30.3 C
تونس
22 أبريل، 2026
اقتصاد الصفحة الأولى

للحد من العجز في الميزان التجاري..الاقبال على استهلاك المنتجات المحلية هو طوق النجاة الأساسي

ياسين الصيد

تقلص العجز التجاري لتونس خلال الشهرين الأولين من 2026 إلى نحو947  مليون دولار مقارنة بنحو1.2  مليار دولار بمقارنة سنوية، مدفوعًا بارتفاع الصادرات وتراجع طفيف في الواردات، وفق بيانات نشرها المعهد الوطني للإحصاء يوم 12 مارس 2026.

وأظهرت بيانات التجارة الخارجية بالأسعار الجارية أن الصادرات ارتفعت بنسبة 6.2 في المئة لتبلغ نحو 3.67  مليارات دولار خلال شهري جانفي وفيفري الماضيين، مقابل 3.46  مليارات دولار قبل عام.

في المقابل تراجعت الواردات بنسبة 0.7 في المئة لتصل إلى نحو4.62  مليارات دولار مقارنة بحوالي4.65  مليارات دولار في الفترة نفسها من 2025. وبذلك تحسنت نسبة تغطية الواردات بالصادرات إلى79.5  في المئة مقابل74.3  في المئة قبل عام، بحسب الإحصائيات التي أوردتها وكالة الأنباء التونسية الرسمية.

وترى أوساط اقتصادية وتجارية أن نمو الصادرات في شهري جانفي وفيفري الماضيين مؤشر على إمكانية الحفاظ على وتيرة تحسين المبادلات رغم الظروف المضطربة من حرب الرسوم الجمركية إلى تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.

وعلى مستوى القطاعات، ارتفعت الصادرات في قطاع الصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 14.8 في المئة، وفق ما تشير إليه البيانات. كما زادت صادرات المنتجات الزراعية والغذائية بحوالي6.1  في المئة مدفوعة بارتفاع مبيعات زيت الزيتون إلى نحو426  مليون دولار مقابل343  مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي.

لكن الصادرات في قطاع الفوسفاط ومشتقاته، أحد الصناعات التي تراهن عليها الحكومة لزيادة الإيرادات إلى جانب السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج، تراجعت بواقع 24.6 في المئة، وفي قطاع النسيج والملابس والجلود بنسبة 1.8 في المئة. وإضافة إلى ذلك انخفضت صادرات قطاع الطاقة بنصف نقطة مئوية نتيجة تراجع صادرات النفط الخام إلى نحو82  مليون دولار مقارنة مع 127 مليون دولار قبل عام. وعلى مستوى الواردات حسب المجموعات، ارتفعت واردات مواد التجهيز بنسبة 1.4 في المئة ومواد الطاقة بنسبة 1.7 في المئة. كما زادت واردات المواد الاستهلاكية بنسبة 2.3 في المئة والمواد الغذائية بنسبة 2.6 في المئة، بينما تراجعت واردات المواد الأولية ونصف المصنعة بمقدار 6 في المئة. وبلغت الصادرات التونسية إلى الاتحاد الأوروبي، التي تستحوذ على 72.1 في المئة من إجمالي الصادرات، نحو2.65  مليار دولار خلال الشهرين الأولين من 2026 مقابل2.41  مليار دولار في الفترة نفسها من 2025.

وسجلت الصادرات ارتفاعًا إلى فرنسا بنسبة 15.7 في المئة وإلى ألمانيا بنسبة 9.9 في المئة، بينما تراجعت إلى إيطاليا بنحو 1.6 في المئة وإلى هولندا بمقدار 25.3 في المئة.

وعلى صعيد الأسواق العربية، ارتفعت الصادرات إلى مصر بنسبة 76.4 في المئة وإلى السعودية بنسبة 68.9 في المئة، في حين تراجعت إلى المغرب بنسبة 45.3 في المئة وإلى الجزائر بنسبة 18.6 في المئة وإلى ليبيا بنسبة 29.2 في المئة.

وفي ما يتعلق بالواردات، بلغت واردات تونس من أسواق التكتل الأوروبي، التي تمثل 45.6 في المئة من إجمالي الواردات، نحو2.1 مليار دولار مقابل1.96  مليار دولار قبل عام.

وتشير الأرقام إلى نمو الواردات من فرنسا بنسبة 26.3 في المئة ومن إيطاليا بحوالي 12.3 في المئة، مقابل تراجعها من إسبانيا بنحو 5 في المئة ومن اليونان بنسبة 28.2 في المئة. وخارج أسواق الاتحاد الأوروبي، ارتفعت الواردات من تركيا بنسبة 3.8 في المئة ومن الهند بنسبة 48.9 في المئة، في حين تراجعت من روسيا بنسبة 59.7 في المئة ومن الصين بنسبة 18.1 في المئة.

