الصافرة التونسية خارج المونديال أين اختفي الحكم التونسي؟
محمد الدريدي
في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو بطولة كأس العالم 2026، حيث تتقاطع الأحلام وتُصنع الأساطير، تعيش كرة القدم التونسية على وقع مفارقة مؤلمة لا تتعلق هذه المرة بنتائج المنتخب أو حضوره، بل بغياب أحد أهم أعمدة اللعبة، وهو التحكيم. الصافرة التونسية التي كانت يوماً ما حاضرة في أكبر المحافل، وتُستدعى لأصعب المباريات، تجد نفسها اليوم خارج قائمة النخبة العالمية، في مشهد يثير الكثير من الأسئلة ويعيد إلى السطح ملفاً طال الحديث عنه دون حلول جذرية.
تراجع رهيب لاكثر من عقدين
هذا الغياب لا يمكن التعامل معه كحادثة عرضية، بل هو نتيجة مسار طويل من التراجع التدريجي الذي أصاب منظومة التحكيم في تونس. فمنذ أكثر من عقدين، لم تعد الأسماء التونسية حاضرة في كأس العالم، وهو ما يعني عملياً خروج مدرسة كاملة من دائرة التأثير الدولي. والأمر لا يتعلق فقط بعدم اختيار حكم أو اثنين، بل بانحسار الثقة في المنظومة ككل، وهو ما ينعكس سلباً على صورة كرة القدم التونسية في الخارج.عند العودة إلى الماضي، تتضح حجم المفارقة. تونس كانت من بين الدول الإفريقية الرائدة في مجال التحكيم، وقدمت أسماء صنعت التاريخ وأثبتت كفاءتها في أعلى المستويات. من أبرز هذه الأسماء الحكم الدولي علي بن ناصر، الذي كان مثالاً للحزم والدقة، وشارك في إدارة مباريات في كأس العالم، وكان حاضراً في مواعيد كبرى تطلبت شخصية قوية وقدرة عالية على التحكم في نسق المباريات. إلى جانبه، برز اسم ناجي الجويني، الذي أكد أن النجاح التونسي لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل متواصل ومنظومة متكاملة.ولم تتوقف المسيرة عند هذه الأسماء، بل امتدت لتشمل جيلاً كاملاً من الحكام الذين صنعوا سمعة طيبة للتحكيم التونسي، وجعلوا منه مرجعاً على المستوى الإفريقي. هؤلاء الحكام لم يصلوا إلى القمة بسهولة، بل مروا بمسار طويل من التكوين والانضباط والعمل الجاد، في ظل بيئة كانت تمنحهم الثقة وتوفر لهم الدعم اللازم للتطور. كانت هناك فلسفة واضحة تقوم على إعداد الحكم ليكون قادراً على تحمل المسؤولية في أصعب الظروف، وهو ما جعلهم محل تقدير من قبل الهيئات الدولية.غير أن هذه الصورة المشرقة بدأت تتلاشى تدريجياً مع مرور السنوات، حيث دخل التحكيم التونسي في مرحلة من التذبذب وعدم الاستقرار. ومع تطور كرة القدم على المستوى العالمي، لم تتمكن المنظومة المحلية من مواكبة هذه التحولات بالشكل المطلوب، وهو ما أدى إلى اتساع الفجوة بينها وبين بقية الدول. ومع كل نسخة جديدة من كأس العالم، كان الغياب يتكرر، إلى أن أصبح أمراً شبه معتاد، رغم أنه في الحقيقة مؤشر خطير على تراجع عميق.
