29.2 C
تونس
25 مايو، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

بين الاحتجاجات والتراجع .. الفسفاط  قطاع استراتيجي ينشد الإنقاذ

دخل قطاع الفسفاط في مرحلة دقيقة ترافقت مع تصاعد الاحتجاجات داخل الحوض المنجمي وتنامي المخاوف بشأن مستقبل أحد أهم القطاعات التصديرية في البلاد.

وقد شهدت مواقع الإنتاج، مؤخرا توقف العمل بعدد من الأقاليم التابعة لشركة فسفاط قفصة في المتلوي والرديف وأم العرائس، إلى جانب المظيلة، على خلفية مطالب مهنية تتعلق أساسا بمنحتي العيد والإنتاج، وسط احتجاجات على تراجع قيمة المنح مقارنة بالسنوات الماضية.

وتزامنت هذه التحركات مع تزايد الحديث داخل البرلمان عن ضرورة عقد جلسة طارئة مع الحكومة لبحث وضع القطاع، في ظل مؤشرات اقتصادية واجتماعية توحي بأن الأزمة تجاوزت بعدها الظرفي وأصبحت تمثل تهديدا حقيقيا للتوازنات المالية للدولة ولمستقبل قطاع ظل لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الوطني.

إنتاج دون الأهداف المعلنة

وتكشف الأرقام الرسمية أن قطاع الفسفاط ما يزال عاجزا عن استعادة نسقه التاريخي رغم الوعود المتكررة بزيادة الإنتاج، فشركة فسفاط قفصة سجلت خلال الثلاثي الأول من سنة 2025 إنتاجا تجاريا قارب 825 ألف طن، بارتفاع نسبته نحو 18 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2024، غير أن هذه النتائج بقيت دون الأهداف المرسومة التي كانت تناهز مليون طن.

وتشير المعطيات الرسمية إلى أن بلادنا ما تزال بعيدة عن مستويات الإنتاج التي حققتها قبل سنة 2011 عندما تجاوز الإنتاج 8 ملايين طن سنويا، بينما تراجع لاحقا إلى مستويات تقل أحيانا عن النصف بسبب تقادم الالات و الاحتجاجات وتعطل النقل وضعف الاستثمار وتعقد الوضع الاجتماعي داخل الحوض المنجمي.

ورغم تسجيل تحسن نسبي خلال سنة 2025، مع حديث حكومي عن إمكانية بلوغ 5 ملايين طن، فإن هذا التحسن بقي هشّا وقابلا للتراجع مع كل أزمة اجتماعية أو تعطيل للإنتاج، كما أن الأسواق العالمية لم تعد تنتظر عودة تونس، إذ استغلت دول منافسة سنوات الاضطراب لتوسيع حصصها في السوق الدولية للفسفاط ومشتقاته.

ويؤكد متابعون للشأن الاقتصادي أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بغياب الموارد أو ضعف الطلب العالمي، بل بعجز عن ضمان استقرار الإنتاج والتصدير، وهو ما أثر بشكل مباشر على صورة تونس كشريك اقتصادي قادر على احترام التزاماته التجارية.

أزمة اجتماعية تكشف اختلالات أعمق

الاحتجاجات الأخيرة داخل شركة فسفاط قفصة أعادت طرح الأسئلة حول طبيعة إدارة القطاع والعلاقة بين الدولة والأطراف الاجتماعية داخل الحوض المنجمي، فقد اعتبرت الأطراف النقابية أن القرار بخصوص منحتي العيد والإنتاج يجري دون تفاوض مسبق، مع تسجيل انخفاض كبير في قيمتها مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما زاد من حالة الاحتقان داخل مواقع الإنتاج.

لكن التحركات الحالية لا يمكن فصلها عن واقع اجتماعي صعب تعيشه مناطق الحوض المنجمي منذ سنوات فهذه المناطق تعاني نسب بطالة مرتفعة وهشاشة تنموية متواصلة، في مقابل شعور متزايد لدى السكان بأن الثروات المستخرجة من الجهة لم تنعكس بشكل فعلي على أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية.

كما ساهمت سنوات من التوظيفات غير المدروسة وضعف الحوكمة وتأخر تحديث البنية التحتية في إنهاك المؤسسة، وتحولت شركة فسفاط قفصة تدريجيا إلى مؤسسة تواجه ضغوطا اجتماعية ومالية متراكمة، في ظل ارتفاع كتلة الأجور وتراجع المردودية وتعطل عدد من مشاريع التطوير.

ويطرح هذا الوضع إشكالا أعمق يتعلق بغياب رؤية واضحة لإدارة القطاع، فكل أزمة تنتهي غالبا بتسويات ظرفية دون معالجة جذور المشكلة، ما يجعل التوتر قابلا للعودة في أي لحظة، كما أن غياب الثقة بين مختلف الأطراف ساهم في تعقيد المشهد، حيث تتهم النقابات الإدارة والحكومة بتجاهل الحوار، بينما ترى السلطات أن تواصل التعطيل يهدد مستقبل المؤسسة والاقتصاد الوطني.

ورقة اقتصادية تحتاج قرارا حاسما

مقابل هذا الوضع يمثل قطاع الفسفاط إحدى أهم الأوراق الاقتصادية التي يمكن أن تخفف الضغط على المالية العمومية في بلادنا، خاصة في ظل تواصل عجز الميزان التجاري وارتفاع المديونية وتراجع احتياطي العملة الصعبة، فالقطاع يمتلك بنية إنتاجية قائمة وأسواقا تقليدية وخبرة تاريخية، ما يجعله قادرا على توفير موارد سريعة من التصدير إذا توفرت شروط الاستقرار.

وتراهن الدولة حاليا على جملة من المشاريع لإعادة تأهيل القطاع، من بينها برامج لتطوير معدات الاستخراج والغسل والنقل بقيمة تتجاوز 233 مليون دينار، إلى جانب خطط لإدخال مغاسل جديدة حيز الاستغلال خلال السنوات القادمة.

ويبقى أنجاح هذه المشاريع يبقى مرتبطا بقدرة السلطات على تحقيق توازن بين متطلبات الإنتاج والاستقرار الاجتماعي داخل الحوض المنجمي فكل توقف في الإنتاج ينعكس مباشرة على المجمع الكيميائي التونسي وعلى عائدات الدولة وعلى قدرة تونس التصديرية.

ويعتبر عدد من الخبراء أن إنقاذ قطاع الفسفاط يحتاج إلى مقاربة مختلفة تقوم على إعادة بناء الثقة داخل الجهات المنتجة، وربط التنمية المحلية بعائدات الثروات الطبيعية، إلى جانب إصلاح منظومة الحوكمة داخل المؤسسات المنجمية.

وتواجه الحكومة اختبارا صعبا في هذا الملف، لأن استمرار الاضطرابات يعني خسائر مالية متواصلة وإهدار قطاع يمتلك قدرة حقيقية على دعم الاقتصاد الوطني. كما أن استعادة مكانة تونس في السوق العالمية للفسفاط تتطلب استقرارا طويل المدى، بعيدا عن الحلول المؤقتة والتسويات الظرفية التي رافقت القطاع خلال السنوات الماضية.

Related posts

بنسبة 20 بالمائة..تراجع عجز الميزان التجاري الطاقي

Rahma Khmissi

وحدات الحرس الديواني تحبط محاولات تهريب كميات من البضائع قيمتها الجملية 8.7 مليون دينار

Na Da

قبلي فضاء لعرض وبيع منتجات المراة بالوسط الريفي

Mohamed mabrouk Sallami

Leave a Comment