وسجل الميزان التجاري للسلع عجزًا بنحو 947 مليون دولار، نتيجة العجز المسجل أساسًا في مواد الطاقة والمواد الأولية ونصف المصنعة ومواد التجهيز والمواد الاستهلاكية، في حين حققت المواد الغذائية فائضًا يقدر بنحو167  مليون دولار.

وأظهرت البيانات أن العجز التجاري باستثناء قطاع الطاقة انخفض إلى نحو305  ملايين دولار، بينما بلغ عجز قطاع الطاقة نحو641  مليون دولار مقابل حوالي628  مليون دولار على أساس سنوي.

وقبل اشهر أظهر تقرير اقتصادي جديد للبنك الدولي بعنوان “تعزيز شبكات الضمان الاجتماعي لأجل نجاعة أكبر وتحقيق العدالة”، نُشر يوم 26 نوفمبر 2025 أنّ العجز التجاري لتونس خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2025 تعمّق نتيجة ركود الصادرات وزيادة الواردات، مع بروز فجوة واضحة بين أداء القطاعات المصدّرة كليًا والقطاعات المنتجة للسوق المحلية.

قدّر البنك الدولي العجز التجاري لتونس بـ 9  بالمائة من الناتج الداخلي الخام مقابل 8.5  بالمائة في الفترة نفسها من 2024.كما سجّل التصدير استقرارًا عند مستوى 25  بالمائة من الناتج مقابل 29.1 بالمائة في 2024، فيما ارتفعت الواردات بنسبة5 بالمائة.

بين التقرير ان الصناعات الثقيلة والغذائية وراء التعمّق حيث تضاعف عجز الصناعات الميكانيكية من 1.2  الى 2.2  من الناتج، بسبب ارتفاع واردات السيارات (1.4 مليار دينار).
وتحوّل فائض الميزان الغذائي في 2024 (0.1 ) إلى عجز (0.6 )  في 2025 نتيجة تراجع أسعار زيت الزيتون.
اما العجز الطاقي، الذي يمثّل نصف العجز التجاري لتونس، فقد سجل تراجعًا بـ 4  بفعل انخفاض أسعار النفط عالميًا بـ 16 دولارًا.

كشف التقرير عن فجوة واسعة بين المصدّرين والمنتجين للسوق الداخلية وتباينًا مهما بينالقطاعات المنتجة للسوق المحلية بتسجيل عجز بحوالي30.5  مليار دينار وهو ما يوازي16.4 من الناتج.
كما أشار الى ان القطاعات المصدّرة كليًا سجلت فائضا بـ 1.38 مليار دينار (7.4 من الناتج) ويُعزى هذا الفائض أساسًا إلىالصناعات الميكانيكية والكهربائية(فائض بـ 4.8  من الناتج) وقطاع النسيج والملابس(فائض بـ 1.3 من الناتج) مضيفا ان الخدمات والتحويلات غير كافية لتغطية العجزرغم تطوّرعائدات السياحة إلى 6.3  مليار دينار (+8.2 )،
وتحويلات التونسيين بالخارج إلى 6.5  مليار دينار (+8 )،إلا أنّ هذه الموارد لم تكن كافية لتغطية العجز التجاري للسلع، مما أدى إلى تعمّق العجز الجاري. وارتفع العجز الجاري إلى 2 من الناتج في النصف الأول من 2025 مقابل 1.2 في الفترة نفسها من 2024، بسببارتفاع خدمة الدين (+9.4 ) وتفاقم العجز التجاري.

التخفيف من العجز التجاري ممكن بطريقتين تقليديتين في غاية البساطة وهما تخفيف الواردات والترفيع في الصادرات فمن ناحية تخفيف الواردات

يمكن تحقيقه عبر استراتيجيات متعددة المستويات دون التضحية بالنمو الاقتصادي عبر ترشيد الواردات الاستهلاكية من خلال تشديد الرقابة على الواردات الكمالية مثل السلع الاستهلاكية غير الضرورية (التي ارتفعت بنسبة 10.6%). ويمكن ذلك عبر فرض رسوم جمركية مؤقتة أو حوافز ضريبية للمنتجات المحلية، مما يشجع الاستهلاك الداخلي. على سبيل المثال، حملات توعية لدعم “المنتج التونسي” يمكن أن تقلل الاعتماد على الواردات.  الخطوة الثانية تتمثل في تعزيز الإنتاج المحلي في القطاعات الحساسة عبر دعم الزراعة لتقليل واردات المواد الغذائية (التي انخفضت بالفعل بنسبة 3.9%) والاستثمار في الري الحديث وتوزيع البذور عالية الجودة وهو ما سيمكن من تعزيز الاكتفاء الذاتي، خاصة في زيت الزيتون والمنتجات الفلاحية.

