. سنة 1962، انتقل إلى نادي كاين الفرنسي، في خطوة سبقت عصرها، وجعلته من روّاد الاحتراف التونسي في أوروبا.

وقبل ذلك، كان قد حمل قميص المنتخب الوطني التونسي، وشارك في الألعاب الأولمبية بروما سنة 1960، في واحدة من أوائل المشاركات الرسمية لتونس على الساحة الدولية. كما سجّل خمسة أهداف دولية، من بينها هدفان في التصفيات ضد بولونيا والأرجنتين، في وقت كانت فيه مواجهة هذه المنتخبات إنجازًا بحد ذاته.

إبراهيم كرّيت لم يكن نجمًا إعلاميًا، لكنه كان حجر أساس في ترسيخ فكرة أن اللاعب التونسي قادر على النجاح خارج بلاده.

نورالدين ديوة… موهبة استثنائية ولقب من “ليكيب”

إذا كان إبراهيم كرّيت يمثل البدايات، فإن نورالدين بن يحمد، المعروف بلقب ديوة، يمثل القمة الفنية لجيل كامل.

بدأ ديوة مسيرته الكروية في صفوف الناشئين بالترجي الرياضي التونسي، قبل أن ينتقل إلى فريق باردو، حيث تفجّرت موهبته الحقيقية، وأصبح أحد أبرز لاعبي خط الوسط في تاريخ الكرة التونسية. و خلال ستينيات القرن الماضي، عاش الملعب التونسي فترة ذهبية، وكان ديوة أحد أعمدتها الأساسية. جيل سيطر على الساحة المحلية، وحقق إنجازات كبرى تُوّج خلالها الفريق أربع مرات بلقب البطولة وأربع مرات بكأس تونس بين عامي 1955 و1962. و لم يكن ديوة مجرد لاعب مهاري، بل كان صانع لعب متكاملًا، يمتلك رؤية واسعة للملعب، وقدرة نادرة على التحكم في نسق المباريات. هذه الخصائص جعلته محط أنظار الأندية الفرنسية، لينتقل سنة 1962 إلى نادي ليموج، حيث احترف إلى غاية 1968.

في فرنسا، قدّم ديوة مستويات لافتة، جعلت صحيفة “ليكيب” الفرنسية تطلق عليه لقب “كوبا الصغير”، تشبيهًا له بالأسطورة الفرنسية رايموند كوبا، لاعب ريال مدريد السابق. لقب لم يُمنح اعتباطًا، بل اعترافًا بقيمة فنية عالية. و بعد نهاية تجربته الاحترافية، عاد ديوة إلى تونس ولعب موسمين مع الترجي الرياضي، قبل أن يعلن اعتزاله سنة 1970، تاركًا إرثًا خالدًا في الذاكرة الكروية. وقد وثّق الكاتب التيجاني العزابي هذه المسيرة في كتاب خاص، حفظ لتاريخ الكرة التونسية أحد أنصع صفحاته.

فوزي الدهماني… هدّاف اختار طريق الغربة

ضمن الأسماء التي بصمت تاريخ الملعب التونسي، يبرز اسم فوزي الدهماني، الهداف القادم إلى باردو من فريق التصميم والمالية، الفريق الذي كان يترأسه الوزير الأسبق أحمد بن صالح، ويُدرّبه النجم السابق للنادي الإفريقي إدريس الباي.

تميّز الدهماني بحسه التهديفي العالي، وقدرته على التمركز داخل منطقة الجزاء، ما جعله من أبرز المهاجمين في تلك الفترة. ومع مطلع السبعينات، اتخذ قرارًا جريئًا بالهجرة إلى ألمانيا، حيث واصل مسيرته الكروية ونجح في التأقلم مع مدرسة كروية مختلفة و لم تكن تجربة الدهماني مجرد احتراف عابر، بل كانت انتقالًا نحو حياة جديدة، إذ استقر بألمانيا ولا يزال يقيم بها إلى اليوم، في قصة تعكس جانبًا آخر من الاحتراف في زمنٍ لم تكن فيه العودة مضمونة.

جمال الدين ليمام… أسطورة الملعب التونسي في أوروبا

ويُعد جمال الدين ليمام من أبرز نجوم الملعب التونسي الذين حملوا ألوانه إلى الخارج. لاعب موهوب، ترك بصمته في أكثر من محطة، وفتح آفاقًا جديدة أمام اللاعبين التونسيين.

