23.5 C
تونس
1 يونيو، 2026
الصفحة الأولى دولي عالمية

ترامب بين ناري الحرب و الاتفاق: لا “صفقة جيدة” في متناول اليد


قبل حوالي شهر واحد فقط، زعم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أنه ليس في عجلة من أمره لإنهاء الحرب مع إيران، وأن «لديه كلّ ما في العالم من وقت» لاستكمالها، وهو، على حدّ تعبيره آنذاك، «ما لا تمتلكه طهران». لكن اليوم، وبعد تردّد واضح في العودة إلى الضربات العسكرية الشاملة، وسلسلة من «المواعيد النهائية» التي انقضت من دون أن تمتثل إيران لمطالبه، باتت رغبة ساكن البيت الأبيض في التوصل إلى اتفاق، وإن على حساب طموحاته السابقة، تثير حالة هلع في أوساط صقور «الحزب الجمهوري»، الذين خلصوا، على الأغلب، إلى أن ترامب حريص على إنهاء الحرب، ولو عبر الاستسلام.
بدأ الأمر يوم الجمعة الماضي، ببيان استثنائي لرئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، روجر ويكر (من ولاية ميسيسيبي)، اعتبر فيه أن قرار ترامب السعي وراء صفقة «لا تستحق حتى قيمة الورق الذي كتبت عليه»، «غير حكيم»، محذّراً من أن التوصل إلى اتفاق، بدلاً من استئناف العمل العسكري، «يهدّد بعكس صورة ضعف». ورأى أن «ما يشاع عن وقف إطلاق نار لمدة 60 يوماً سوف يكون بمثابة كارثة»، مضيفاً أن «كلّ ما حقّقته عملية (الغضب الملحمي) سوف يذهب سدًى».

وبحلول السبت الماضي، وفيما ضجّت وسائل الإعلام الغربية بأنباء تفيد بقرب التوصّل إلى الاتفاق، سارع العديد من «الجمهوريين» الآخرين إلى التعبير عن مخاوفهم من صحّة تلك الأنباء، وتوجيه توبيخ نادر إلى ترامب، طارحين تساؤلات حول جدوى إشعال الرئيس هذه الحرب من الأساس. وحثّ حلفاء ترامب، الذين دعموا بقوة قراره المثير للجدل بشنّ حرب مشتركة مع إسرائيل على إيران، الرئيس على «الثبات على موقفه»، على الرغم من التكاليف الاقتصادية المتزايدة وعدم وجود أيّ مؤشر على إحراز تقدّم نحو الأهداف الأولية التي حدّدتها إدارته.
ومع ظهور الحكومة الإيرانية في حالة من الابتهاج الواضح عقب تسريب بنود من مذكّرة التفاهم المحتملة، استنكر أعضاء حزب ترامب التقارير التي تفيد بأن الاتفاق المُقترح يحتوي على تنازلات كبرى من جانب واشنطن. وفي هذا السياق، اعتبر السناتور ليندسي غراهام، حليف الرئيس، أنه «إذا أُبرم اتفاق لإنهاء الصراع الإيراني لمجرّد الاعتقاد بأن مضيق هرمز لا يمكن حمايته من الإرهاب الإيراني، وبأن إيران لا تزال تمتلك القدرة على تدمير البنية التحتية النفطية الرئيسَة في الخليج، فحينها سوف يتمّ تصوير إيران على أنها قوة مهيمنة تتطلّب حلاً دبلوماسياً». وحذّر غراهام من أن ذلك سيمثّل «تحوّلاً كبيراً في ميزان القوى في المنطقة، وسوف يشكّل مع مرور الوقت كابوساً لإسرائيل».

من جهته، أعاد توم كوتون، رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، نشر تصريحات غراهام، في حين قال سناتور تكساس، تيد كروز، إنه «قلق للغاية» من التقارير الواردة بشأن الاتفاق المتبلور، منبّهاً عبر منصة «أكس»، إلى أنه «إذا كانت النتيجة لكلّ ما جرى هي بقاء نظام إيراني، يقوده إسلاميون يهتفون بالموت لأميركا، ويتلقّى مليارات الدولارات، ويستطيع تخصيب اليورانيوم وتطوير أسلحة نووية، ويفرض سيطرة فعلية على مضيق هرمز، فإن هذه النتيجة سوف تكون خطأً كارثياً». أمّا مستشار الأمن القومي السابق لترامب، جون بولتون، فرأى، الأحد، أن «آيات الله هم على ما يبدو في طريقهم إلى انتزاع نصر كبير».
في ضوء تلك الانتقادات الحادّة وردود الفعل الغاضبة، وبعدما أعلن أن الاتفاق بات في متناول اليد، بدا أن ترامب يتراجع عن موقفه في اليوم التالي، إذ أشار إلى أن المحادثات تتقدّم بطريقة «منظّمة وبنّاءة»، مضيفاً: «لقد أبلغت ممثليَّ بعدم التسرّع في إبرام الاتفاق لأن الوقت في صالحنا». وفي محاولة منه لتهدئة حدّة الانتقادات، أكّد ترامب لاحقاً أن اتفاقاً «جيّداً ومناسباً» في طريقه إلى التبلور، زاعماً أنه «لا أحد قد اطّلع عليه بعد»، وأنه «لم يتمّ التفاوض عليه بالكامل بعد، فلا تستمعوا إلى الخاسرين الذين ينتقدون شيئاً لا يعرفون عنه شيئاً».

