3 مايو، 2026
الصفحة الأولى سياسة

في خطاب عيد الشغل…الاتحاد يفتح صفحة جديدة

جاء خطاب غرة ماي 2026 الذي ألقاه الامين العام الجديد للمنظمة الشغلية صلاح الدين السالمي في لحظة ذات دلالات متعددة، كرّست الانطباع بأن الاتحاد يسعى الى فتح صفحة جديدة.

و اتسم أول ظهور خطابي للامين العام الجديد للاتحاد بظرف خاص، اثقلت فيه المنظمة الشغيلة بأزمات داخلية حادة وفي ظرف اجتماعي يتسم بضغط اقتصادي واضح و تراجع لافت في مختلف الادوار المنوطة بعدتها، و بهذا المعطى كانت كلمة السالمي احد اهم الاليات التي يمكن قياس بوصلة الاتحاد عليها، لأن أول خطاب في مثل هذه المناسبة يتحول عادة إلى إعلان توجهات، وضبط إيقاع المرحلة المقبلة، وتحديد المسافة مع ما سبقها دون القطع معه بالكامل.

انتقال قيادي ووحدة الصف النقابي

واللافت في مضمون الخطاب أن الامين العام الجديد اختار نبرة موزونة منذ البداية، حيث أشار إلى أن المناسبة تأتي في “بداية ولاية جديدة… بعد المؤتمر السادس والعشرين”، وهو توصيف يضع الخطاب في إطار انتقال قيادي منظم، لا في سياق قطيعة، وهذا التحديد الزمني والسياسي يفتح المجال لقراءة تقوم على أن القيادة الجديدة واعية بثقل الإرث، وتسعى إلى إعادة ترتيبه بدل تجاوزه.

ولا يقتصر الحديث عن بداية صفحة جديدة على البعد التنظيمي، بل يحمل ضمنيا تصورا لإدارة المرحلة، خاصة مع تأكيده على أهمية “المصالحة بين مختلف مكونات الاتحاد… وتجاوز الخلافات”، حيث تكشف هذه العبارة أن أولوية داخلية تطرح نفسها بوضوح، وهي إعادة لُحمة الصف النقابي بعد فترة شهدت تجاذبات.

ومن اللافت ايضا الخطاب لم ينغلق على الداخل، بل توجه مباشرة إلى العلاقة مع الوظيفة التنفيذية، حيث شدد السالمي على أن “الاتحاد لم يسعَ قط للاستيلاء على السلطة”، وهو تصريح يحمل أكثر من رسالة، حيث نجد فيه  ردا على سرديات سياسية اتهمت المنظمة النقابية بتوسيع مجال تدخلها في وقت سابق من خلال الامعان في الدور السياسي، ومن جهة أخرى هو تأكيد على تموقع جديد كقوة اجتماعية لا سياسية بالمعنى الحزبي، حيث يمكن ان يندرج هذا التوضيح ضمن محاولة ضبط الدور، خاصة في سياق تغيرت فيه طبيعة العلاقة بين الفاعلين.

و في مضامين خطاب الامين العام الجديد، برز تمسك واضح بموقع “الشريك الاجتماعي”، مع رفض “محاولات تقييد دوره كشريك اجتماعي”، وهو ما يعكس رغبة في الحفاظ على مكانة الاتحاد في معادلة التوازنات الوطنية وهذا الإصرار يتكامل مع تصريح آخر يؤكد فيه السالمي “مواصلة التعبير عن آرائه بشأن السياسات الاقتصادية والاجتماعية”، ما يعني أن الخطاب لم يتجه نحو التهدئة على حساب الدور النقدي، بل سعى إلى الجمع بين الانفتاح والحفاظ على القدرة على الضغط.

مسألة الحوار الاجتماعي حضرت بقوة، إذ وردت في أكثر من موضع بصيغ مختلفة، من بينها التأكيد على “التمسك بالحوار الاجتماعي” والتنبيه إلى أن “تعطّل الحوار لا يمكن أن يستمر”. هذه العبارات تعكس إدراكًا بأن المرحلة السابقة شهدت انسدادًا في قنوات التفاوض، وأن القيادة الجديدة تريد إعادة فتحها. غير أن هذا الطرح لم يُقدَّم في صيغة عنيفة بالشكل الذي كانت تقدم فيه سابقا، بل في صيغة موقف مبدئي، ما يمنحه بعدا تفاوضيا يهدف إلى البحث ع العودة إلى الطاولة كخيار ضروري.

محاولة استعادة الدور الاجتماعي

في المقابل، لم يغفل الخطاب الجانب الاجتماعي المباشر، حيث حضر سياق “ارتفاع التضخم وتراجع القدرة الشرائية” في التغطيات المرتبطة به، وهو ما ينسجم مع طبيعة المناسبة. هذا الحضور يؤكد أن الاتحاد يواصل تموقعه كمدافع عن المطالب المعيشية، مع ربطها بالإطار الأوسع للسياسات العمومية، كما أن الحديث عن “تعديل الأجور… والدفاع عن الحقوق” يعيد تثبيت الأولويات التقليدية، مع إبقائها ضمن سياق تفاوضي لا تصعيدي مباشر.

ومن النقاط التي تستحق التوقف عندها ايضا أيضا إشارة السالمي إلى “أهمية تعزيز الاستقلال المالي للاتحاد” والدعوة إلى “الاعتماد على الموارد الذاتية” و ذلك بعد وقف الاقتطاع الالي و هذا المعطى يعكس وعيا بضرورة تحصين المنظمة من الضغوط، خاصة في ظل نقاشات سابقة حول آليات التمويل والعلاقة مع الدولة كما أن نفيه أن يكون الحوار مرتبطًا فقط بملف الاقتطاع الآلي يشير إلى محاولة توسيع جدول الأعمال ليشمل قضايا أعمق.

ويمكن القول ان المقاربة التي اعتمدها السالمي تقوم على التوازن بين الاستمرارية والتعديل حيث لم يظهر في الخطاب توجه نحو تغيير جذري في الخيارات الكبرى، بل نحو إعادة ترتيب الأولويات وضبط الإيقاع، وهذا التوجه يتضح في الجمع بين عبارات تؤكد الثوابت النقابية وأخرى تفتح المجال لتطوير آليات العمل، ذلك انّ التمسك بالحوار، الدفاع عن القدرة الشرائية، الحفاظ على دور الشريك الاجتماعي، كلها عناصر تقليدية في خطاب الاتحاد، غير أن طريقة عرضها توحي برغبة في إدارتها بأسلوب أقل صدامية.

وقد يفهم هذا الأسلوب في سياق أوسع يتصل بطبيعة المرحلة السياسية والاقتصادية ، فالضغط المالي على الدولة، وتعقيد الملفات الاجتماعية، يفرضان على الفاعلين البحث عن صيغ توازن جديدة، و في هذا الإطار، يمكن قراءة الخطاب كمحاولة للتموقع ضمن معادلة دقيقة، تتيح للاتحاد الدفاع عن مطالبه دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تكون كلفتها مرتفعة على الجميع.

Related posts

قضية الجيلاني الدبوسي: بطاقة إيداع بالسجن في حق قاض وطبيب

Na Da

اليوم…طقس بارد و امطار متفرقة

صابر الحرشاني

قيس سعيد: كما دخلت الفرحة بإلغاء المناولة.. ستدخل الفرحة كلّ القطاعات

صابر الحرشاني

Leave a Comment