29.4 C
تونس
25 مايو، 2026
الصفحة الأولى مجتمع وطنية

مست نخبة شباب تونس وتهدد مستقبل البلاد…أي حل لهجرة الادمغة والكفاءات ؟

ياسين الصيد

تستمرّ هجرة الأدمغة التونسية نحو أوروبا وبلدان الخليج العربي، والتي مست بشكل كبير اختصاصات مهمة مثل التقنية و الطب والصيدلة والهندسة بمختلف فروعها وفي ظل تنامي الظاهرة، دقّت الجميع ناقوس الخطر، لأن تونس قد تواجه، خلال السنوات القليلة المقبلة، نقصاً في الكفاءات.
وقد احتلّت تونس المرتبة الثانية عربيا بعد سوريا، في هجرة الكفاءات العلمية والنخبة من الأكاديميين. وبلغ عدد المهاجرين، خلال السنوات الأخيرة، ما يزيد عن مائةألف صاحب شهادة علياويرد متخصصون الأسباب إلى تضاؤل فرص الحصول على وظيفة مناسبة وان توفرت فسيعاني صاحبها من تدني الأجور وعدم توفر المناخ والإمكانيات المناسبة للبحث العلمي .

تبقى البطالة أحد أهم أسباب هجرة الأدمغة اذ يعاني نحو 5740 مهندساً و1900 طبيب و8000 أستاذ من أصحاب شهادات الدكتوراه، من البطالة وحذّرت عمادة المهندسين من تفاقم ظاهرة هجرة المهندسين التونسيين، مؤكدة هجرة ما لا يقل عن 13 آلاف مهندس خلال السنوات الأخيرة.
تشير الاحصائيات الى ان اكثر من ثلاثة آلاف مهندس يغادرون تونس سنوياً للعمل في الخارج، في وقت بلغ فيه عدد المتخرجين سنويا ما يفوق 8 آلاف، أي أن ما يقارب عن45 في المائة يهجرون البلاد، وهذا الرقم مرتفع وتشير عديد الدراسات الى ان  الأسباب المادية هي إحدى أبرز دوافع هجرة المهندسين التونسيين لأنه بعد سنوات عدة يقضيها هؤلاء في الدراسة، لا يحصلون على أجر مناسب. وفي ظل غلاء المعيشة وتزايد أعباء الحياة والتفكير في المستقبل، يهاجر المهندسون التونسيون، خصوصاً إذا ما تلقّوا عروضاً مغرية في بلدان أخرى.
ورغم ان قرار الهجرة ليس سهلاً، لأن الشخص سيبتعد عن محيطه وعائلته ويترك وطنه. لكن هناك دوافع عدة تقود الإنسان إلى التخلي عن كل ذلك من أجل تحسين وضعه المادي، أملاً في حياة أفضل لانه رغم المطالب المتكررة بتحسين ظروف المهندسين وزيادة الأجور، الا إن الوضع لم يتغير.
كما تشهد هجرة الأطباء ارتفاعاً مستمراً من عام إلى آخر. واكد متخصصون في الطب أن 1700 طبيب هاجروا تونس بين عامي 2019 و2022 كمابينت دراسات أن عددا كبيرا من الأطباء التونسيين الجدد المسجلين في هيئة الأطباء غادروا البلاد نحو وجهات مختلفة.
وبالتوازي، تشهد العديد من المؤسسات الجامعية هجرة نخبتها، ويرى مختصون أنّ نزيف هجرة الأساتذة الجامعيين متواصل من جراء سياسة الحكومات المتعاقبة وضرب الجامعة الحكومية والأستاذ الجامعي مؤكدين أن الدولة منذ عقود نفّرت بسياستها الحالية أدمغتها، وهو ما يتضح من خلال عدم رد الاعتبار للأساتذة الجامعيين وشهاداتهم العلمية، وعدم تحسين ظروف عملهم وظروف البحث العلمي، إضافة إلى ضعف اجر الأستاذ الجامعي التونسي الذي يصنف من الأقل عربياً.
ومنذ عام 2011 استفحل نزيف هجرة الأساتذة الجامعيين الباحثين ووصل عددهم الى الآلاف ويقدر عدد الأساتذة الجامعيين الباحثين الذين هاجروا بنحو 6500 أستاذ، من بين نحو 12 الف أستاذ جامعي باحث. وتحصل  هجرة الأدمغة بوسائل مختلفة، سواء عبر المسالك الرسمية عن طريق وكالة التعاون الفني، وهناك من يغادرون بصفة فردية وهم النسبة الاغلب.