و احترف ليمام في بلجيكا مع ستاندارد لييج، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا ليلعب لفائدة آينتراخت براونشفايغ، ثم واصل مسيرته في السعودية مع اتحاد جدة. وفي تلك الفترة، وُصفت صفقة انتقاله إلى أندرلخت البلجيكي بأنها الأغلى في تاريخ الكرة التونسية، حيث بلغت قيمتها 300 ألف دينار تونسي، وهو رقم كان يُعدّ استثنائيًا بمقاييس ذلك الزمن.

وقبل تلك المرحلة برز شقيقه الأكبر نجيب ليمام، الذي لعب لفائدة هلال الرياض السعودي، في صورة نادرة لعائلة كروية تونسيّة تألقت خارج الحدود.

من الدنانير إلى الملايين… خليل العياري عنوان الاستمرارية

رغم تغير الأزمنة وتطور سوق الانتقالات، بقي الملعب التونسي وفيا لدوره التاريخي كمصدر للمواهب. ويتجسد ذلك بوضوح في صفقة انتقال خليل العياري إلى باريس سان جيرمان الفرنسي. و انتقل العياري خلال الميركاتو الصيفي الماضي في شكل إعارة، مرفوقة ببند شراء نهائي بعد فترة تجريبية. وبعد نجاح التجربة، تم تفعيل بند الشراء، لتبلغ قيمة الصفقة 1.5 مليون يورو.

وبمقتضى الاتفاق، تحصلت إدارة الملعب التونسي على مبلغ يقارب مليون يورو صافٍ، أي ما يعادل حوالي 3.4 مليون دينار تونسي، في صفقة تُعد من أبرز عمليات البيع في تاريخ النادي.

هذه الأرقام تعكس حجم التحول الذي عرفته كرة القدم، لكنها في العمق تؤكد أن الملعب التونسي لا يزال يؤدي الدور نفسه: تكوين اللاعب، ثم منحه فرصة العبور إلى أعلى المستويات.

الملعب التونسي والمنتخب… علاقة تاريخية

لم يكن إشعاع الملعب التونسي مقتصرًا على الأندية، بل امتد إلى المنتخب الوطني منذ فجر الاستقلال. فقد ضمّت أول تشكيلة للمنتخب لاعبين من فريق باردو، هما نورالدين ديوة ومحيي الدين زقير. وتواصل العطاء عبر أسماء بارزة مثل المنصف الشريف وعبد الوهاب لحمر وعبد الله الطرابلسي، وأحمد المغيربي، وصولًا إلى جيل أحدث ضمّ محسن الجندوبي، أحد ركائز ملحمة الأرجنتين، إلى جانب نجيب ليمام.

كما حمل قميص المنتخب في فترات لاحقة لاعبون من أبناء الملعب التونسي، على غرار عبد الحميد الهرقال وعماد المهذبي وأنيس العياري ورامي الجريدي، وغيرهم من الأسماء التي تؤكد عمق مساهمة النادي في كرة القدم الوطنية.

من إبراهيم كرّيت إلى خليل العياري، مرورًا بديوة وليمام والدهماني، تتغير الأجيال وتتبدل الأرقام، لكن الحقيقة تبقى واحدة ، الملعب التونسي نادٍ يصنع القيمة قبل السعر، والتاريخ قبل المال. هو نادٍ لم يفقد بوصلته، وظل وفيًا لرسالته، مدرسة خرّجت لاعبين، وصنعت رجالًا، وكتبت سطورًا مضيئة في سجل الكرة التونسية. وفي زمن تُقاس فيه النجاحات بالأرقام، يظل الملعب التونسي شاهدًا على أن أعظم الاستثمارات هي تلك التي تُصنع على المستطيل الأخضر.

Related posts

اضافات مقترحة في قانون المالية…تعرّف عليها

صابر الحرشاني

مساعٍ أميركية لعقد قمة بين السيسي ونتنياهو

صابر الحرشاني

وزيرة المالية : 1771 خطّة انتداب في وزارة المالية بعنوان سنة 2026

صابر الحرشاني

Leave a Comment