تحولات اللعبة وضغط البطولة المحلية
لقد تغيرت كرة القدم بشكل جذري خلال العقود الأخيرة، ولم يعد التحكيم مجرد وظيفة تقليدية تعتمد على الرؤية البشرية فقط، بل أصبح جزءاً من منظومة متكاملة تستخدم أحدث التقنيات وتخضع لمعايير دقيقة جداً. دخول تقنية الفيديو، على سبيل المثال، لم يغير فقط طريقة اتخاذ القرار، بل فرض على الحكام تطوير مهارات جديدة والتأقلم مع إيقاع أسرع وأكثر تعقيداً. في هذا السياق، أصبح الحكم مطالباً بأن يكون على دراية تامة بالتكنولوجيا، وقادراً على العمل ضمن فريق متكامل يتواصل بشكل دائم ودقيق.غير أن هذا التحول لم يُواكب بالشكل الكافي في تونس، حيث لا تزال العديد من النقائص تعيق تطور الحكام. فبرامج التكوين لا ترقى دائماً إلى المستوى المطلوب، والاحتكاك الدولي يظل محدوداً، وهو ما يحرم الحكم التونسي من اكتساب الخبرة اللازمة لمنافسة نظرائه من الدول الأخرى. كما أن غياب الاستمرارية في العمل، وكثرة التغييرات في الهيكلة، يساهمان في إضعاف المنظومة ويجعلانها غير قادرة على تحقيق نتائج ملموسة على المدى الطويل.ويزداد هذا الوضع تعقيداً عندما نأخذ بعين الاعتبار الضغط الذي يعيشه الحكم داخل البطولة المحلية، حيث تتكرر الانتقادات والجدل حول القرارات، في أجواء لا تساعد على العمل بهدوء أو على تطوير الأداء. الحكم الذي يعمل في بيئة مشحونة بالتشكيك والضغط المستمر، يجد صعوبة في التركيز على تحسين مستواه، وهو ما يؤثر في النهاية على مردوده وعلى فرصه في التقدم على المستوى الدولي.في المقابل، نجد أن بعض الدول الإفريقية نجحت في استغلال هذه التحولات لصالحها، حيث استثمرت في تطوير التحكيم وجعلته جزءاً من استراتيجيتها الرياضية. المثال الأبرز في هذا السياق هو التحكيم المغربي، الذي فرض نفسه بقوة في مونديال 2026 من خلال الحكم جلال جيد وطاقم متكامل يواكب متطلبات اللعبة الحديثة. هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل منظم ورؤية واضحة تقوم على التكوين المستمر والانفتاح على التجارب الدولية.هذه المقارنة تطرح تساؤلات حقيقية حول أسباب التأخر التونسي، خاصة وأن الإمكانيات البشرية متوفرة، والتاريخ يشهد على قدرة البلاد على إنتاج حكام من الطراز العالي. المشكلة، إذاً، لا تكمن في غياب الكفاءة، بل في غياب الإطار الذي يسمح لهذه الكفاءة بالظهور والتطور.
وعود الإصلاح وحدود الواقع
في محاولة لتدارك هذا التراجع، تم تعيين الحكم الدولي السابق جمال الحيمودي للإشراف على قطاع التحكيم في تونس، في خطوة اعتُبرت آنذاك بداية لمرحلة جديدة. الحيمودي، بما يمتلكه من خبرة دولية، كان يُنتظر منه أن يقود عملية إصلاح شاملة تعيد للمنظومة توازنها وتضعها على الطريق الصحيح. وقد رافقت هذا التعيين مجموعة من الوعود التي تحدثت عن إعادة الهيكلة وتحسين التكوين وتعزيز الشفافية.غير أن الواقع، إلى حد الآن، لا يعكس هذه التطلعات بشكل واضح. صحيح أن هناك بعض المحاولات لتحسين الوضع، إلا أنها لم تصل إلى مستوى التأثير المطلوب، خاصة على الصعيد الدولي. فما زال التحكيم التونسي بعيداً عن دائرة الاختيارات الكبرى، وما زالت نفس المشاكل تتكرر دون حلول جذرية. وهو ما يطرح تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت هذه الإصلاحات كافية، أو ما إذا كانت المنظومة تحتاج إلى مراجعة أعمق وأكثر جرأة.المشكلة الأساسية تبدو مرتبطة بغياب رؤية استراتيجية واضحة المعالم، حيث يتم التعامل مع الأزمات بشكل ظرفي دون وضع خطة طويلة المدى تضمن الاستمرارية. كما أن غياب التنسيق بين مختلف الأطراف المعنية، من هياكل رياضية ولجان تحكيم، يساهم في إضعاف الجهود ويجعلها غير قادرة على تحقيق الأهداف المرجوة. في ظل هذه الظروف، يصبح من الصعب الحديث عن عودة قريبة إلى الساحة الدولية.ومع ذلك، لا يمكن القول إن الوضع ميؤوس منه، لأن تونس لا تزال تمتلك مقومات النهوض. فهناك جيل جديد من الحكام يمكن أن يشكل قاعدة لبناء مستقبل أفضل، شرط أن يتم الاستثمار فيه بشكل صحيح، وأن تُوفر له الظروف المناسبة للتطور. كما أن الاستفادة من التجارب الناجحة في دول أخرى يمكن أن تساعد على اختصار الطريق وتجنب الأخطاء التي وقعت في الماضي.
إن الحديث عن مونديال 2030 كفرصة للعودة يجب أن يتحول إلى مشروع حقيقي، يبدأ من اليوم ويعتمد على العمل الجاد والمتواصل. فالعودة إلى الواجهة لن تكون سهلة، لكنها ليست مستحيلة، إذا ما توفرت الإرادة الحقيقية والإدارة الرشيدة. وفي نهاية المطاف، يبقى غياب التحكيم التونسي عن كأس العالم 2026 جرس إنذار يدعو إلى التحرك قبل فوات الأوان، لأن التاريخ وحده لا يكفي، والمجد لا يُحافظ عليه إلا بالعمل.