الخطوة الثالثة تتمثل في تحسين الكفاءة الطاقية عبر استمرار تقليص واردات الطاقة (التي انخفضت بنسبة 13.8%) عبر برامج توفير الطاقة في المنازل والصناعات، مثل تركيب ألواح شمسية مدعومة.

على المدى المتوسط يمكن تطوير بدائل محلية للمواد الأولية من خلال الاستثمار في صناعات نصف مصنعة محلية لتقليل الواردات (التي ارتفعت بنسبة 7.5%). على سبيل المثال، شراكات مع الشركات الأوروبية لنقل التكنولوجيا في قطاع الميكانيكية، مما يحول الواردات إلى إنتاج داخلي.

أيضا إعادة هيكلة قطاع الطاقة عبر التحول نحو الطاقات المتجددة (الشمسية والرياح) لتقليل الاعتماد على المواد المكررة المستوردة، مما يوفر مليارات الدنانير سنوياً ويعزز الصادرات في هذا القطاع.

ثالثا تنويع الموردين من خلال تقليل الاعتماد على الصين وتركيا وباقي الدول التي لتونس معها عجز تجاري كبيرعبر اتفاقيات تجارية مع دول أخرى مثل الهند أو البرازيل، مع التركيز على مواد تجهيز أقل تكلفة.

اما على المدى الطويل فيجب إصلاح المنظومة اللوجستية من خلال رقمنة الإجراءات الجمركية وتحسين البنية التحتية للموانئ والمطارات لتسريع التجارة وتقليل التكاليف، مما يجعل الإنتاج المحلي أكثر تنافسية اضافة الى بناء سياسة تجارية متوازنة تقوم على تشجيع الصادرات نحو الأسواق الآسيوية (مثل الصين) لمعادلة الواردات، عبر بعثات تجارية ومعارض دولية. كما يجب تعزيز الشراكات مع الخليج وإفريقيا جنوب الصحراء لتنويع المصادر.

كما يجب زيادة الاستثمار في التعليم والابتكار والاستثمار في التعليم الفني لتطوير صناعات ذات قيمة مضافة عالية، مثل النسيج التقني (الأقمشة الطبية)، مما يقلل الحاجة إلى واردات مواد التجهيز (التي ارتفعت بنسبة 17.4%).

إن الحل لتلافي هذا العجز هو حماية النسيج الاقتصادي الوطني ومراجعة بعض الاتفاقيات على غرار اتفاقية التبادل الحر مع تركيا، التي وقعت مراجعتها عام 2020 جزئيا ومواصلة الدولة التونسية في السياسة التي تتبعها منذ 25 جويلية 2021 والمتمثلة في اتخاذ إجراءات حمائية والحد من توريد بعض المواد الاستهلاكية التي تعد غير ضرورية كما يجب العمل على التشجيع على استهلاك المنتوج التونسي والذي يمثل في الظرف الراهن ضرورة وليس خيارا، وهو مرتبط بدرجة وعي التونسي اليوم وأكثر من أيّ وقت مضى، بالتضامن الاقتصادي الحقيقي بالإقبال على شراء منتوج بلاده خاصة ان العديد من الدول التي خرجت من تداعيات الحروب والأزمات الاقتصادية بتكاتف شعوبها والتحامها في ما بينها اقتصرت على اقتناء منتوج بلادها من أجل أن تنهض صناعتها وتزدهر أكثر، ومثال ذلك ألمانيا واليابان على أثر الحرب العالمية الثانية واللتين استطاعتا بفضل وعي مواطنيهما بضرورة دعم انتاجهما المحلي الخروج سريعا من ازمتيهما الاقتصادية بل واصبحتا في ظرف سنوات معدودة قوتين اقتصاديتين كبيرتين وهذا الامر ممكن حدوثه في تونس لو تحلى المواطن بالوعي بضرورة التمسك بمنتجات بلاده والاقبال عليها بكثافة حتى يتم اسناد المؤسسات المحلية ماليا وتقوية قدراتها التنافسية لتتمكن من اكتساح عديد الأسواق الخارجية وعدم الاقبال الاعمى على العلامات التجارية الأجنبية التي تمكنت من اكتساح الأسواق التونسية لان المواطن اقبل عليها مفضلا إياها على منتجات بلاده لا سيما في قطاع الملابس الجاهزة، التي أثرت بشكل لافت في النسيج الصناعي والتجاري لصناعة النسيج في البلاد، ما جعل العديد من التجار ومصانع النسيج يعلنون إفلاسهم.