أمّا مستشارو ترامب، الذين يتلقّفون في العادة الانتقادات نيابة عنه، فقد بات الوضع مقلقاً إلى حدّ دفع ببعضهم إلى الردّ بصلافة على المنتقدين، إذ قال المتحدّث باسم البيت الأبيض، ستيفن تشيونغ، رداً على وزير الخارجية السابق، مايك بومبيو، الذي كان قد انتقد بدوره مشروع الاتفاق، إن «بومبيو ليست لديه أي فكرة عما يتحدّث عنه»، وإنه يجب عليه «إغلاق فمه الغبي وترك العمل الحقيقي للمحترفين». ومن جهته، هاجم المستشار السياسي لترامب، أليكس بروسويتز، كروز، قائلاً: «لم يأخذ أحد برأيك. توقّفوا عن محاولة تقويض الرئيس وإدارته».

وبالنظر إلى التحليلات التي أعقبت الاتفاق، يبدو القلق الجمهوري مُبرَّراً، ولا سيما أن ساكن البيت الأبيض، الذي جاهر بتبنّيه سياسة «أميركا أولاً»، يبدو، حالياً، كأيّ رئيس أميركي سابق خاض تجربة خارجية «فاشلة»، وكأنه يحاول الخروج منها باتفاق «سيّئ». وفي هذا الإطار، جاء في تقرير نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» أن أهمّ نقطة في ما يتعلّق بالاتفاق المحتمل بين طهران وواشنطن هي أنه لم تكن هناك، في الأصل، «خيارات جيّدة»، وأنه «في حال كنّا محظوظين»، فإن أفضل ما قد ينتجه الاتفاق هو العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب، أي إعادة فتح طرق الشحن، واستئناف المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني، وذلك في ظلّ وجود نظام أضعف تكتيكياً، إلا أنه أقوى من المنحى الاستراتيجي»، وهو ما يشكّل، في نهاية المطاف، «النتيجة الأسوأ».
ويرى أصحاب الرأي المتقدّم أن هذه هي النتيجة المتوقّعة عندما تُشنّ حملة عسكرية استراتيجية تستند إلى التعجرف والجهل، وتُصوَّر ابتداءً على أنها «رحلة قصيرة» سوف تنتهي خلال أربعة إلى خمسة أسابيع، بـ«الاستسلام غير المشروط» من جانب الخصم. وبالنسبة إلى هؤلاء، قد يبدو من غير العادل إلقاء اللوم على ترامب وحده، نظراً إلى أن هذا «الفشل الاستراتيجي» ليس «طارئاً» على سياسات الولايات المتحدة، وأنه لطالما كانت تلك هي النتيجة الحتمية للانخراط في صراع في الشرق الأوسط، بناءً على مزيج من «سوء التقدير»، عنوانه الاستخفاف بقدرات الخصم الدفاعية وإصراره على المقاومة، والإفراط في تقدير قدرة الولايات المتحدة الهجومية وإمكان خوضها حرباً مكلفة حتى النهاية. وبحسب المصدر نفسه، فإن العودة إلى التصعيد العسكري لم تكن خياراً واقعياً، لأن أيّ محاولة لحسم الصراع بالقوة كانت ستتطلّب حرباً واسعة النطاق تشمل عمليات بحرية ممتدّة في الخليج، وإنزالاً برياً، وانتشاراً كبيراً للقوات الأميركية لتدمير البنية النووية الإيرانية وتأمينها. ومثل تلك الحرب، تعني الانخراط في مواجهة مع دولة يفوق عدد سكّانها مجموع سكان العراق وأفغانستان، مع قيادة سياسية وعسكرية مستعدّة «للقتال حتى النهاية»، الأمر الذي كانت ستترتب عليه خسائر بشرية ومادية «لا يقبلها الرأي العام الأميركي».
ويستعرض المقال ما يصفه بدورات التأرجح في السياسة الخارجية الأميركية منذ حرب الخليج عام 1991، بين «الغرور العسكري» و«الحذر المُفرط»، مشيراً إلى أنّ الرئيس الأسبق، بيل كلينتون، تعامل بضعف مع هجمات تنظيم «القاعدة»، بينما اندفع جورج بوش الابن إلى غزو العراق بثقة مُفرطة عام 2003، ثمّ جاء باراك أوباما بسياسة متردّدة في سوريا، قبل أن يبدأ عهد جو بايدن بانسحاب فوضوي من أفغانستان.
وفي حين بدا ترامب، في البداية، وكأنه تعلّم دروس أسلافه عبر تجنّب الحروب المفتوحة، إلا أنه انتهى إلى الوقوع في الأخطاء نفسها. ويختم التقرير بالإشارة إلى ملاحظة جورج سانتايانا الشهيرة حول التاريخ في مجرى الفكر الشعبي، ومفادها أن أولئك الذين لا يتعلّمون من أخطائهم محكوم عليهم بتكرارها، متسائلاً: «لكن ماذا علينا أن نفعل بأولئك الذين يبدو أنهم تعلّموا الدروس ثمّ ذهبوا وكرّروا الأخطاء على أيّ حال؟».

Related posts

منظمة العفو الدولية تطالب بفتح تحقيق في جرائم حرب ارتكبت في غزة

سنية خميسي

للمرة الثانية في شهر.. فيضانات عارمة تضرب اليونان !

marwa

امريكا : ارتفاع حصيلة القتلى في أسوأ عاصفة ثلجية تضرب البلاد

yosra Hattab

Leave a Comment