34.9 C
تونس
18 يونيو، 2026
غير مصنف

من وحي المونديال…عندما يسجل ابناؤنا ضدنا تبرز مكامن الخسارة

صابر الحرشاني

 

قد تنتهي مباراة في تسعين دقيقة، وقد تمحى نتيجتها من الذاكرة بعد أسابيع أو أشهر، لكن بعض المباريات تترك وراءها أسئلة أكبر من كرة القدم نفسها.

ومن بين أكثر الصور إيلاما في هذا المونديال تلك التي يجد فيها التونسي نفسه يتابع نجاح شاب من أصول تونسية في بلد آخر،حيث لا يتعلق الأمر بالحسد أو برفض نجاح الآخرين، بل بشعور مشروع بالحسرة على طاقات وكفاءات كان يمكن أن تساهم في بناء الوطن لو وجدت الظروف الملائمة لذلك.

 

هجرة الطاقات المهدورة

 

لقد تحولت هجرة الكفاءات خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى أكبر القضايا التي تواجه بلادنا، و أصبحت تمس جوهر المشروع الوطني ومستقبل التنمية وقدرة البلاد على الاحتفاظ بأفضل أبنائها.

و غالبا ما يتم الحديث عن الهجرة من زاوية الأرقام والتحويلات المالية والعجز في بعض الاختصاصات، لكن الجانب الأهم يبقى ذلك الذي لا تعكسه الإحصائيات، فكل طبيب يغادر البلاد يحمل معه سنوات من الاستثمار العمومي في التعليم والتكوين، وكل مهندس أو باحث أو خبير يقرر بناء مستقبله في الخارج يمثل خسارة لجزء من الرأسمال البشري الذي تحتاجه البلاد لتحقيق الإقلاع الاقتصادي المنشود.

ولا تقتصر المسألة على الكفاءات العليا، بل تشمل مختلف الفئات الشابة التي أصبحت ترى في الهجرة أفقا طبيعيا للحياة المهنية والشخصية. وهنا يكمن الخطر الحقيقي، فعندما يتحول الرحيل من استثناء إلى قاعدة، يصبح السؤال المطروح ليس لماذا يهاجر البعض، بل لماذا يبقى البعض الآخر.

ولان الدول تبنى أساسا بالعقول القادرة على الابتكار والإدارة والإنتاج وخلق الثروة، فإن معركة التنمية في القرن الحادي والعشرين هي قبل كل شيء معركة على استقطاب الكفاءات والمحافظة عليها.

وقد أثبتت تجارب عديدة عبر العالم أن الثروة الحقيقية للأمم ليست ما يوجد تحت الأرض بقدر ما يوجد في عقول أبنائها، فالدول التي نجحت في تحقيق القفزات الاقتصادية الكبرى لم تكن بالضرورة الأغنى من حيث الموارد، لكنها كانت الأقدر على الاستثمار في الإنسان وتوفير بيئة تسمح له بالإبداع والعمل وتحقيق الطموح.

 

متاهة البحث عن الأفضل

 

ومن السهل أحيانا تحميل الشباب مسؤولية الهجرة أو اتهامهم بضعف الانتماء، لكن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

فمعظم من يغادرون البلاد لا يفعلون ذلك كرها في الوطن أو تنكرا لهويتهم، بل بحثا عن ظروف أفضل للعمل والحياة والتطور المهني، حيث انهم يبحثون عن منظومات تكافئ الجهد والكفاءة وتوفر فرصا أوضح للنجاح وتحمي المبادرة الفردية.

ولا يمكن لأي دولة أن توقف نزيف الهجرة بالشعارات أو بالدعوات العاطفية، فحب الوطن قيمة نبيلة، لكنه لا يلغي الحاجة إلى العمل اللائق وإلى الأفق المهني وإلى الإحساس بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في إقناع الكفاءات بعدم المغادرة، بل في بناء الأسباب التي تجعل البقاء خيارا معقولا ومغريا في الوقت نفسه.

ويتطلب ذلك مواصلة إصلاح الإدارة وتبسيط الإجراءات ودعم المبادرة الاقتصادية وتحسين مناخ الاستثمار وتشجيع البحث العلمي وربط الجامعة بسوق الشغل، كما يتطلب تعزيز الثقة في المؤسسات وفتح المجال أمام الطاقات الشابة لتحمل المسؤولية والمشاركة في صناعة القرار.

فالشاب الذي يشعر بأن جهده مقدر وأن كفاءته معترف بها وأن مستقبله مرتبط بعمله لا بعلاقاته الشخصية سيكون أكثر استعدادا للمراهنة على بلده مهما كانت الصعوبات.

 

من تحويلات الأموال إلى استعادة العقول

 

و لا شك أن الجالية التونسية بالخارج تمثل مكسبا وطنيا مهما، سواء من خلال التحويلات المالية أو من خلال ما راكمته من خبرات وتجارب ناجحة في مختلف أنحاء العالم، لكن الرهان المستقبلي يجب أن يتجاوز منطق الاستفادة من الأموال المحولة إلى منطق الاستفادة من المعرفة والخبرة والكفاءة.

فالعالم اليوم يشهد منافسة شرسة على العقول، وأصبحت العديد من الدول تعتمد سياسات خاصة لاستقطاب الكفاءات والمحافظة عليها.

وفي المقابل، لم يعد كافيا أن تكتفي الدول المصدرة للكفاءات بمراقبة أرقام المغادرين أو الاحتفاء بنجاحاتهم في الخارج.

و المطلوب هو بناء جسور دائمة بين الوطن وأبنائه أينما كانوا، وتوفير آليات تسمح لهم بالمساهمة في التنمية والاستثمار ونقل الخبرات والتجارب، كما أن المطلوب هو خلق مناخ يجعل العودة في يوم من الأيام خيارا ممكنا ومجديا لا مجرد حلم مؤجل.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه بلادنا اليوم هو المحافظة على الثقة الجماعية في المستقبل، فكل مشروع وطني يحتاج إلى أجيال تؤمن بإمكانية النجاح داخل بلادها وتقتنع بأن التضحيات التي تقدمها اليوم ستثمر غدا تنمية وازدهارا واستقرارا.

ولهذا فإن قضية هجرة الكفاءات لا ينبغي أن تطرح باعتبارها ملفا قطاعيا يخص التعليم أو التشغيل فقط، بل باعتبارها قضية وطنية شاملة تتقاطع فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والتربية والإدارة.

قد نخسر مباراة في كرة القدم، وقد ننتصر في أخرى، لكن الخسارة الحقيقية ستكون يوم نعجز عن تحويل طاقات أبنائنا إلى قوة تبني الوطن وتدفعه إلى الأمام.

 

Related posts

خلال سنة 2025:ترويج أكثر من 93 ألف سيارة وتطور في بيع السياراتالشعبية

root

وزير الخارجية نبيل عمار يلتقي وزير الخارجية اللبناني

رمزي أفضال

إتحاد الشغل: “سياسة انتهاك الحق النقابي يعتبر نسفا للحوار الاجتماعي وضربا للحقوق”

Na Da

Leave a Comment