وتفاقمت هجرة الأساتذة الجامعيين بسبب إغلاق أبواب الانتداب أمام الأساتذة منذ عام 2017 ، ما يعني وجود نحو 7 آلاف أستاذ عاطل من العمل. وقد كشف المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية أن الأساتذة المتواجدين في الخارج يقدرون بعشرات الآلاف، مبيناً أنّه على الرغم من الاحتجاجات والاعتصامات التي خاضها الأساتذة الجامعيون، فإن حل ازمتهم لم يتم بالشكل الكافي وهذا يعود الى اعتبارات مالية لعدم قدرة المالية العمومية على التكفل باجور جديدة وهي المطالبة اساسا بتخفيض كتلة الاجور في القطاع العمومي لتوفير نفقات مهمة للاستثمار الذي هو ضروري لتحسين اقتصاد البلاد وتوفير الشغل لعديد التونسيين وتحسين اوضاع الجهات الداخلية خاصة وهي التي تناستها مختلف الحكومات في العشرية السابقة وهو ما زاد في تضاؤل مساحات التفاؤل بوضع حد لنزيف هجرة الأساتذة الجامعيين، خاصة ان محاولات ضرب الجامعات العامة في العرشية السابقة، من خلال سياسة تشجيع الجامعات الخاصة، إضافة إلى تشجيع أبناء الأثرياء على ارتيادها بهدف ضرب التعليم العام استفحلت بشكل كبير في سنوات ما بعد الثورة.

وقد أكد المرصد الوطني للهجرة ، قبل عام تقريبا ان تونس ستشهد مستقبلا ارتفاعا في عدد المهاجرين من الأدمغة والكفاءات بسبب الامتيازات التي تقدمها البلدان المستقطبة لهذه الفئات مقابل عديد الصعوبات في تونسوأوضح ان التوقعات بمزيد ارتفاع هجرة الأدمغة تتعلق خاصة باختصاصات الهندسة الرقمية و الطب، مشيرا الى ان عديد العوامل التي تدفع هذه الفئات الى مغادرة البلاد أبرزها الجانب الاقتصادي و الاجتماعي بالإضافة إلى نقص مجالات التكوين و البحوث والظروف المهنية التي أصبحت لا تتلاءم مع طموحاتهم لافتا إلى ان البلدان المستقطبة لهذه الفئات على غرار ألمانيا و فرنسا تعمل على تطوير التشاريع و تسهيل الحياة المهنية لهذه الفئات فضلا عن تقديم أجور مرتفعة وتوفير ظروف عمل لائقة، في المقابل يجد الطبيب او المهندس في تونس نفسه امام قوة دفع كبرى لمغادرة البلاد. كما اشارت دراسة أنجزها المعهد الى ان حوالي 36 الف تونسي يغادر البلاد سنويا لعدة اعتبارات أهمها الاقتصادية والاجتماعية.وكشفت دراسة أخرى ميدانية قام بها المعهد، ان 65 %  من المستجوبين من فئة الشباب يرغبون في الهجرة وشدد المعهد على ان المؤشرات التي تبعث عن القلق هي ان حوالي 40% من الشباب يفكرون في الهجرة حتى و إن كانت غير نظامية.

كما كشف استبيان أجرته تنسيقية الدكاترة المعطلين عن العمل استجوبت فيه مجموعة تضمّ نحو 19 ألفا من الدكاترة والأساتذة، عن رأيهم في الهجرة للعمل بالخارج، أن الأغلبية الساحقة (97%) عبروا عن استعدادهم للسفر في أول فرصة، وكشف الاستبيان أن الذين يختارون البقاء في تونس لديهم وضعية أكثر استقرارا أو ارتباطات زوجية وعائلية. وهذه الأرقام والمعطيات تكس ما تعانيه هذه الفئة المهمة من بطالة مؤرقة أثرت على وضعها الاجتماعي والنفسي، وهي ترى أن المشكل الأساسي لمعضلة التشغيل هو غياب إستراتيجية للاستفادة من الكفاءات في كل المجالات ورغم أن الدولة أنفقت موارد كبيرة لتكوين طلبتها .

مؤخرا أعرب مسؤولون في نقابتي الطب والهندسة بتونس عن قلقهم من ارتفاع متزايد في عدد الكوادر التي تختار الهجرة إلى الخارج، مع تفاؤلهم بالتوصل إلى حل لهذه المعضلة التي تمثل خطرا على الخدمات بالقطاعين لتنمية البلاد. وتعد الأجور الضعيفة أحد أبرز أسباب هجرة المهندسين والأطباء التونسيين، فيما تمثل أوروبا وخاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا والنمسا وإيطاليا والبرتغال، أهم الوجهات لهم. وقد اكد ​​​​​​​كمال سحنون، رئيس عمادة المهندسين التونسيين في تصريحات اعلامية له الى ان هناك هجرة كبيرة للمهندسين التونسيين وتضاعفت في السنوات الأخيرة ووصلت إلى عدد 6.5 آلاف مهندس هاجروا خلال عام 2022  مضيفا إن أسباب الهجرة تتمثل في  أن الدول الضعيفة اقتصاديا مثل تونس، لا تلقى كفاءاتها العناية الضرورية ومواردها المالية ضعيفة، وتطور الحياة المهنية ضعيف، ولهذا يسافر المهندسون عند أول فرصة يحصلون عليها