يؤكد الخبراء أن الوضع الاقتصادي للبلاد يحتاج للنهوض الى وعي المواطن بدوره في دعم المنتجات المحلية والترفيع من نسق استهلاك المنتوج المحلي لتنشيط الحركة التجارية، وإحداث حلقة اقتصادية متكاملة العناصر، انطلاقاً من تعزيز نشاط الوحدات المختصة في المواد الأولية، وتشغيل الوحدات الإنتاجية، ومروراً بإعادة الحياة إلى التجار، بخاصة الصغار منهم، الذين يعيشون حالة كساد مهمة في هذه الفترة وهو ما ستكون له تداعيات إيجابية على الدورة الاقتصادية برمتها وعلى تحسن الأسعار والاستقرار الاجتماعي والحد من البطالة.

من جانب آخر يجب العمل على تطوير السياسات الحمائية غير الجمركية للإقتصاد التونسي وأن تكون صلب الإهتمامات الإستراتيجية للحكومة لأنها تتطلب مشاركة العديد من الوزارات المتدخلة في الجوانب الفنية لتطوير هذه السياسات التي تعتمد بالأساس على تطوير المعايير الفنية للمنتوجات التي يتم ترويجها بالسوق التونسية وهذا يتطلب الإستثمار في مجال المخابر وتكوين الإطارات المتخصصة وهذا يمكن من اكتساب الخبرات والآليات التي تكتسبها الدول المتقدمة في هذا المجال بحيث تصبح المواصفات التونسية أكثر تشدّدا مما يحمي بدرجة أولى المستهلك التونسي من منتوجات صحيح أنها ذات أسعار متدنية ولكن جودتها أقل بكثير من المواصفات العالمية المعمول بها وكذلك يساعد المنتوج التونسي على تطوير جودته وتنافسيته.

لقد ركزت الحكومة على مجموعة من الإجراءات للحد من العجز التجاري، منها ترشيد الواردات، حيث قامت بوضع قائمة بالسلع والمنتجات المستوردة الخاضعة للمراقبة، ورفعت الرسوم الجمركية على بعض السلع المستوردة، إلى جانب دعم الصادرات، حيث قدمت الحكومة دعمًا ماليًا للشركات التونسية المصدرة، ونظمت معارض تجارية في الخارج لتسويق المنتجات التونسية.

كما ركزت الحكومة على تطوير الصناعات المحلية لتقليل اعتماد البلاد على الواردات، ونجحت في الرفع من الصادرات التونسية ليتحسن ميزان المدفوعات، خاصة في بداية عام 2024 بالتوازي مع التحكم في نسبة التضخم وحماية رصيد البلاد من العملة الصعبة وقامت بتحفيز الصادرات بتقديم منح وقروض ميسرة للمصدرين تهدف إلى دعم الشركات التونسية في توسيع أعمالها في الأسواق الخارجية، كما تعمل الحكومة على تسهيل الإجراءات الإدارية لإنشاء الشركات والمشاريع التجارية ومحاربة الفساد الذي يعرقل الاستثمار والتجارة وتحسين مناخ الاستثمار لجذب المستثمرين الأجانب، بالإضافة إلى التفاوض على اتفاقيات تجارية حرة حيث تسعى تونس إلى التفاوض على اتفاقيات تجارية حرة مع الدول الأخرى لتحسين فرص الوصول إلى الأسواق الخارجية وجذب الاستثمار الأجنبي، خاصة في القطاعات المصدرة.كما تسعى تونس إلى تعزيز التعاون مع الدول العربية والإسلامية لزيادة حجم التجارة البينية.

صحيح ان تونس تواجه تحديات كبيرة في خفض عجزها التجاري، لكن جهود الحكومة والقطاع الخاص تُظهر التزامًا جادًا بتحقيق هذا الهدف، الا ان النجاح سيقترب اكثر حين يلتزم المواطن بدعم الإنتاج المحلي.

Related posts

مؤثّرون عُمانيّون يزورون تونس للترويج لزيت الزيتون

صابر الحرشاني

اليوم…ارتفاع طفيف في الحرارة

صابر الحرشاني

الاثنين 31 أكتوبر 2022: أسعار الصرف في المعاملات

yosra Hattab

Leave a Comment