43.2 C
تونس
15 يوليو، 2026
الصفحة الأولى ثقافة وإعلام

“الجزائريون في المشرق”..ابحار عذب في تاريخ العرب المنسي


بين السرد العذب والكشف عن صفحات مجهولة من التاريخ العربي، يمضي بنا هذا الكتاب في إبحار مشوق ليضىء زاوية مدهشة من زاويا الماضي القريب لكنها ظلت للأسف “مسكوتا عنها” ولا تعرف بها الأجيال الجديدة، ومن هنا يكتسب العمل فرادته وأهميته الخاصة.
الكتاب هو “المنفيون الجزائريون في المشرق… تاريخ عائلة مغربي بين الهجرة والذاكرة والهوية المطموسة”، الصادر عن دار “لارماتان” ، للمؤلف الباحث عبد الله س. مغربي، بترجمة عربية أنجزها عقيل الدبيش، وقدم له أستاذ الفلسفة ستيفان دوايييه.
يتببع المؤلف مصير الجزائريين الذين غادروا بلادهم إلى فلسطين وسوريا ولبنان والأردن عقب الاحتلال الفرنسي للجزائر، عبر مزيج من الوثائق الأرشيفية والروايات العائلية والتحليل التاريخي ليعيد رسم خريطة منسية للهجرة الجزائرية نحو المشرق، ويكشف كيف تشكلت هويات جديدة تحت وطأة المنفى والاستعمار.
يمزج المؤلف بذكاء لافت بين التاريخ العائلي الشخصي وبين القضية العامة التي تهم القارىء العربي الراغب في التعلم من دروس الماضي حتى يفهم الحاضر ويستعد للمستقبل، ما منح العمل حميمية في التناول وحسا إنسانيا خفف من وطأة حديث الوثائق والاستقصاء التاريخي. 
واللافت أن معظم الدراسات تناول التاريخ الجزائري من زاويتين رئيسيتين: الاستعمار الفرنسي والهجرة إلى فرنسا، لكن المؤلف هنا يلفت الانتباه إلى مسار آخر ظل بعيدًا عن الاهتمام، وهو انتقال آلاف الجزائريين شرقا إلى بلاد الشام.
 استقرو هؤلاء داخل أراضي الدولة العثمانية ثم عاشوا التحولات الكبرى التي شهدها المشرق، من الانتدابين الفرنسي والبريطاني إلى نكبة فلسطين عام 1948، لكنهم لم يكونوا مجرد مهاجرين، بقدر ما كانوا  جزءًا من حركة تاريخية واسعة أعادت تشكيل المجتمعات والهويات على ضفتي البحر المتوسط.
ينطلق الكتاب من قصة عائلة مغربي كنموذج  يضيء تجربة آلاف العائلات الجزائرية التي اقتلعتها ظروف الاحتلال وفقدان الأرض وتفكك البنى الاجتماعية، لتبدأ حياة جديدة في مدن مثل حيفا وصيدا ودمشق وبيروت. 
ومن خلال هذا المسار الشخصي، يتحول التاريخ العائلي إلى مدخل لفهم تاريخ إقليمي أوسع يربط الجزائر بالمشرق ضمن فضاء متوسطي واحد.
ويستند المؤلف إلى تجربته الشخصية أيضًا، فقد نشأ في لبنان داخل أسرة جزائرية استقرت في بلاد الشام منذ أجيال، قبل أن يهاجر إلى أستراليا ويحصل على الدكتوراه في الاقتصاد ويعمل باحثًا في السياسات العامة. 
وقد دفعه هذا التكوين الأكاديمي، مقرونًا بذاكرة عائلية ظلت حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، إلى البحث عن جذور تلك الحكايات في الوثائق التاريخية، محولًا الروايات الشفوية إلى مشروع بحثي استغرق سنوات طويلة.
وتبرز قوة الكتاب في منهجيته العلمية الصارمة، فالمؤلف لا يكتفي باستعادة الذكريات، بل يختبرها عبر الوثائق، ويقارن بين المصادر المختلفة، واضعًا كل معلومة في سياقها السياسي والقانوني. 
كما اعتمد على مصادر أرشيف فرنسية وبريطانية وعثمانية وعربية، إلى جانب السجلات القنصلية، والوثائق الدينية، وعقود الملكية، وسجلات المحاكم، والمراسلات الإدارية، والخرائط، والصور التاريخية، فضلًا عن مقتنيات المكتبة الوطنية الفرنسية ومكتبة الكونغرس الأمريكية. 
ويعكس هذا التنوع طبيعة الموضوع الذي امتد عبر دول عدة وأنظمة قانونية مختلفة، ما تطلب إعادة تجميع شتات الوثائق لصياغة رواية تاريخية متماسكة.
ورغم ذلك، لا يتعامل المؤلف مع الأرشيف بوصفه عنوانا قاطعا للحقيقة، بل يضع الوثائق في حوار متبادل، فقد تفسر وثيقة عثمانية سجلًا قنصليًا فرنسيًا، أو تُكمل وثيقة عقارية رواية احتفظت بها إحدى العائلات، لتتشكل في النهاية صورة أكثر دقة عن حياة الجزائريين في المشرق.
 ومن خلال هذا الأسلوب، يعيد رسم شبكات الوجود الجزائري في مدن مثل حيفا وعكا والقدس ودمشق وبيروت وصيدا وعمّان، كاشفًا أدوار التجار والحرفيين ورجال الدين وملاك الأراضي والمعلمين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية لتلك المدن.
كما يكشف الكتاب عن مشروع بحثي متواصل، إذ يعمل عبد الله س. مغربي على إصدار كتاب ثانٍ يعتمد على وثائق عثمانية ودينية لم تُدرس من قبل، لإعادة بناء تفاصيل الحياة اليومية للمهاجرين الجزائريين في بلاد الشام، بما يشمل أماكن إقامتهم، وعمليات شراء العقارات، والزيجات، وتقسيم الميراث، وعلاقاتهم بالمجتمع المحلي، كما سبق أن أصدر كتاب “من جرجرة إلى الكرمل” عام 2015.
ويرى المؤلف أن هذا العمل يكتسب أهمية إضافية في ظل تصاعد الاهتمام العالمي بقضايا الهجرة والشتات والهوية، لأنه يثبت أن حركة الشعوب ليست مجرد انتقال جغرافي، بل قوة تصنع الثقافات والذاكرة الجماعية عبر الأجيال. 
ومن هنا، يبدو “المنفيون الجزائريون في المشرق” مرشحًا لأن يصبح مرجعًا رئيسيًا في دراسة تاريخ الجزائر وبلاد الشام والبحر الأبيض المتوسط، لما يقدمه من مادة وثائقية واسعة، ومنهج بحثي دقيق، ورؤية جديدة تعيد الاعتبار لصفحات ظلت مهمشة في التاريخ العربي الحديث.

Related posts

10  لاعبين ضمنوا مشاركتهم مع تونس في المونديال

صابر الحرشاني

استغلت الشهرة لتوزيع المخدرات…تفاصيل الاطاحة بالمنتجة سارة خليفة

صابر الحرشاني

رئيس الجمهورية:المخطط التنموي 2026-2030 سيكون نابعا من إرادة المواطنين

صابر الحرشاني

Leave a Comment