وأوضح كمال سحنون أن المهندس التونسي مطلوب في الخارج كثيرا، فتكوين المهندسين في تونس جيد ومعترف بها عالميا، فالمدارس العمومية للهندسة وجزء من الخاصة، لها اعتماد دولي، وهذا دليل أن التكوين التونسي جيد رغم النقائص.

كما أكد المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية في إحصائيات نشرها في شهر جويلية الماضي أن 39 ألفا من المهندسين غادروا البلاد بين 2015 و2020. وأشار المعهد إلى أن 3 آلاف مهندس يغادرون البلاد سنويا، فيما بلغ عدد المهاجرين في 2022 نحو 6.5 آلاف مهندس.

وعن وجهاتهم المفضلة، قال سحنون إن المهندسين التونسيين يهاجرون إلى أوروبا بكافة دولها، فرنسا وألمانيا وبريطانيا والنمسا وإيطاليا، والبرتغال مؤخرا كما يهاجر المهندسون التونسيون إلى دول الخليج وأمريكا الشمالية؛ كندا والولايات المتحدة وبين أن المهندسين يقصدون مؤخرا وجهة جديدة وهي دول إفريقيا، حيث تختلف فيها الاحتياجات من بلد إلى آخر، فهناك بلدان ترغب في الهندسة المدنية والكهربائية والميكانيكية، بينما تركز أخرى على التكنولوجيات الحديثة والإعلامية.

حلول لمواجهة الهجرة

وقال سحنون: “رئاسة الجمهورية عن طريق المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية أصدرت دراسة في جويلية 2024 حول هجرة المهندسين تحث فيها الدولة على عدة إجراءات لمواجهة هجرة المهندسين”. وتتمثل تلك الإجراءات في “دعم المهندسين ماليا ومهنيا أولا. وتطوير تدريب المهندسين لتحسين الانتاجية ثانيا. وثالثا، تشمل الإجراءات تحسين مناخ الاستثمار ليتمكن المهندسون من إنشاء مؤسسات خاصة لخلق الثروة وتشغيل الناس”. وأكد سحنون أهمية أن تسعى تونس لتصدير المنتجات والخدمات “عوضا عن تصدير المهندسين”.

هجرة الأطباء

هجرة الأطباء ليست أقل نسق من هجرة المهندسين، حيث تقول ريم غشام، رئيسة عمادة الأطباء التونسيين إن هناك دراسة بشأن هذا الموضوع أنجزها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية في مارس  2024. وأظهرت الدراسة إمكانية عودة المهاجرين “إذا أصلحنا بعض المسائل في المنظومة” الداخلية في تونس. وأضافت غشام: “80 بالمئة من الأطباء التونسيين في الخارج عبروا عن إرادتهم في العودة، إذا تم الإصلاح. وبين 2017 و2021 هاجر نحو 3300 طبيب”. وتابعت: “منذ 2022 إلى اليوم، غادر 3000 طبيب آخرين، وكل سنة يهاجر نحو ألف طبيب، منهم أطباء تخرجوا حديثا وأطباء متخرجون منذ سنوات ويعملون في القطاع العام والخاص”. وأوضحت أن أطباء تراوح أعمارهم بين 50 و60 سنة قرروا المغادرة إلى دول عربية بحثا عن أجور مجزية. وقالت غشام: “هناك أشياء لا تقال هو أن المعاشات في تونس ليست هي نفسها في الخارج. والأطباء يفكرون في مستقبل أبنائهم ويريدون تدريس أبنائهم في الخارج في المراحل العليا”. وأضافت: “في المغرب تقلص عدد الأطباء المغادرين إلى الخارج لأنهم ضاعفوا الاجور، وهناك أطباء تونسيون يذهبون الآن إلى المغرب”.

