30.3 C
تونس
23 أبريل، 2026
الصفحة الأولى سياسة

في البرلمان…كلما اقتربت الانتخابات تفاقمت المزايدات

لا يخفى على المتابع للشأن البرلماني ان اداء مجلس نواب الشعب خلال الفترة الاخيرة عرف قدرا من التحسن العامة وتسارع نسق العمل داخل اللجان، غير ان ذلك يخفي في المقابل ظاهرة اخرى تتصاعد تدريجيا داخل اروقة المجلس، تتمثل في ارتفاع منسوب المزايدات السياسية وتزايد حدة التجاذبات بين النواب.

و البرلمان الحالي لم يعد يفصل بينه وبين نهاية عهدته سوى دورتين نيابيتين من بينها الدورة الجارية التي تنتهي في شهر جويلية القادم، وهو ما يجعل جزءا من النواب يدخلون عمليا في اجواء الاستعداد المبكر للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وفي مثل هذه المراحل عادة ما يتحول الخطاب السياسي داخل المؤسسات المنتخبة الى خطاب اكثر حدة واكثر ميلا الى الشعبوية، حيث يسعى كل نائب الى تقديم نفسه باعتباره المدافع الاكثر شراسة عن مصالح المواطنين.

وفي هذا السياق برزت خلال الاشهر الاخيرة عدة مؤشرات توحي كما لو انّ جزءا من النشاط البرلماني لم يعد موجها فقط لخدمة العمل التشريعي او الرقابي في حد ذاته، بل ايضا لارسال رسائل سياسية موجهة الى القواعد الانتخابية والى الرأي العام، في محاولة لبناء صورة سياسية يمكن استثمارها في الاستحقاقات القادمة.

تصعيد الخطاب تجاه الحكومة

و من بين ابرز مظاهر هذه المزايدات ارتفاع حدة الخطاب تجاه الوظيفة التنفيذية داخل الجلسات العامة او في اجتماعات اللجان البرلمانية. فقد لاحظ المتابعون ان عددا من النواب باتوا يعتمدون نبرة اكثر تشددا عند توجيه الانتقادات الى الحكومة او عند مناقشة السياسات العمومية، حيث يتم احيانا استعمال مفردات ثقيلة وشعارات كبيرة تتجاوز في بعض الاحيان الاطار الموضوعي للنقاش.

ولا يقتصر الامر على مجرد الانتقاد السياسي الطبيعي الذي يفترض ان تمارسه السلطة التشريعية في اطار دورها الرقابي، بل يتعداه في بعض الحالات الى ما يشبه المنافسة في رفع سقف المطالب او توجيه الاتهامات، وهو ما يجعل بعض الجلسات تتحول الى ساحة سجال حاد اكثر مما تكون فضاء لنقاش هادئ للسياسات العمومية.

وقد تجلى هذا المنحى بوضوح عند مناقشة عدد من الملفات الاقتصادية والاجتماعية الحساسة، حيث يتم احيانا تحميل الحكومة مسؤولية كل التعقيدات القائمة دون الاخذ بعين الاعتبار تشابك العوامل الاقتصادية او محدودية الموارد المالية للدولة. وفي كثير من الاحيان يكون الهدف من هذا التصعيد هو الظهور بمظهر المدافع الاول عن مصالح المواطنين حتى وان كان ذلك على حساب واقعية الطرح او دقته.

كما ان رفع الشعارات الكبرى المرتبطة بالسيادة الوطنية او حماية المصلحة العامة اصبح بدوره جزءا من الخطاب السياسي المتداول داخل المجلس، وهي شعارات تحظى بطبيعة الحال بقبول واسع لدى الرأي العام، لكنها تتحول احيانا الى مجرد ادوات خطابية تستعمل في سياق المنافسة السياسية اكثر مما تستعمل في سياق صياغة سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.

تعديلات كثيرة وقابلية تنفيذ ضعيفة

احد المؤشرات الاخرى التي تعكس هذا المناخ يتمثل في العدد الكبير من الفصول الاضافية التي تم اقتراحها عند مناقشة قانون المالية. فخلال النقاشات البرلمانية تقدم عدد من النواب بمقترحات عديدة لاضافة فصول جديدة او تعديل فصول قائمة، وهي مبادرات تبدو في ظاهرها تعبيرا عن حيوية العمل التشريعي ورغبة النواب في تحسين النصوص القانونية.

وبرى خبراء في الشأن الاقتصادي اشاروا عض هذه المقترحات تفتقر الى الواقعية او لا تأخذ بعين الاعتبار التوازنات المالية للدولة. بل ان بعض الفصول المقترحة يصعب تطبيقها عمليا بسبب كلفتها المرتفعة او بسبب تعارضها مع سياسات عمومية اخرى.