أجور ضعيفة

وجيه ذُكَّار، رئيس المنظمة التونسية للأطباء الشبان أكد أن “عددا كبيرا من الأطباء الشبان يغادرون قبل بداية الحياة المهنية في تونس، ورغم أنهم لم ينهوا آخر سنة في الاختصاص الطبي، يغادرون مباشرة إلى ألمانيا وفرنسا”. وأضاف في تصريحات اعلامية له: “هذا نتيجة معادلة غير متكافئة في مستوى الحياة بين ما كان الأطباء ينتظرونه، وما يتحصلون عليه من أجور، فهم يعتبرون أنهم يستحقون أكثر من ذلك بعد الجهود الكبيرة التي بذلوها في التحصيل العلمي”. وتابع ذُكَّار: “الطبيب الداخلي يتلقى أجرا بـ1300 دينار وبعد 5 سنوات اختصاص يتحصل على 1850 دينارا شهريا”. وأشار إلى أن “أجور الساعات الإضافية بين 1 و3 دنانير وهناك 23 مستشفى من أصل 46 لا تدفع مقابلا ماليا للساعات الإضافية، وعندئذ نفهم سبب الهجرة الكثيفة للأطباء”. ووفق ذُكَّار: “يتسبب اختلال التوازن بين الجهد المبذول والأجر المقبوض وظروف العمل في المستشفيات وغياب الحماية الأمنية في رغبة كبيرة في هجرة الأطباء”.

وزاد: “في فرنسا، تضاعف عدد الأطباء المهاجرين الذين تنتدبهم من عام 2019 إلى الآن، حيث تم استقطاب 80 طبيبا لقسم الطوارئ عام 2019، وفي 2023 تم استقطاب 160 طبيبا، وفي العام الجاري استقطبت فرنسا 250 طبيبا بنسبة 50 بالمئة من الأطباء الناجحين التونسيين”.

حلول مقترحة

وقال ذُكَّار في تصريحاته الاعلامية “الأطباء الشبان يقترحون حلولا للحد من هجرة الأطباء، تتمثل في محورين؛ الأول هو تحسين الأجور وظروف العمل”. أما المحور الثاني، وفق ذُكَّار، فهو “إقناع الأطباء في الخارج بالعودة إلى تونس، وتجاوز شرط الانتماء لنقابة بلد واحد الذي تفرضه تونس”. وأضاف: “نقترح الهجرة الدائرية، أي أن الطبيب يسجل في عمادة الأطباء في تونس ويمكن أن يمارس الطب في بلد آخر لوقت معين في العام”. وحسب ذُكَّار: “75 بالمئة من الأطباء في الخارج عبروا عن رغبتهم في العودة بانتماء مشترك بين عمادتين في تونس وفي الخارج، ونقترح أن يعملوا في تونس مع الحفاظ على الحق في العمل في الخارج لمدة 3 أشهر، وهذا يكون محل تفاوض بين تونس ودول أخرى”. وأشار رئيس المنظمة إلى “إشكالية معادلة شهادات الاختصاص من الخارج وقبولها في تونس، حيث يوجد رؤساء أقسام طبية في الخارج، ولكن عند العودة بعد 20 سنة خبرة، يفرض عليهم قانون معادلة الشهادات لعام 2023 العودة للعمل كمتدربين لمدة سنتين يتحصلون خلالها على 1300 دينار، وهذا لا يمكن أن يقبله أحد”. وأوضح ذُكَّار أن هناك بوادر وصول إلى حل لهذه الإشكالية مع وزير الصحة مصطفى الفرجاني.

تفاؤل بعودة المهاجرين

رئيسة عمادة الأطباء التونسيين قالت إنها “متفائلة بأن الأطباء الذين غادروا سيعودون ولن يمكثوا في الخارج دائما”. وأضافت: “فخر كبير لنا أن أطباءنا في كل بلدان العالم، فهم سفراء جيدون لتونس، ولن يبقوا هناك لو كانت لهم أجور جيدة ببلدهم”. وأكدت غشام أنه “ليس من السهل البقاء في دولة غريبة عنك، خاصة بعد الحرب في فلسطين، حيث يتعرض الأطباء لمضايقات نظرا لتصاعد العداء ضد العرب”. و لان تطور أي بلاد يقوم أساسا على ما تمتلكه من كفاءات فان نزيف هجرة الدمغة في تونس يفرض التفكير على مستوى وطني في تحسبن ظروف عمل الكفاءات والتفاوض مع البلدان الأجنبية للمساهمة في التكوين الأكاديمي لهذه الفئات عبر إحداث كليات مشتركة على سبيل المثال ووضع مقاربة شاملة و جامعة في مجال العلاقات الدولية للحد من هجرة الأدمغة و تنظيم ملف الهجرة بشكل عام.

Related posts

عمادة أطباء الأسنان تدعو الوزارات المعنية والهياكل الطبية لتنظيم حملة وطنية لدعم صمود أهلنا في غزة

Na Da

%25،7 هي نسبة امتلاء السدود

Na Da

الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الجلاء الزراعي

root

Leave a Comment