وفي مثل هذه الحالات يصبح النقاش حول قانون المالية ساحة اخرى للمزايدات السياسية، حيث يسعى بعض النواب الى طرح اجراءات جذابة من الناحية الشعبية حتى وان كانت غير قابلة للتطبيق على المدى القريب. والغاية في كثير من الاحيان ليست بالضرورة تمرير هذه المقترحات بقدر ما هي تسجيل موقف سياسي يمكن استثماره لاحقا في الخطاب الانتخابي.

ويشير متابعون الى ان هذا النوع من السلوك ليس جديدا في التجارب البرلمانية حول العالم، اذ غالبا ما تتكثف المقترحات ذات الطابع الشعبوي كلما اقتربت الانتخابات، خاصة عندما يتعلق الامر بمواضيع حساسة مثل الدعم او الضرائب او القدرة الشرائية للمواطنين.

لكن خطورة الامر تكمن في ان تراكم مثل هذه المقترحات قد يخلق لدى الرأي العام انطباعا مضللا حول قدرة الدولة على الاستجابة الفورية لكل المطالب، وهو ما قد يرفع سقف التوقعات لدى المواطنين بطريقة لا تنسجم دائما مع الواقع الاقتصادي.

استماعات متسارعة ورسائل انتخابية

من بين المظاهر الاخرى اللافتة في نشاط البرلمان خلال الفترة الاخيرة تكثيف جلسات الاستماع الى اعضاء الحكومة داخل اللجان البرلمانية، خاصة خلال شهر رمضان. فقد شهدت عدة لجان برلمانية تنظيم جلسات متتالية مع عدد من الوزراء حول مقترحات قوانين مختلفة او حول ملفات قطاعية متعددة.

و من حيث المبدأ يعد هذا النشاط جزءا طبيعيا من الدور الرقابي للبرلمان، اذ يفترض ان تقوم اللجان بدعوة الوزراء للاستماع الى توضيحاتهم او لمناقشة السياسات الحكومية. غير ان الملاحظ ان هذه الجلسات تتابعت بوتيرة متسارعة وفي ملفات متعددة في الوقت نفسه، دون ان يتم في كثير من الاحيان التعمق بشكل كاف في احدها.

ويرى بعض المراقبين ان هذا النسق المرتفع من جلسات الاستماع قد يكون مرتبطا ايضا بالرغبة في اظهار صورة برلمان نشيط ومتابع لمشاغل المواطنين. فمجرد الاعلان عن عقد جلسة استماع مع وزير معين حول ملف حساس يمكن ان يقدم لدى الرأي العام على انه دليل على ان المجلس يمارس دوره الرقابي بجدية.

غير ان فعالية هذا الدور تبقى مرتبطة بمدى قدرة اللجان على متابعة الملفات المطروحة بشكل منهجي وعلى تحويل النقاشات الى توصيات او مبادرات تشريعية ملموسة. وفي غياب هذا المسار المتكامل قد تتحول بعض جلسات الاستماع الى مجرد محطات اعلامية عابرة لا تترك اثرا فعليا على مستوى السياسات العمومية.

كما ان تعدد مقترحات القوانين التي يتم فتح النقاش حولها في الوقت نفسه دون التركيز على استكمال مسار احدها يعزز الانطباع بان الهدف ليس دائما الوصول الى نتائج تشريعية نهائية بقدر ما هو تسجيل الحضور السياسي داخل الساحة البرلمانية.

صراع الشعارات قبل صراع البرامج

والى جانب كل هذه المؤشرات برزت خلال الفترة الاخيرة ايضا ما يمكن تسميته بصراع الشعارات داخل المجلس. فقد اندلعت في اكثر من مناسبة نقاشات حادة بين النواب حول مفاهيم عامة مثل السيادة الوطنية او المصلحة العامة او الدفاع عن الوطن.

وهذه المفاهيم بطبيعة الحال تحظى باجماع واسع من حيث المبدأ، غير ان توظيفها في النقاشات البرلمانية يتم احيانا بطريقة تجعلها تتحول الى ادوات للمزايدة السياسية. فكل طرف يحاول ان يقدم نفسه باعتباره الاكثر تمسكا بهذه القيم او الاكثر دفاعا عنها، وهو ما يؤدي الى بروز خطابات متناقضة تدور في فلك الشعارات اكثر مما تدور حول السياسات الملموسة.

وفي مثل هذا المناخ يصبح النقاش البرلماني احيانا اقرب الى معركة رمزية حول من يمتلك الشرعية الاخلاقية او الوطنية، بدلا من ان يكون نقاشا تقنيا حول افضل السبل لمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

Related posts

تقلبات جوية بداية من بعد ظهر الغد

صابر الحرشاني

وزارة الخارجية: بيان المفوّض السامي لحقوق الانسان يتضمن مغالطات

صابر الحرشاني

قيس سعيد يقرر الترفيع في درجة التمثيل الدبلوماسي في دمشق

هادية الشاهد

Leave a Comment